التأمل المفيد – ٢١١

التأمل المفيد (٢١١)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة السادسة والسبعون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلناسِ..} إلى قوله تعالى {ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المائدة : ٩٧]، قال أهل التفسير: “امتنَّ الله على عباده بأن جعل الكعبة البيت الحرام صلاحًا لدينهم، وأمنًا لحياتهم” !!

يختم الله تعالى كثيرا من آيات القرآن الكريم باسم أو اسمين من أسمائه الحسنى، أو بصفة من صفاته العلا؛ كما في الآية الكريمة التي هي موضع التأمل في هذا المقال، حيث ختمها الله تعالى بصفة العلم، قال تعالى: {ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} !!
يكون لهذا الختم -لآيات القرآن الكريم- بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا معانٍ عظيمة؛ إذا تدبرنا الآية بأكملها !!

دعونا نقف مع البلد الحرام والبيت الحرام ثلاث وقفات؛ حتى نرسِّخ في نفوسنا صفة العلم لله تعالى التي ختم الله تعالى بها آية سورة المائدة:

الوقفة الأولى: عِلم الله تعالى السابق لحاجة البشرية إلى البلد الحرام !!
لم يُحرِّم الله تعالى البلد الحرام بسبب قتال وقع بين فئتين مختصمتين في مكة؛ فأوحى عندها سبحانه إلى نبي من أنبيائه عليهم السلام بتحريم البلد الحرام !!
كلا .. إن الله تعالى -لعلمه السابق سبحانه بحاجة الناس إلى البلد الحرام- حرّم مكة قبل خلق البشر .. حرّمها يوم خلق السماوات والأرض، قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ؛ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا، وَلا يُخْتَلَى خَلاهُ)[متفق عليه]، فأضحت أم القرى -بما خصها الله تعالى من أحكام- أطهر بقاع الأرض !!

الوقفة الثانية: عِلم الله تعالى السابق لحاجة البشرية إلى هدى البيت الحرام، قال تعالى عن بيته الحرام: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران : ٩٦]، ومن بين هدى البيت الحرام: الطواف؛ منذ آلاف السنين، وعلى مدار الليل والنهار !!
والطواف صورة من صور التوحيد الخالص لله تعالى؛ فيه هدى للمؤمنين !!
وهو هدى للعالمين .. حيث ترى مجتمعات غير المسلمين من خلاله طُهر مجتمعاتنا المسلمة .. إذ يخلو الطواف بالبيت الحرام -بالرغم من الاختلاط بين الجنسين والزحام- يخلو من كل ما يكدر صفو طُهرِه من الأذى والنظر الحرام، يحصل ذلك لاستشعارهم رقابة الله تعالى عليهم !!
ولا أشك أبدا في أن منظر الطواف يعكس لدى غير المسلمين طُهر المجتمعات المسلمة، حيث يؤكد منظر الطواف لهم أن المسلمين يتعاملون في بيوتهم وفي مجتمعهم وفق شريعة ربهم، مستشعرين رقابته سبحانه عليهم !!
وقد يهدي الله تعالى الباحثين عن الحق من غير المسلمين إلى الإسلام بسبب منظر الطواف المهيب !!

الوقفة الثالثة: عِلم الله تعالى السابق لحاجة البشرية إلى الأمن، حيث جعل الله تعالى لبلده الحرام خصائص عِظاما؛ منها: خصيصة الأمن؛ لتغدو مكة المكرمة منارة في الأمن للعالمين، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا} [البقرة : ١٢٦]، وقال تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا} [القصص : ٥٧]، وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت : ٦٧]، وقال تعالى: {وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} [التين : ٣]!!

أخيرا: تكرر اسم الله تعالى العليم؛ وصفة العلم لله تعالى كثيرا في كتاب الله الكريم !! وكل آية ختمها الله تعالى باسمه العليم؛ أو بصفة العلم له؛ لو تدبرها المسلم لوجد فيها معانٍ عظيمة؛ كما مر معنا -بتوفيق الله- في تدبر آية المائدة في هذا المقال !!
وهكذا الحال مع باقي أسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلا !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي​