التأمل المفيد – ١٩٢

التأمل المفيد (١٩٢)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الثامنة والخمسون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} [الإسراء : ٥٨]، قال أهل التفسير: “يتوعَّد الله الكفار بأنه ما من قريةٍ كافرة مكذبة للرسل إلا وسينزل بها عقابه بالهلاك في الدنيا قبل يوم القيامة أو بالعذاب الشديد لأهلها، كتاب كتبه الله وقضاء أبرمه لا بد مِن وقوعه، وهو مسطور في اللوح المحفوظ.” !!

ممّا تميزت به مجتمعات هذا العصر؛ أن وضعوا مواصفات ومقاييس لكل ما هو مُستخدم، ولكل ما يتناوله الناس من طعام وشراب .. إلى آخره. كل ذلك لتجنب أي فساد يضر بالإنسان أو بالمنشآت أو بالأجهزة !! كما وضعوا العقوبات الصارمة للمخالفين لهذه المواصفات والمقاييس !!

ولله المثل الأعلى .. الله تعالى مالك هذه الأرض؛ وضع سبحانه شرطا واحدا للعيش في أرضه حتى لا تفسد بالشرك وانتكاس الأخلاق والإباحية والشذوذ !! الشرط هو أن يقبل البشر بتوحيد الله تعالى؛ منقادين لأمره ونهيه، وبهذا الشرط ينالون سعادة الدنيا والآخرة !!
كما كتب سبحانه العقاب الحتمي في الدنيا قبل الآخرة للمكذبين له سبحانه ولرسله عليهم السلام، قال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا} [الطلاق : ٨]، وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۖ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} [محمد : ١٠]!! وقد أفاض القرآن الكريم في بيان هذا الموضوع الجلل !!

هذا العذاب الشديد والمؤكد في الدنيا للمكذبين لله تعالى ولرسله عليهم السلام؛ لا يعلم وقت نزوله إلا الله تعالى، قال تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} [الحجر : ٤]، قال أهل التفسير: “وإذا طلبوا نزول العذاب بهم تكذيبًا لك -أيها الرسول- فإنا لا نُهْلك قرية إلا ولإهلاكها أجل مقدَّر، لا نُهْلكهم حتى يبلغوه، مثل مَن سبقهم.” !!

وإذا كان العقلاء من البشر يأخذون إنذار علماء الطب عن خطر الأوبئة الفتاكة بجد، وكذلك يأخذون إنذار علماء البيئة بخطر ثقب الأوزون على الحياة بألوانها المختلفة بجد، وأخذ هذه الإنذارات بجد هو أمر محمود ومطلوب بلا شك !!
ولله المثل الأعلى .. لكن الإنذار الأكبر الذي يجب أن يفقهه كل البشر، وأن يأخذوه بجدية تامة، وأن يُحذِّر المسلمون منه غير المسلمين -كما كان يفعل الرسل عليهم السلام- هو إنذار الله تعالى للمكذبين له سبحانه ولرسله عليهم السلام من هذا العذاب الحتمي في الدنيا؛ قبل عذاب الآخرة، والذي يتناول المستهزئين بالله وبرسله كذلك، قال تعالى: {لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ} [الرعد : ٣٤]، إلا أن يتوبوا ويستسلموا لله رب العالمين !!

وأخيرا: لابد أن يعلم الناس أنه حتى الإيمان لا ينفع المكذبين لله تعالى ولرسله عليهم السلام؛ إذا كان هذا الإيمان جاء عند رؤية العذاب، قال تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} [غافر ٨٥]، قال أهل التفسير: “فلم يك ينفعهم إيمانهم هذا حين رأوا عذابنا؛ وذلك لأنه إيمان قد اضطروا إليه، لا إيمان اختيار ورغبة، سنة الله وطريقته التي سنَّها في الأمم كلها أن لا ينفعها الإيمان إذا رأوا العذاب، وهلك عند مجيء بأس الله الكافرون بربهم، الجاحدون توحيده وطاعته.” !!

اللهم ار زقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي