المختصر المفيد – ٦٠

المختصر المفيد (٦٠)

الحلقة الخامسة: بعد أن استعرضنا في الحلقات الماضية المواجهة العقدية الصحيحة في عداوة الشيطان الرجيم، وفق المنهج الرباني العظيم، ثم استعرضنا بعد ذلك الفهم الخاطئ لدى البعض لقوله تعالى: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء : ٧٦]، مما أدى إلى اتباعهم له !! أبين في مقال اليوم- مستعينا بالله تعالى- الحكمة البالغة من وجود الشيطان الرجيم !! حكمة يجب ألا تغيب عن بال المؤمن أبدا، لأن بها فلاحه ونجاحه !!

يقول ابن القيم رحمه الله في الحكمة من وجود إبليس: “فمنها أن يكمل لأنبيائه وأوليائه مراتب العبودية بمجاهدة عدو الله وحزبه، ومخالفته ومراغمته في الله، وإغاظته وإغاظة أوليائه، والاستعاذة به منه، واللجوء إليه أن يعيذهم من شرّه وكيده، فيترتب على ذلك من المصالح الدنيوية والأخروية ما لم يحصل بدونه”. [شفاء العليل (ص: 322)] ..

كان إبليس الرجيم يسكن الجنة، دل على ذلك قوله تعالى: {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأعراف : ١٨]، وكان مخيرا بين أن يعبد ربه تعالى، وينعم في سعادة أبدية، تحفها رحمة الله تعالى ورضوانه، وبين الشقاء إن هو عصى واستكبر !! كما كان الرجيم يعرف الله تعالى، ويعرف عظمته وجلاله، بل ويكلمه سبحانه، قال تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف : ١٢]، فاختار الرجيم عصيان جبار السماوات والأرض بالرغم من معرفته له.. ثم لم يستغفر ولَم يتب بعد استكباره.. بل بدأ طريقه المعوج باتهام الله تعالى أنه هو من أغواه، {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر : ٣٩]، وربنا تعالى إنما أمره بالسجود لآدم عليه السلام، لكن الرجيم هو من اختار الغواية والضلال والعصيان والاستكبار !!

فكانت نتيجة هذا الاستكبار والتعالي أن طرده الله تعالى من الجنة، كما طرده من رحمته بلعنه، قال تعالى: {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ • وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ} [الحجر : ٣٤-٣٥]

وقد أخبرنا الله تعالى بما حصل من إبليس من عصيان واستكبار !! وأنه صار أنموذجا للتمرد عليه سبحانه، حيث استمر بعد استكباره يخاطب الله تعالى بتحد واستعلاء، وهو سبحانه الذي يقول للشيء كن فيكون: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء : ٦٢]

ثم شرع الرجيم بعد ذلك في حربه الضروس وعداوته الأزلية لآدم عليه السلام وَذُرِّيَّتِهِ، وأخذ يأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ومن فوقهم ومن تحتهم، حتى لا يكونوا من الشاكرين !!

وجه الله تعالى آدم وذرّيته -وهم الذين فضلهم سبحانه على كثير ممن خلق تفضيلا، وأودع فيهم من الطاقات ما لا يعلمها إلا هو سبحانه، ليعمروا هذه الأرض بالحياة الطيبة وفق منهج الله تعالى- وجههم إلى طاعته سبحانه وعبادته، كما حذرهم من الشيطان وحزبه وكيده ومكره !!

فمن استجاب من بني آدم لتوجيه ربه، واتخذ الشيطان عدوا -متذكرًا ذلك العصيان والاستكبار من الرجيم لخالقه، وما تَبِع ذلك من طرده ولعنه- صار يقظا حذرا مراغما للشيطان، مستنفرا كل ما يملك من طاقات -وكأنه في حالة التأهب والاستعداد القصوى، التي يكون عليها الجند حين يواجهون العدو في ساحات القتال- منتجاً فاعلاً لكل ما ينفعه في دنياه وآخرته !! عندها يكون قد أصاب الحكمة من وجود الشيطان التي ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى !!

نعم حينما يجتمع الأمران , منهج الله تعالى، ومسلمون يقظون وحذرون من عدوهم الأكبر إبليس, إذا اجتمع هذان الأمران فانتظر النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة !!

والعكس صحيح، فإن العبد الذي لا يتخذ الشيطان عدواً، فكأنما قد حكم على نفسه بالعيش في ظلمات بعضها فوق بعض، ومن لم يجعل الله له نورا، فماله من نور !!! ومن ثم يصبح صيداً سهلاً للشيطان الرجيم، يُضله ويعده ويمنيه، وما يعده الشيطان إلا غرورا !! قال تعالى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء : ١٢] .. ويكون بذلك قد اختار طريق التمرد على الله تعالى، مواليا للشيطان الرجيم، قال تعالى: {يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا • يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم : ٤٤-٤٥] ..

وأخيرا: فإن من أشقى الناس من يموت على غير ملة الإسلام، حيث يكون وليا للشيطان في الدنيا، ورفيقا له في جهنم وبئس القرار !!

اللهم إنَّا نعوذ بك من الشيطان وشركه ..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
انشر تؤجر .. والدال على الخير كفاعله .. ولا يحتاح خطيب الجمعة أو غيره، للاستئذان مني في طرح ما يراه مناسبا، ممّا وفقني الله لكتابته، في خطبته أو درسه ..
الجمعة ٢-٥-١٤٣٩ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات ..
فؤاد بن علي قاضي