التأمل المفيد – ١٨٤

التأمل المفيد (١٨٤)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الخمسون].

نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} [طه : ١٢]، قال أهل التفسير: “فلما أتى موسى تلك النار ناداه الله: يا موسى، إني أنا ربك فاخلع نعليك، إنك الآن بوادي “طوى” الذي باركته، وذلك استعدادًا لمناجاة ربه.” !!

من أعظم ما يستفاد من الآية القرآنية الكريمة هو ضرورة الاستعداد؛ قبل مناجاة الله تعالى؛ بعمل شيء مشروع !!

كان العمل المشروع لموسى عليه السلام؛ خلع نعليه بوادي طوى، استعدادا لمناجاة ربه العلي العظيم في ذلك الوادي المبارك، قال تعالى: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} !!

والسؤال الذي يطرح نفسه: ما العمل المشروع لكافة بني آدم حين يريدون مناجاة ربهم العظيم في الصلاة ؟
الجواب: الوضوء مطلوب من كل من استسلم لله رب العالمين، منذ آدم عليه السلام وحتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها !!
فالصلاة كتبها الله تعالى على الأنبياء جميعا عليهم السلام، وكتبها على أتباعهم، قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: {رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ} [ابراهيم : ٢٧]، وقال تعالى عن إسماعيل عليه السلام: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم : ٥٥]، وقال تعالى عن موسى عليه السلام: {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس : ٨٧]، وقال تعالى عن عيسى عليه السلام: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم : ٣١]، وقال تعالى عن بني إسرائيل: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ۖ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ} [المائدة : ١٢]، وقال تعالى مخاطبا بني آدم أجمعين: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف : ٣١] !!
وقد يسر الله تعالى لي حضور محاضرة في الجبيل لداعية؛ كان نصرانيا قبل إسلامه، استدل فيها من الإنجيل -بالرغم من كونه محرفا- على مواضع تبين مشروعية الوضوء وكيفيته !! وكانت الجهة المنسقة للمحاضرة المكتب التعاوني بالجبيل؛ جزاهم الله خيرا ..

كما أمّ صلى الله عليه وسلم الأنبياء في رحلة الإسراء، قال صلى الله عليه وسلم: (فحانت الصلاة فأممتهم)[رواه مسلم (١٧٢)]!!

ولتقريب معنى الاستعداد لمناجاة الله تعالى أقول: العقلاء من البشر؛ يعلمون أهمية الاستعداد لمقابلة وجيه من الوجهاء وعظيم من العظماء؛ فيلبسون أحسن ما يملكون من الثياب، ويحافظون على الحضور في الموعد المحدد، بل ويختارون كلماتهم بعناية قبل أن تخرج من أفواههم أمام ذلك الوجيه والعظيم من الناس !!
ولله المثل الأعلى؛ فكيف بمناجاة من يعلم السر وأخفى .. الله رب العالمين ؟؟!!

لابد للمسلم أن يستشعر عند وضوئه أنه مقبل على الوقوف بين يدي الله تعالى لمناجاته سبحانه؛ في صلاة قد عرف أركانها وواجباتها وسننها؛ متأسيًا فيها بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم !!

وممّا يزيد المتوضئ استعدادا لمناجاة رب العالمين في الصلاة؛ أن سن لنا صلى الله عليه وسلم قولا عظيما نقوله بعد الفراغ من الوضوء؛ الشهادتين، قال صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد يتوضأ فيُسبِغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله – إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل مِن أيها شاء)[رواه مسلم (٢٣٤)]!! ألا ما أعظمه من قول -الشهادتين- يقوله المسلم بعد وضوئه مباشرة !!

وأخيرا: لعل من ثمرة المناجاة الصادقة الخاشعة في الصلاة أن يستشعر المسلم معية الله تعالى له في كل عمل يقوم به خلال يومه وليلته -وليس في الصلاة فقط- خاصة وهو يقرأ في كتاب ربه: {وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا}[يونس : ٦١] !! فيتلذذ بمناجاة ربه في أعماله المختلفة؛ بِما سن رسول صلى الله عليه وسلم من أذكار لهذه الأعمال، حتى يصبح لسانه رطبا بذكر الله تعالى !!

نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي