التأمل المفيد – ٢١٠

التأمل المفيد (٢١٠)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الخامسة والسبعون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ..} [التوبة : ٢٨]، قال أهل التفسير: “يا معشر المؤمنين إنما المشركون رِجْس وخَبَث فلا تمكنوهم من الاقتراب من الحرم بعد هذا العام التاسع من الهجرة.” !!

عرف الناس في هذا العصر قضية عدم السماح لشخص بدخول دولة من الدول؛ بسبب انحراف في فكره وسلوكياته !! وعندها يبدأ الشخص الممنوع بالبحث عن سبب منعه؛ علّه يتغير ويرفع عن نفسه هذا الحظر؛ بتفادي أسباب المنع !!

ولله تعالى المثل الأعلى .. الله تعالى الحكيم العليم حرّم على المشركين دخول البلد الحرام؛ علّهم يتفكروا في سبب هذا التحريم -وهو تحريم بعثه الإسلام من جديد؛ حين طهّر الرسول صلى الله عليه وسلم البلد الحرام من الشرك والمشركين، وأعاده إلى الحنيفية السمحة؛ ملة أبينا إبراهيم عليه السلام، ونزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ..}- علّهم يتفكروا في سبب هذا التحريم فيهتدوا إلى الإسلام !! وإذا استسلموا لله تعالى ارتفع عنهم من الحُرمات ما هو أشد وأعظم من حُرمة دخولهم البلد الحرام، ولبيان ذلك أسوق هذين المثالين:

الأول: استسلامهم لله تعالى لا يعني فقط السماح لهم بدخول البلد الحرام !! بل ويمنحهم سبحانه الأمن -في هذه الدنيا- الذي حرّمه على المشركين، قال تعالى: {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ • الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام : ٨١-٨٢]، والظلم في الآية الكريمة هو الشرك كما قال أهل التفسير .. فانظر كيف يُحرَم المشركون نعمة الأمن بسبب شركهم، فضلا عن حِرمانهم من دخول البلد الحرام ؟؟!!

الثاني: استسلامهم لله تعالى لا يعني فقط السماح لهم بدخول البلد الحرام !! بل ويدخلون الجنة التي حرّمها الله تعالى على المشركين، قال تعالى: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [المائدة : ٧٢]، فانظر كيف يُحرَم المشركون الجنة بسبب شركهم، فضلا عن حِرمانهم من دخول البلد الحرام ؟؟!!

وأخيرا: انظر إلى الفلاح العظيم الذي حازه من حرّم الله عليه دخول البلد الحرام؛ فتفكر في سبب منعه؛ فاهتدى إلى الإسلام وإلى سعادة الدنيا والآخرة، قال تعالى، {فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا} [آل عمران : ٢٠] !!
ثم انظر كم هي خسارة من يعلم من المشركين أن الله تعالى حرّم عليه دخول البلد الحرام؛ ثم هو لا يبحث ولا يقرأ عن سبب هذا المنع، قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران : ٨٥] ؟؟!!
و ما ذكرته في هذا المقال من حِرمان يقع على المشركين إنما هو غيض من فيض من أنواع الحِرمان، ولولا خوف الإطالة لذكرت أمثلة أخرى !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي