التأمل المفيد – ١٩٧

التأمل المفيد (١٩٧)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الثالثة والستون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج : ٤٦] !!
غالبية المسلمين يحفظون جزءاً من الآية الكريمة؛ التي هي موضوع التأمل في هذا المقال .. وهذا الجزء المحفوظ هو قوله تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} !!

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما هو هذا الأمر الجلل الذي حذّر الله تعالى من أن تعمى القلوب عنه، والذي جاء في صدر الآية الكريمة؛ ويجب أن تعيه البشرية كلها؛ أفرادا ومجتمعات ؟!

هذا الأمر الجلل الذي حذّرت الآية الكريمة منه، والذي -بسبب اقترافه- أهلك وأزال وسيزيل الجبار سبحانه أمما غير مسلمة !! هذا الأمر تقوم من أجل معرفته -لدى غير المسلمين في عصرنا الحاضر- مراكز دراسات عالمية كُبرى؛ في محاولات دؤوبة لمعرفة سبب زوال الأمم !! غير أن جميع هذه المراكز العالمية تبوء محاولاتها بالفشل الذريع؛ لأن سبب زوال الأمم لا يعرفه -من غير المسلمين- إلا من كان صادقا في بحثه عن الحق؛ حتى لو كان هذا الحق لا يجده إلا في كتاب الله تعالى..القرآن الكريم !!
كذلك كتب الكاتب باتريك جيه بوكانن كتابه “موت الغرب”؛ محذرا فيه من انهيار القيم لديهم !! مع أن انهيار وانحطاط الأخلاق إنما هو عَرَض للسبب الأكبر الذي حذر الله تعالى البشرية من اقترافه !!

أمّا أهل الإسلام فيعرفون هذا الخطر العظيم الذي حذر الله تعالى منه، ليس لأنهم يملكون مراكز دراسات فاقت كل مراكز دراسات العالم !! إنما يعرفون هذا الخطر من كلام خالق السماوات والأرض وخالق البشر؛ الله رب العالمين؛ إنه: تكذيب رسل الله تعالى العظيم !! قال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج : ٤٦]، قال أهل التفسير: “أفلم يَسِر المكذبون من قريش في الأرض ليشاهدوا آثار المهلكين، فيتفكروا بعقولهم، فيعتبروا، ويسمعوا أخبارهم سماع تدبُّر فيتعظوا؟ فإن العمى ليس عمى البصر، وإنما العمى المُهْلِك هو عمى البصيرة عن إدراك الحق والاعتبار.” !!

والآيات القرآنية التي بين الله تعالى فيها إهلاك المكذبين للرسل كثيرة؛ منذ تكذيب قوم نوح عليه السلام، قال تعالى؛ {وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ۖ وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفرقان : ٣٧]، مرورا بإهلاك أقوام جميع الأنبياء عليهم السلام؛ الذين كذبوا رسلهم، وحتى إهلاك الله تعالى كفار قريش الذين كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [النحل : ١١٣] !!

وأخيرا: إنهما سُنتان لله تعالى لا تتبدلان ولا تتحولان: أولاهما عقاب الله تعالى للأمم المستكبرة المكذبة لرسله عليهم السلام، والسُنة الثانية حفظ الله تعالى للأمة المسلمة؛ المؤمنة بالرسل عليهم السلام !! ولذا بادت حضارات غير إسلامية؛ كالفينيقية والفرعونية والآشورية والإغريقية، وبقيت أمة الإسلام؛ منذ آدم عليه السلام، وإلى آخر الزمان؛ تضعف أحيانا؛ ولكنها لا تزول، ذلك أن دين جميع الرسل هو الإسلام، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران : ١٩]!!

إن تصديق خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام؛ وعدم تكذيبه -وهو صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله تعالى رحمة للعالمين- هي المعلومة التي تحتاجها كل مراكز البحوث والدراسات؛ التابعة لغير المسلمين في العالم؛ لتنجو أممهم من عذاب الله تعالى في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر : ٤٣] !!

وبقي أن أبين أن السُنة الربانية بإهلاك وإزالة الأمم المُكذِبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم -خاتم الأنبياء والمرسلين- لا تقع تبعا لهوى المسلمين، أو استخفاف الكافرين !! إنما تقع في أجل لا يعلم زمانه إلا الله تعالى علام الغيوب، قال تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} [الحجر : ٤] !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي​