التأمل المفيد – ٢٠٥

التأمل المفيد (٢٠٥)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الحادية والسبعون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر : ٤٧] !!

يقول الدكتور محمد نصحى إبراهيم عن استشراف المستقبل، في بحثه المعنون “نشأة الدراسات المستقبلية وتطورها”، يقول: استشراف المستقبل: “علم جديد يحاول وضع احتمالات محتملة الحدوث، كما يهتم بدراسة المتغيرات التي تؤدي إلى حدوث هذه الاحتمالات وتحقيقها، فعلم المستقبل يهدف إلى رسم صور تقريبية محتملة للمستقبل بقدر المستطاع.” !!

لكن الآية الكريمة التي نزلت قبل أربعة عشر قرنا، والتي هي مكان التأمل في هذا المقال، وخاصة قوله تعالى: {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ}، قال أهل التفسير: “وظهر لهم يومئذٍ من أمر الله وعذابه ما لم يكونوا يحتسبون في الدنيا أنه نازل بهم.” .. أشارت الآية الكريمة إلى أن الإنسان لابد أن يحسب حسابا للمستقبل !! وهذا يعني أن استشراف المستقبل أمر كبير في الإسلام، وليس علما جديدا !! وخاصة استشراف أهم وأعظم مستقبل: مستقبل الإنسان في آخرته؛ الذي هو موضوع سعادته في الدنيا والآخرة !!

الآية الكريمة تخاطب غير المسلمين .. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هو الخلل الكبير الذي أوقع غير المسلمين في هذا الفشل الذريع والخسران الفظيع والعذاب الأليم في الآخرة ؟؟!!

الجواب: الخلل؛ هو أنهم في الوقت الذي يجتهدون فيه -أفرادا ومجتمعات- لاستشراف مستقبل دنياهم؛ فيعقِدون وِرش العمل، ويقومون بالتحليل البيئي لرسم الخطط الاستراتيجية؛ لاستشراف مستقبل عشرات الموضوعات البيئية والاقتصادية والفكرية والأمنية والصحية وغيرها كثير -وهذا في الإسلام أمر مطلوب ومحمود ولا جدال فيه؛ بل هو من فروض الكفايات؛ التي لو لم يقم بها أهل الاختصاص لأثِم المسلمون جميعا- في الوقت الذي نجد فيه غير المسلمين يخططون لاستشراف مستقبل دنياهم؛ نجدهم لا يضعون في حساباتهم رضا الله تعالى ورجاء جنته؛ بتبني الحلال والنأي عن الحرام !!
وغير المسلمين داخلون معنا في ضروة الاستسلام لله تعالى، وطاعته سبحانه وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولذا سيتحسرون يوم القيامة -وهم في النار- على عدم طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب : ٦٦]، وهي الطاعة التي تعينهم على الاستشراف الصحيح لمستقبلهم الأخروي !!

وقد بين صلى الله عليه وسلم بُغض الله تعالى لمن يجتهد لدنياه ولا يستشرف ولا يحسب حسابا لآخرته، قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ كُلَّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ سَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ جِيفَةٍ بِاللَّيْلِ حِمَارٍ بِالنَّهَارِ عَالِمٍ بِأَمْرِ الدُّنْيَا جَاهِلٍ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ) [صحح إسناده شعيب الأرنؤوط في تخريج صحيح ابن حبان (٧٢)] !!
بل أدت لا مبالاة غير المسلمين باليوم الآخر وعدم استشرافهم له؛ إلى الشك فيه وعدم استيقانهم بوقوعه، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} [الجاثية : ٣٢] !!

وفي المقابل نجد أنفسنا نحن أهل الإسلام -أفرادا ومجتمعات- نستشرف مستقبلنا الأخروي، وتتوق نفوسنا إليه؛ من خلال اتباع نصوص الوحيين في التخطيط لكافة مجالات الحياة، ليجزينا سبحانه على هذا الاتباع -كما وعد- مستقبلا آمنا في جنات النعيم، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ • أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأحقاف : ١٣-١٤]، وقال صلى الله عليه وسلم فيما يدل على أهمية العمل للفوز مستقبلا بجنات النعيم: (من خاف أدلجَ ومَن أدلج بلغ المنزلَ ألا إن سلعةَ اللهِ غاليةٌ ألا إن سلعةَ اللهِ الجنةُ) [صححه الألباني في صحيح الترمذي (٢٤٥٠)] !!

ولا يكتفي المتقون باستشراف مستقبلهم الأخروي فقط، بل يقوموا بنُصح الغافلين؛ بأن يحسبوا للآخرة حسابها، قال تعالى: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [غافر : ٣٩] !!

وأخيرا: إنها الحسرة والندامة يوم القيامة-{وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ}[سبأ ٣٣]- التي ستُقطِّع قلوب غير المسلمين؛ الذين ما حسبوا للآخرة حسابها، ولم يدخلوها في استشرافاتهم المستقبلية، قال تعالى: {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي