التأمل المفيد – ٢٠٠

التأمل المفيد (٢٠٠)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة السادسة والستون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل : ١٧] !!

كثيرا ما تصرح بعض الأمم غير المسلمة -في هذا العصر- من خلال إعلامها بأنه لم يوجد ولا يوجد أمة أقوى منها على وجه الأرض !!
ويحق لهم أن يقولوا أنهم أقوياء في هذا العصر !! أمّا أنه لم يمر على تاريخ البشرية أمة أقوى منهم؛ فقد جانبوا الصواب، والتاريخ يقول خلاف ذلك، ناهيك أن قوتهم في هذا العصر قوة مادية؛ غير منقادة لهدي رب العالمين !!

لذلك أقول: إذا أرادت أمة أن تفتخر بأنه لم يمر في تاريخ البشرية؛ ولن يمر أقوى منها؛ فحُق لنا -نحن أفراد ومجتمعات الأمة المسلمة- أن نفتخر بعهد نبي الله تعالى سليمان عليه السلام، فلم يمر ولن يمر على البشرية أقوى من الأمة المسلمة في عهده عليه السلام !!

عهد النبي سليمان عليه السلام جزء لا يتجزأ من تاريخ الأمة المسلمة الطويل، فالنبي سليمان عليه السلام وأتباعه كانوا من المسلمين، حكى لنا القرآن الكريم ذلك على لسان سليمان عليه السلام: {وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ} [النمل : ٤٢] !! كما جاء القرآن الكريم بالتأكيد على أن حاضر الأمة المسلمة لا يجوز أن ينفصل عن ماضيها، قال تعالى: {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود : ١٢٠] ففي قصص الأنبياء عليهم السلام تثبيت وتقوية لقلوب المؤمنين في أي عصر !!

حكى لنا القرآن الكريم سؤال سليمان عليه السلام الله تعالى: {وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [ص : ٣٥]، قال أهل التفسير: “وأعطني ملكًا عظيمًا خاصًا لا يكون مثله لأحد من البشر بعدي” !!
استجاب الله تعالى لسليمان عليه السلام؛ فأعطاه سبحانه ملكا عظيما لم يعطه لأحد من بعده عليه السلام إلى يوم القيامة !! وكان من ضمن ملكه: أنواع عظيمة من القوى، سأقف مع ثلاثة منها:

الأول: الريح، قال تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ} [ص : ٣٦]، قال أهل التفسير: “وذللنا الريح تجري بأمره طيِّعة مع قوتها وشدتها حيث أراد.” !!
إنها الريح التي أقضت مضاجع الأمم اليوم بأعاصيرها المدمرة !! لن يتمكن أحد من تذليلها كما ذللها الله تعالى لسليمان عليه السلام !!

الثاني: الجن، قال تعالى: {وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} [سبإ : ١٢]، وقال تعالى: {وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ} [ص : ٣٧] !!
ليس هناك أمة من الأمم القوية في هذا العصر؛ مهما بلغ عتادها وعدتها أن يكون من بين جندها أعداد عظيمة من الجن !! أمّا سليمان عليه السلام فقد كان من بين جنده أعداد من الجن لا يعلم قدرهم سوى الله تعالى، قال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} !! وصار الجن طوع أمره، ليس في القتال معه فقط؛ بل حتى في صناعة ما يشاء، قال تعالى: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ}[سبأ ١٣] !!

الثالث: آتاه الله تعالى من كل شيء، قال تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [النمل : ١٦]، قال أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: {وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ}: “وأُعطينا مِن كل شيء تدعو إليه الحاجة” !!
من الحاجات التي آتاه الله تعالى؛ نقل عرش بلقيس إليه، قال تعالى: {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل : ٤٠] !!

وأخيرا: ما الذي فعله نبي الله سليمان عليه السلام حتى يُعطى هذا الملك العظيم ؟!
الجواب: إنها العبودية الحقة التي صرفها سليمان عليه السلام لله تعالى، فقد كان عليه السلام نِعم العبد، قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص : ٣٠] !!
لهذه العبودية التي صرفها سليمان عليه السلام لله تعالى صور كثيرة، منها:
الاستغفار: قال تعالى: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}[ص ٣٥] !!
ومنها الدعاء: قال تعالى: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل : ١٩] !!
ومنها التسمية: بدأ الكتاب الذي أرسله إلى بلقيس بالتسمية، قال تعالى: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ} [النمل : ٣٠] !!
ومنها رد الفضل إلى الله تعالى فيما آتاه من ملك: قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم} [النمل : ٣٦] !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي​