التأمل المفيد – ١٩٩

التأمل المفيد (١٩٩)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الخامسة والستون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران : ٦٤] !!

الأمة المسلمة أمة رحيمة ناصحة لغيرها من الأمم غير المسلمة، تريد لهم الأمن والرخاء والحياة الطيبة !!
والأمة المسلمة لا تنصح الأمم نحو الحياة الأرقى والأفضل رجاء مصلحة مادية ترجوها؛ لأنها تخطو خُطى رسولها صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر} [ص : ٨٦] !!
وكذلك الأمة المسلمة لا يقتصر نصحها للأمم على خير الدنيا فقط، بل يجمع نصحها بين خيري الدنيا والآخرة !!

الآية الكريمة من سورة آل عمران -التي هي موضوع التأمل في هذا المقال- تعمل على تمكين الأمة المسلمة من تشخيص وضع أي أمة من الأمم؛ إن كانت على الطريق الصحيح السديد في هذه الدنيا؛ فتبارك لها حُسن اختيارها ! أم أنها سلكت الطريق الخاطئ المؤدي إلى الضرر والخسران في الدنيا والآخرة؛ عندها تسرع الأمة المسلمة إلى نصحها بما جاء في الآية الكريمة !!

وقد خاطبت الآية أمتين معروفتين؛ أمة اليهود وأمة النصارى، قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}، ولأن العبرة في أسباب النزول بعموم اللفظ؛ لا بخصوص السبب؛ فكذلك الآية تُشخِّص لنا وضع كل أمم الأرض من غير المسلمين، بدون استثناء لأي أمة منهم !!

تبدأ الأمة المسلمة تشخيصها للأمم غير المسلمة بالأمر الأعظم الذي بدأت به الآية الكريمة: {أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ} .. هل تفرد -هذه الأمم- الله تعالى بالعبادة وحده ؟؟!!
وهنا نجد أن الأمم غير المسلمة -جميعها- لا تعبد الله تعالى؛ لأنها أصلا لا تعرف الله تعالى كما وصف نفسه سبحانه في كتابه الكريم، وكما وصفه نبيه صلى الله عليه وسلم !!

يأتي بعد ذلك تشخيص الأمر الثاني الذي رتبته الآية الكريمة: {وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} .. وهو معرفة إن كانت الأمم غير المسلمة تشرك مع الله تعالى آلهة أخرى ؟؟!!
وهنا نجد أن الأمم غير المسلمة زادوا -على عدم عبادتهم لله تعالى- بأن أشركوا مع آلهتهم المزعومة آلهة أخرى؛ سواء من البشر؛ كعبادة عيسى عليه السلام، أو عبادة الأصنام، أو الأبقار، أو حتى الفئران !!

أمّا المحور الثالث في الآية الكريمة وهو: قوله تعالى: {وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ} .. هل تتبنى هذه الأمم غير المسلمة شريعة الله تعالى ليطبقوها في هذه الحياة ؟؟!!
وهنا يتبين لنا من التشخيص أنهم زادوا -على عدم عبادتهم لله تعالى، وعلى شركهم مع آلهتهم المزعومة آلهة أخرى- زادوا بوضع منهج حياة لهم؛ كتبوه بأنفسهم، وانقادوا له مستسلمين طائعين مُذعِنين، متخذين كاتبيه أربابا من دون الله تعالى، قال تعالى: {وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ}، نابذين شريعة الله تعالى وراء ظهورهم !!
وفِي السنة عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: (أتيتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليبٌ من ذَهبٍ. فقالَ: يا عديُّ اطرح عنْكَ هذا الوثَنَ. وسمعتُهُ يقرأُ في سورةِ براءةٌ {اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} قالَ: أما إنَّهم لم يَكونوا يعبدونَهم ولَكنَّهم كانوا إذا أحلُّوا لَهم شيئًا استحلُّوهُ وإذا حرَّموا عليْهم شيئًا حرَّموه) [حسّنه الألباني في صحيح الترمذي (٣٠٩٥)]!!

أخيرا: ما أعظم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية) [رواه البخاري (٣٤٦١)] !! فهاهي آية واحدة من سورة آل عمران: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}؛ يتمنى المسلم أن ييسر الله تعالى ويوفق الأمة المسلمة لتبليغ معناها العظيم لجميع الأمم غير المسلمة؛ أفرادا ومجتمعات، لعل الله تعالى أن ينفع بها !!
فإن قبلوها وعملوا بمقتضاها فالحمد لله .. وإن لم يقبلوها؛ فليشهدوا علينا بأننا مسلمون؛ نؤمن ونعمل بهذه المحاور الكبرى الثلاثة جميعها، قال تعالى في آخر الآية: {فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}، نعبد الله تعالى وحده، ولا نشرك به شيئا، مستسلمين ومنقادين لأمره ونهيه؛ الذي شمِل جوانب الحياة كلها !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي