التأمل المفيد – ٢٠١

التأمل المفيد (٢٠١)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة السابعة والستون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} [يونس : ٤٥] !!

لو سافر أحدُنا إلى بلد ما لمدة أسبوع، فإنه يكون مستيقنا بِقِصر هذه الرحلة؛ مما يدعوه للتخطيط لإدارة وقته الإدارة المُثلى؛ حتى يحقق أقصى ما يستطيع من أهداف وضعها لرحلته !!
غير أننا نجد أن إيمان بعضنا بِقِصر هذه الحياة الدنيا ليس راسخا في النفس كرسوخ يقين ذلك المسافر بِقِصر رحلته، والدليل على ذلك: الفتور والبرود وضعف الهِمة -عند هذا البعض- في نيل معالي الأمور، ويتبع ذلك الفتور شعور بالملل والفراغ !!

والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف نرسِّخ إيماننا بِقِصر هذه الحياة الدنيا ؟

الجواب من عدة وجوه:
أولا: إدراك أن من أخبرنا بِقِصر هذه الحياة الدنيا هو خالقنا سبحانه؛ العليم بالدنيا وقِصرها، والعليم بالآخرة وخلودها، قال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ}، وقال تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات : ٤٦] !!
وكذلك أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بِقِصر هذا الحياة الدنيا؛ بضرب مثال بين ومفهوم: نامَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ علَى حصيرٍ فقامَ وقد أثَّرَ في جنبِهِ فقلنا يا رسولَ اللَّهِ لوِ اتَّخَذنا لَكَ وطاءً فقالَ: (ما لي وما للدُّنيا، ما أنا في الدُّنيا إلَّا كراكبٍ استَظلَّ تحتَ شجرةٍ ثمَّ راحَ وترَكَها.) [صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٨١٢٢٨)]، وقال صلى الله عليه وسلم: (كُنْ في الدُّنْيا كأَنَّكَ غريبٌ، أَوْ عَابِرُ سبيل) [رواه البخاري (٦٤١٦)]!!
وكما نأخذ كلام الله تعالى وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم بجدية؛ في عباداتنا ومعاملاتنا، فكذلك علينا أن نأخذ النصوص الشرعية التي أوضحت قِصر الحياة الدنيا بجدية! واستمع إلى كلام الصحابي الجليل ابن عمر رضي الله عنهما؛ الذي أيقن بِقِصر الحياة الدنيا: “إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّباحَ، وإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَساءَ، وخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لمَرَضِكَ، ومِنْ حياتِك لِمَوتِكَ”[ رواه البخاري (٦٤١٦)] !!

ثانيا: دراسة وحفظ ما أمكن حفظه من النصوص الشرعية التي تحدثت عن يوم القيامة وأهواله، وعن الجنة والنار، وعن رؤية وجه ربنا الكريم في الجنة !! فأهل الإيمان قلوبهم معلقة بهذه الأمور، قال تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ}[يونس : ٢٦]، والزيادة هي رؤية الله تعالى كما قال المفسرون، وقال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران : ١٨٥] !!

ثالثا: أن يكون حالنا في سيرنا إلى الله تعالى كالحال التي وصف الله تعالى بها المؤمن في قوله تعالى: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الملك : ٢٢]، قال أهل التفسير: “أفمن يمشي منكَّسًا على وجهه لا يدري أين يسلك ولا كيف يذهب، أشد استقامة على الطريق وأهدى، أَمَّن يمشي مستويًا منتصب القامة سالمًا على طريق واضح لا اعوجاج فيه؟ وهذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن.” !!
المؤمن هدفه الأعظم رضا الله تعالى، ومن ثم يدير أوقاته ويشغلها بكل ما شرعه الله تعالى لتحقيق هذا الهدف العظيم؛ من ذلك عبادة الله تعالى، وإتقانه لعمله؛ سعيا وراء رزقه، وتربيته لنفسه وأهله وولده التربية الصالحة، وتقربه إلى الله تعالى بالنوافل بعد أداء الفرائض، وغير ذلك من الأعمال الصالحة، حتى يتحقق فيه قول الله تعالى: {أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}!!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي