التأمل المفيد – ١٩٥

التأمل المفيد (١٩٥)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الحادية والستون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}[الأنعام : ١٩] !!
دل آخر الآية الكريمة: {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}؛ على السبب الأكبر الذي من أجله قال مشركو قريش في صدر الآية نفسها: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} !!

إن الخوض في الباطل؛ يعد السبب الأكبر الذي يدفع بالأمم غير المسلمة -أفرادا ومجتمعات، في كل عصر ومِصر- إلى نبذ ورفض كتاب الله تعالى؛ الذي أنزله الله تعالى هداية للبشرية !!
وقد ضرب سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم مثلا أعلى في الابتعاد عن الخوض في الباطل؛ حتى قبل بعثته صلى الله عليه وسلم !! فقد ورد في الحديث المتفق عليه أنه كان صلى الله عليه وسلم يخلو بغار حراء، فيتحنَّثُ فيه – أي: يتعبد – الليالي ذوات العدد !! مستمرا في التفكر في عظمة الخالق سبحانه !!

ولأن القرآن العظيم كان يقرع الحجة بالحجة؛ فإن من أقوى الحجج التي أقامها الحق سبحانه على منكري هداية السماء لأهل الأرض؛ أنه تحدى مشركي قريش الذين استكبروا عن اتباع كتابه؛ أن يأتوا بكتاب من عند الله تعالى، يكون أهدى من القرآن؛ أو التوراة -قبل تحريفها- قال تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [القصص : ٤٩]، ولا شك أنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بشيء !! ذلك أن الإله الواحد الأحد الذي لا إله غيره هو الذي اختار النبي صلى الله عليه وسلم للوحي، ولم يختر سبحانه أحدا غيره، فمن أين إذن سيأتوا بكتاب ؟! فكان من الطبيعي ألا يستجيبوا، قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}[القصص ٥٠] !!

وقد تبنى غير المسلمين -بجميع طوائفهم، قديما وحديثا- تبنوا مقولة قريش: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ}، فنبذوا كتاب الله تعالى وراء ظهورهم، بعد أن خاضوا بالباطل في أخطر أمر؛ أمر دينهم؛ فعبدوا غير الله تعالى، فمنهم من عبد البشر؛ كعبادة عيسى عليه السلام، ومنهم من عبد البقر، ومنهم من ألحد !!
ومن يعبد غير الله تعالى فقد فتح على نفسه أبواب الشر على مصراعيها، قال تعالى: {ومن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج : ٣١]، وقال تعالى: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان : ١٣] !!
وفي المقابل أغلقوا على أنفسهم أبواب الخير التي حواها هدي كتاب الله تعالى، قال تعالى عن كتابه العزيز: {هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} [آل عمران : ١٣٨] !!

وأخيرا: في هذا العصر، وبالرغم من الاكتشافات العلمية الكبيرة عند غير المسلمين؛ كفك شفرة الحمض النووي الد إن إي DNA الموجود في كل خلية، والتي أظهرت عظمة الخالق سبحانه !! وتدعوهم -بالضرورة- إلى أن يبذلوا جهدهم للوصول إلى هُدى خالق هذا هذا الحمض النووي !! ولو صدقوا في بحثهم عن الحق لوصلوا إليه !! لأن الله تعالى وعد بهداية قلب كل من يؤمن بوجود إله خالق عظيم، قال تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن : ١١] !!
غير أن الخوض في الباطل -من غير المسلمين- قد ازداد في هذا العصر حتى صار كُبّارا، وأضحى ضلالا بعيدا .. وبات بدهيا بعد أن نبذوا كتاب الله تعالى وراء ظهورهم -ويدخل في ذلك نبذ أمره ونهيه سبحانه- بات بدهيا أن يجدوا أنفسهم في حرية مطلقة؛ خاضوا بالباطل في معناها، حتى استباحوا باسمها العُري والزنا والشذوذ والخمر والميسر وقتل الأجنة بإجهاضها، وغير ذلك من قبائح الأمور !!
بل ازداد ضلالهم حتى صار باطلهم الذي خاضوا فيه منهجا وأسلوب حياة لهم؛ يشب عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير، وصدق الله تعالى القائل: {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي