التأمل المفيد – ٢٠٧

التأمل المفيد (٢٠٧)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الثالثة والسبعون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام : ٣٨]، قال أهل التفسير: “ليس في الأرض حيوان يَدِبُّ على الأرض أو طائر يطير في السماء بجناحيه إلا جماعات متجانسة الخلق مثلكم. ما تركنا في اللوح المحفوظ شيئًا إلا أثبتناه، ثم إنهم إلى ربهم يحشرون يوم القيامة، فيحاسب الله كلا بما عمل.” !!

أبدع كثير من علماء الأحياء -خاصة من غير المسلمين- في إجراء دراسات وأبحاث تمتد بعضها إلى عشرات السنين؛ حول سلوكيات كثير من الدواب والطير وغيرها من المخلوقات، وكأنهم بهذه الدراسة يخلصون إلى ما سبق إليه القرآن الكريم من كون هذه المخلوقات من الدواب والطير؛ إنما هي أمم، قال تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم}، قال الشيخ السعدي: “كلها أمم أمثالكم خلقناها كما خلقناكم، ورزقناها كما رزقناكم، ونفذت فيها مشيئتنا وقدرتنا، كما كانت نافذة فيكم” [تفسير السعدي (٢٥٥)] !!

لكن ممّا تميز به أتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ أن الله تعالى الخالق العظيم أمدهم بالمعرفة الصحيحة التي يحتاجونها لتنظيم العلاقة بين الإنسان وبين مخلوقات الله الأخرى؛ من دواب وطير وغيرها !!
وقد اخترت أن أقف وقفة مهمة مع هذا الموضوع:

جعل الله تعالى العلاقة بيننا وبين أمة الدواب والطير؛ وكل ما في السماوات والأرض؛ علاقة التسخير -مسخرة لنا- قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية : ١٣] !!

وقد أدى غياب معرفة علاقة التسخير -التي بينها الله تعالى في كتابه- عند البعض من غير المسلمين إلى التطرف بعلاقة خاطئة مع الدواب، من ذلك:

* عبدها بعضهم من دون الله تعالى؛ كعُبّاد البقر، مع أن الله تعالى سخرها لهم، قال تعالى: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل : ٥] !!*

وبعضهم اقتنى الكلاب لتخالطه داخل بيته؛ بسبب الوحدة التي أفرزتها قيم مجتمعاتهم .. ونظموا لها مسابقات للجمال .. وورّث أحدهم كلبه .. وغير ذلك من السلوكيات الخاطئة، حتى ليظن الإنسان أنهم عكسوا الأمر، فبدلا من كونها مسخرة لهم؛ صاروا هم مسخرين لها !!
أمّا في الإسلام فقد أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتناء الكلب لثلاثة أمور، قال صلى الله عليه وسلم: (من اقتنى كلباً إلا كلب صيد أو ماشية أو زرع فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان) [رواه البخاري (٥٤٨١) ومسلم (١٥٧٤)]، ومن هذا الحديث الشريف يتبين سبق الإسلام إلى تدريب الكلاب البوليسية، ذلك أن كلاب حراسة الماشية وحماية الزرع تحتاج إلى تدريب لرد المعتدين من الذئاب ومن السُّراق من البشر !!
هذا وإن من أحط وأغرب ما حصل في هذا العصر عند نحو عشرة آلاف من غير المسلمين هو محاكاتهم الكلاب في مشيها ونباحها؛ مرتدين أقنعة وجوه الكلاب؛ وملابس تشبه جلود الكلاب، في ظاهرة أسموها بالكلاب البشرية !!

وبعضهم جعلوا العلاقة مع بعض الدواب علاقة وحشية؛ كمصارعة الثيران !!

وأخيرا: إن من أعظم ما فات غير المسلمين من معرفة ربانية عن أمم الدواب والطير وغيرها من المخلوقات؛ هو حشر الله تعالى لهذه الأمم يوم القيامة ليقضي بينهم، فيتعظ البشر بذلك أيما عظة، قال تعالى: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} [التكوير : ٥]، وقال صلى الله عليه وسلم: (يقضي الله بين خلقه الجن والإنس والبهائم ، وإنه ليقيد يومئذ الجماء من القرناء، حتى إذا لم يبق تبعة عند واحدة لأخرى قال الله: كونوا تراباً ، فعند ذلك يقول الكافر : {يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا}[صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٩٦٦)]، وروى أحمد بإسناد صحيح عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى شاتين تنتطحان، فقال: (يا أبا ذر، هل تدري فيم تنتطحان؟ قال: لا. قال: لكن الله يدري، وسيقضي بينهما)[مسند أحمد (٢١٤٣٨)]!!
قال الإمام الطبري -في تفسيره- لبيان عِظم العظة للمكذبين التي جاءت في قوله تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}: قال أبو جعفر: “يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المعرضين عنك، المكذبين بآيات الله: أيها القوم، لا تحسبُنَّ الله غافلا عما تعملون، أو أنه غير مجازيكم على ما تكسبون! وكيف يغفل عن أعمالكم، أو يترك مجازاتكم عليها، وهو غير غافل عن عمل شيء دبَّ على الأرض صغيرٍ أو كبيرٍ، ولا عمل طائر طار بجناحيه في الهواء”[تفسير الطبري (٣٤٤/١١)] !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي