التأمل المفيد – ٢٠٩

التأمل المفيد (٢٠٩)

الحلقة السادسة عشرة من سلسلة الجنة والكعبة .. وتذكير الحجر الأسود لنا بالجنة -كونه منها- مرات عديدة يوميا؛ كلما اتجهنا إلى القبلة؛ في صلاة وغيرها مما شرع لنا ربنا استقبال القبلة له !!!

قال الله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} [التحريم : ١١] !!

يتمنى كثير من المسلمين أن يمتلك بيتا في هذه الدنيا؛ ليضع عن كاهله كابوس رسوم الإيجار التي تقض مضجعه وتؤرقه وتشغله بالتفكير ليلا ونهارا !!
وبعضهم إذا تملك دارا؛ أخذت نفسه تتوق لامتلاك آخر؛ أوسع وأرحب .. وهذا كله مشروع ومحمود، قال صلى الله عليه وسلم: (أربعٌ من السعادة: المرأةُ الصالحة، والمسكنُ الواسِع، والجارُ الصالح، والمَرْكَب الهنيء)[صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٨٢)] !!

لكن الأهم من ذلك؛ سؤال الله تعالى بإلحاح بأن يكرمه بيتا في الجنة؛ كما قالت امرأة فرعون رضي الله عنها -{رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ}- فلم تنسها لذة الإيمان بالله تعالى؛ قصور فرعون فقط، بل أنستها حتى شدة تعذيب فرعون لها، وصار حلمها الكبير بيت في الجنة !!

وبما أن الحياة في هذا العصر قد غلب عليها الجانب المادي -حتى صار البعض من المسلمين لا يذكر الجنة إلا إذا ذُكِّر بها- فالسؤال الذي يطرح نفسه: كم من المفروض أن تشغل الجنة من حيز تفكيرنا اليومي ؟!

الجواب: التفكير في الجنة والعمل لها يجب أن يتناسب مع عظمة جنة الخلد بالنسبة للدنيا الفانية !!
هذا وإن أعظم من يبين لنا هذا التناسب بين الدنيا وجنة الخلد هو ربنا سبحانه وتعالى ورسولنا صلى الله عليه وسلم !!

قال الله تعالى مخاطبا الصحابة رضوان الله عليهم: {أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة : ٣٨]، ومع أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم تفتح عليهم الدنيا كما هي عليه في هذا العصر، إلا أن بيان حقيقة الدنيا وأنها متاع قليل زائل، وأن متاع الآخرة كثير دائم؛ كان لابد وأن يُرسّخ في نفوسهم رضوان الله تعالى عليهم !!

وأمّا السُنّة فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لَوْ كَانَت الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّه جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْها شَرْبَةَ مَاءٍ) [صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٦٨٦)]، وبما أن الله تعالى أعطى غير المسلمين أكثر من شربة الماء؛ فهذا يدل على أن الدنيا لا تعدل عند الله تعالى حتى ولا جناح بعوضة !!

أخيرا: إن ممّا يعين المسلم -الذي يقوم بواجباته في هذه الدنيا تجاه نفسه وأهله ومجتمعه- ممّا يعينه على أن يديم إلحاحه على ربه ببيت في الجنة؛ ما سنه لنا رسول الهدى صلى الله عليه وسلم حيث قال: (مَن صلَّى اثنتَي عشرةَ ركعةً في يومٍ وليلةٍ؛ بُنِي له بهن بيتٌ في الجنة) [رواه مسلم (٧٢٨)]، فلا يفتأ المحافظ على السنن الرواتب يذكر أمنيته؛ بيتا في الجنة؛ كلما صلى سنة راتبة !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي