التأمل المفيد – ٢١٤

التأمل المفيد (٢١٤)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة التاسعة والسبعون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة : ٢]، وقال تعالى: {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚوَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور : ٥٤]، وقال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران : ٩٦] !!

إن المتأمل في الآيات الكريمات الثلاث يجد أن “الهُدى” هو الموضوع الجلل العظيم المشترك بين القرآن الكريم والسنة المطهرة والبيت الحرام .. وكيف لا يكون الهُدى بهذه الأهمية والمسلم يدعو ربه تعالى -اهدنا الصراط المستقيم- سبع عشرة مرة في الفروض من صلاته؛ على أقل تقدير ؟! فكيف بمن زاد بصلاة السنن الرواتب والضحى وركعات في جوف الليل؛ إذن لازداد دعاء ربه بأن يهديه ؟!

ولذا؛ فإنني سأقف وقفات لأبين -بمشيئة الله تعالى- كيف أن القرآن الكريم والسنة المطهرة والبيت الحرام؛ اشتركوا في أمور كبيرة تصب جميعها في تعظيم موضوع الهُدى الكبير !!

الوقفة الأولى: حِفظُ الله تعالى لمنابع الهُدى الثلاثة -القرآن الكريم والسنة المطهرة والبيت الحرام- إلى آخر الزمان !!
فالقرآن الكريم محفوظ بنص الآية الكريمة: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر : ٩] !!
والسنة المطهرة حفظها الله تعالى بما قيض لها من رجال الحديث والأثر !!
كذلك سيحفظ الله تعالى بيته الحرام إلى آخر الزمان !! دل على ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا)[رواه مسلم (١٢٥٢)]، وعيسى عليه السلام لا ينزل إلا في آخر الزمان !!
ومن شأن هذا الحِفظ؛ استمرار تذكير العالمين بموضوع الهُدى إلى آخر الزمان !!

الوقفة الثانية: ارتباط هُدى القرآن الكريم وهُدى السنة المطهرة وهُدى البيت الحرام بعضه ببعض !!
ففي الصلاة -الركن الثاني من أركان الإسلام- يتوجه المصلي فيها إلى “القبلة” !!
تاليا “لكتاب ربه” !!
مؤديا أركان الصلاة وواجباتها ومستحباتها “وفق سنة نبيه صلى الله عليه وسلم” !!
ومن شأن هذا الارتباط أن يجعل موضوع الهُدى أعظم ظهورا في العالمين !!

الوقفة الثالثة: التذكير بالجنة:
يعلم كل مسلم أن نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة يذكران بالجنة !!
وكذلك الكعبة تذكرنا بالجنة .. فالحجر الأسود حجر من الجنة !!
ومن شأن تذكير القرآن الكريم والسنة المطهرة والبيت الحرام بالجنة؛ أن ينشدّ الناس إلى طلب الهُدى والاستزادة منه؛ حين بستيقنون أنه لا يدخل الجنة ويتلذذ بنعيمها -الذي قال الله تعالى فيه: {يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ ۖ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الزخرف : ٧١]- لا يدخلها إلا نفس قد اهتدت إلى الإسلام، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ)[متفق عليه] !!

الوقفة الرابعة: القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم يشفعان يوم القيامة، وكذلك الحجر الأسود يشهد لمن استلمه بحق !!
قال صلى الله عليه وسلم عن شفاعة القرآن الكريم: (اقْرَؤُوا القُرْآنَ فإنَّه يَأْتي يَومَ القِيامَةِ شَفِيعًا لأَصْحابِهِ)[رواه مسلم (٨٠٤)]!!
وقال صلى الله عليه وسلم عن شفاعته: (أتاني آتٍ من عندِ ربي، فخيَّرني بينَ أن يدخلَ نصفُ أمتي الجنةَ وبينَ الشفاعةِ، فاخترتُ الشفاعةَ؛ وهي لمن ماتَ لا يشركُ باللهِ شيئًا)[صححه الألباني في صحيح الجامع (٥٦)] !!
وقال صلى الله عليه وسلم عن الحجر الأسود: (إنَّ لهذا الحجرِ لسانًا وشفتَينِ يشهدُ لمن استلمَه يومَ القيامةِ بحقٍّ) [صححه الألباني في صحيح الجامع (٩٦٩)] !!
ومن شأن هذه الشفاعات -التي يحتاجها المسلم يوم القيامة- أن تزيد المسلم تعظيما لمنابع الهُدى: القرآن الكريم والسنة المطهرة والبلد الحرام؛ بما شُرِع لنا من تعظيم؛ علّه يحظى بهذه الشفاعات !!

وأخيرا: بقي أن نعرف كيف يعظِّم المسلم منابع الهُدى .. كتاب ربه تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وبيته الحرام ؟؟!!
الجواب: أمّا تعظيم القرآن الكريم والسنة المطهرة فيكون بالإقبال عليهما قراءة وتدبرا وعملا !!
وأمّا تعظيم بيت الله الحرام؛ فيكون بقصده للحج والعمرة لمن استطاع إليه سبيلا، واستقباله في الصلاة، وفي الدعاء، وعند ذبح الذبائح، وعند دفن الموتى .. وعدم استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة، وعدم التفل تجاه القبلة، قال صلى الله عليه وسلم: (من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة تفله بين عينيه)[صححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٨٤)]!!

هذا؛ وإن من لطيف ما جاء في تعظيم القبلة؛ أن جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المجالس -وهو كل مكان يجلس فيه الناس من بيوت وغيرها- جعله ما كان قُبالة القبلة، قال صلى الله عليه وسلم: (إن لكل شيء سيدا وإن سيد المجالس قُبالة القبلة )[حسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٠٨٥)]، ولذا فإن صدر المجلس -وهو المُسمى الدارج على ألسنة الناس اليوم- يُستحب أن نجعله قُبالة القبلة !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله تعالى له ولوالديه وللمسلمين ..​