التأمل المفيد- ٢١٣

التأمل المفيد (٢١٣)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الثامنة والسبعون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت : ٤٠] !!

بينت -بتوفيق الله تعالى- في المقال السابق كيف يُخرِّب غير المسلمين حضارتهم بأيديهم؛ بأقوالهم وأفعالهم !!
وسأبين في هذا المقال -بمشيئة الله تعالى- أنواع العذاب الكبير والعظيم؛ الذي لا يمكن للبشر تصوره؛ من شدته وعظمته وقوته، والذي توعد الله تعالى به المكذبين له سبحانه ولرسوله عليه الصلاة والسلام في هذه الدنيا !!

والمقال يعالج من جهة أخرى ما يقع لبعض المسلمين من انبهار؛ نتيجة ما يرون لدى غير المسلمين من صناعات وعتاد وسلاح، وكأن لسان حال المنبهر يقول: من يقدر على هؤلاء ؟؟!!

وإذا كان بعض المسلمين قد انبهر بما لدى الحضارة الغربية من صناعات؛ فإن الأدهى والأمر من ذلك: ظن غير المسلمين أنهم تمكنوا من هذه الأرض؛ يفعلون فيها ما يشاؤون، قال تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا} [يونس : ٢٤] .. وقد سمعت من يقول من أهل الحضارة الغربية: “لا يوجد شيء لا نستطيع فعله” -{كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا}- بل الله تعالى هو وحده القادر على كل شيء !!

ومع أن عذاب الله تعالى للمكذبين به تعالى وبرسوله عليه الصلاة والسلام -في هذه الدنيا- لا يقتصر على أنواع محددة العدد والكيف من العذاب -كما في آية سورة العنكبوت التي هي موضع التأمل في هذا المقال .. ذلك أن الله تعالى له جنود السماوات والأرض، قال تعالى: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [الفتح : ٧] !!- إلا أن ما جاء في آية سورة العنكبوت هو أنواع من العذاب المعروف وصفه للناس، أمّا شدته وحجمه وخطره؛ فلا عِلم للبشر به إلا بعد وقوعه، ولذا حين رأى قوم شدة عذاب الله تعالى -حين خُسِف بقارون- لم يقولوا أنه كارثة طبيعية، بل قالوا كما في الآية الكريمة: {لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [القصص : ٨٢]!!
فدعونا نقف وقفات مع هذه الأنواع الأربعة من عذاب الله تعالى للمكذبين به تعالى وبرسوله عليه الصلاة والسلام:

النوع الأول: {فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا} !!
إذا كنا قد رأينا في عصرنا ما تحمله عاصفة رملية من غبار يكاد يعدم الرؤية !! فكيف بحجارة من طين منضود؛ تنزل على المكذبين، قال تعالى: {أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا}، وقال تعالى: {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} [الحجر : ٧٤]، قال أهل التفسير: “وأمطرنا عليهم حجارة من طين متصلب متين.” ؟!!

النوع الثاني: {وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ} !!
وإذا كان صوت بعض الطائرات الحربية يصمّ الآذان .. فكيف بصوت الصواعق التي يرسلها الله تعالى على الأمم المكذبة، قال تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة : ١٩]، وقال تعالى: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ} [الرعد : ١٣]، فضلا عمّا تحمله الصواعق من تدمير، وقد رأينا مقاطع لحوادث فتكت فيها الصواعق بالناس والمنشآت ؟!!

النوع الثالث: {وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ} !!
وإذا كان الناس يفزعون من مقاطع منتشرة؛ تعرض خسفا بسيطا: عبارة عن حدوث شقوق في أماكن مختلفة في هذه الأرض .. فكيف بالخسف الذي يهلك الله تعالى به الأمم المكذبة، قال تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} [الملك : ١٦]، قال أهل التفسير: “فإذا هي تضطرب بكم حتى تهلكوا” ؟!!

النوع الرابع: {وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا} !!
وإذا كان سونامي قد أثار فزع البشرية .. فكيف بالغرق الذي يهلك الله تعالى به الأمم المكذبة، قال تعالى: {فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [الزخرف : ٥٥]، وقال تعالى: {فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ} [الإسراء : ٦٩] ؟!

وأخيرا: بقي أن نعرف أن لعذاب الله تعالى أجلا لا يتقدم عن وقته لرغبة المستضعفين؛ ولا لتمادي المكذبين .. بل يأتيهم بغتة في الأجل المعلوم، قال تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ ۚ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [العنكبوت : ٥٣] !!
كما أن هذا العذاب العظيم الذي يصيب الله به الأمم المكذبة في هذه الدنيا؛ مهما بلغت شدته -قال تعالى: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [النمل : ٥٢]- فهو لا شيء مقابل عذاب الآخرة، قال تعالى: {كَذَٰلِكَ الْعَذَابُ ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [القلم : ٣٣] !!
وعليه؛ فإن أوجب الواجبات على أهل الإسلام أن يحملوا الرحمة في قلوبهم للأمم المكذبة؛ فيكونوا لهم مبشرين ومنذرين؛ يبشرونهم بالجنة إن تابوا، وينذرونهم من عذاب جهنم إن هم أبوا وأعرضوا !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله تعالى له ولوالديه وللمسلمين ..