التأمل المفيد – ٢١٢

التأمل المفيد (٢١٢)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة السابعة والسبعون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر : ٢] !!

نعتقد نحن أهل الإسلام بأن غير المسلمين لا يزدادون -بتمردهم على الله تعالى وتكذيبهم لرسوله صلى الله عليه وسلم- إلا مقتا من الله تعالى وخسرانا في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا} [فاطر : ٣٩] !!
ومع ذلك فقد استوقفني قول الله تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ}، وطرحت على نفسي السؤال التالي: إذا كان يهود بني النضير خربوا بيوتهم بأيديهم؛ وهي بيوت وحصون كانوا يعتدون بها: فما هو الأمر الذي تعتد به الحضارة الغربية في هذا العصر؛ والذي يخربون به حضارتهم ؟

الجواب: لم أجد قوة تمتلكها وتعتد بها الحضارة الغربية -في هذا العصر- أعظم من قوة علوم الإدارة وتطبيقاتها في إدارة كافة مجالات الحياة !!
وبما أن الإبداع والتقدم الإداري سلاح ذو حدين:
حيث يكون إيجابيا ومُبهِرا؛ إذا وُظِّف في مجال من مجالات الحياة؛ شريطة أن يكون هذا المجال منقادا لشرع الله تعالى !!
ويكون سلبيا مدوي السقوط إذا وُظِّف في مجال من مجالات الحياة؛ التي لا يتبنى أهلها شرع الله تعالى !!
* فقد أيقنت عندها أنهم يخربون بيوتهم بهذا التقدم الإداري غير المسبوق !!*
فالحضارة الغربية المادية؛ التي لا تجني بمخالفتها لشريعة الله تعالى؛ وتبنيها ما يغضبه في مجالات الحياة إلا النتائج السلبية: فإنهم بإدارتهم الإبداعية الفائقة يسرِّعون عجلة تحقيق هذه النتائج السلبية؛ لتهوي بهم إلى دركات الجحيم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ}، إنه السقوط الذي وصفه الله تعالى فقال: {وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج : ٣١] !!

وفي مثل هذا المقال القصير سأتطرق إلى ثلاث مجالات فقط: الاقتصاد، والمرأة والإجهاض، والشذوذ المخالف للفطرة؛ فيها يتضح كيف يخربون ويسقطون حضارتهم بأيديهم:

أولا: الاقتصاد: نرى فيه مصداق قول الله تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ} .. أزمات اقتصادية سريعة وماحقة؛ سببها إدارة مؤسساتهم المالية -التي لا تتبنى ما شرعه الله تعالى في معاملاتها- بإدارة عالية فائقة؛ تسارعت بسببها عجلة تحقيق النتائج السلبية؛ حتى أصبح الدَّين العام لأعظم دولة في الحضارة الغربية نحو ثلاثين تريليونا من الدولارات !!

ثانيا: المرأة والإجهاض: نرى فيه كذلك مصداق قول الله تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ} !!
الإجهاض أمر يُغضب الله تعالى، قال تعالى: {وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ} [الممتحنة : ١٢]، قال أهل التفسير: “ولا يقتلن أولادهن بعد الولادة أو قبلها” !!
وبتوظيف الغرب الإدارة الإبداعية الفائقة في مجال عمليات الإجهاض؛ تسارعت بسببها عجلة تحقيق النتائج السلبية، إذ انتقلوا بالإجهاض من بساطته حين يقع في الأسابيع الأولى من الحمل؛ إلى القيام بإجهاض الجنين حتى وهو في شهره السابع والثامن، بل والتاسع، وذلك بحقن الجنين في رأسه -وهو حي يتحرك في بطن أمه- بمحلول يتسبب في سكتة قلبية فورية للجنين؛ يموت بها .. ثم يستخرجوه بطريقة مقززة فظيعة لا أرى داع لذكرها هنا !!
إن من أكبر دوافع الإجهاض لديهم هو الحمل خارج الزوجية؛ بالفاحشة التي استحلوها .. ثم زادوا على فاحشة الزنا أن قتلوا الأجنة .. ولذلك يصح القول فيهم بأنهم قتلة للجنس البشري !!

ثالثا: الشذوذ المخالف للفطرة: نرى فيه كذلك مصداق قول الله تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ} !! فقد أهوى إبداعهم الإداري به إلى دركات سحيقة، حيث تسارعت عجلة تحقيق النتائج السلبية، فانتقلوا بالشذوذ خلال بضعة عقود معدودة -بخطط استراتيجية أحكمها الشاذون- انتقلوا به من امتعاض المجتمع من وجوده؛ إلى تقنينه وحمايته بقوة القانون !!

ولا يفوتني أن أنوه أن هناك من يحارب الإجهاض والشذوذ في الغرب؛ ممن أسموا أنفسهم بالمحافظين .. غير أن المحافظين نسوا أنهم قد أغضبوا الله تعالى بعبادة عيسى -عليه السلام- وغيره من الآلهة المدعاة؛ فاكتسحهم العلمانيون اللادينيون اكتساحا كبيرا !!

وأخيرا: فقد رأى المسلمون في القرن الأول -الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: (خيرُ القرونِ قرْني)[متفق عليه]- رأوا هوان حضارتي فارس والروم على الله تعالى؛ وسقوطهما وتهاويهما !! وقد تزامن هذا السقوط مع صعود أمة الإسلام؛ التي ما حصل لها من الخير والقوة والمنعة إلا باجتماع الأمرين: شريعة ربانية وإدارة إبداعية محمدية -على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم- أبدعت في إنجاز كل عمل بإدارة فائقة؛ عنوانها الإتقان، قال صلى الله عليه وسلم: (إِنّ اللَّهَ تَعَالى يُحِبّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ) [صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١١١٣)] !!

ثم امتدت الأمة المسلمة؛ شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، على مر التاريخ وإلى عصرنا الحاضر؛ لا تجد عزها وقوتها إلا في التمسك بشرع الله تعالى، مع إتقان عملها الإداري !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله تعالى له ولوالديه وللمسلمين ..