التأمل المفيد – ١٧٥

التأمل المفيد (١٧٥)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الحادية والأربعون].

نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ} [الزخرف : 5]، قال أهل التفسير: “أفنُعْرِض عنكم، ونترك إنزال القرآن إليكم لأجل إعراضكم وعدم انقيادكم، وإسرافكم في عدم الإيمان به ؟” !!

بعد انقطاع الوحي المطهر؛ تظل هذه الآية الكريمة تدفع بالمسلم إلى الدعوة إلى الله تعالى .. لا يثنيه عن ذلك صور إعراض المعرضين المختلفة على مر العصور !!

غير أنه استجدت في هذا العصر مستجدات يبرر بها بعض المسلمين لأنفسهم؛ سبب عدم دعوتهم للمعرضين عن هدى رب العالمين من غير المسلمين !! ويغيب عنهم قول الله تعالى: {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ} !! ونسوا ما قاله الأصوليون؛ أن العبرة في أسباب نزول الآيات بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب !!

فمن تلكم المستجدات التي تدخل كنوع من أنواع الإعراض عن قبول الحق من غير المسلمين:
تقدُمهم في العلوم المادية الدنيوية، وإعراضهم عن تقبل هدى الله تعالى؛ لكون المسلمين في نظرهم متخلفين عنهم في أمور الدنيا، فكيف يتلقون عنهم نهج حياة غير نهجهم ؟؟!!
ثم يقابل ذلك -وللأسف الشديد- إحجام بعض المسلمين عن دعوة المعرضين -من غير المسلمين- إلى الله تعالى؛ خشية إن هم دعوهم أن يمنعونهم من تعلم تلك العلوم المادية !! فتأتي الآية الكريمة: {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ}؛ دافعة المسلمين بألا يقفوا عن دعوة من تقدموا عليهم في العلوم الدنيوية .. ومبينة أن غير المسلمين قد أسرفوا على أنفسهم حين أعرضوا عن الإيمان بسبب تقدمهم المادي !!

وأخيرا: يجب التنبيه: أنه ليس مطلوب من المسلمين أن يكونوا بمستوى غير المسلمين في تقدمهم في أمور الدنيا؛ حتى يرضى الله تعالى عنهم ويمكن لهم !! بل المطلوب أن يصدُق المسلمون مع الله تعالى في كل أمورهم ! ومن ذلك أن يصدقوا في اتخاذ الأسباب للنهوض في أمور دنياهم، ثم يصدقوا في توكلهم على الله تعالى، فهو نعم المولى ونعم الوكيل !! وأكبر دليل على ذلك تمكين الله تعالى للمؤمنين في القرون المفضلة، وما بعدها من القرون، بعد أن كانوا ضِعافا في بداية البعثة المحمدية، على رسولها أفضل الصلاة وأزكى التسليم !! وقد فاقت حضارة المسلمين في تلك القرون العالم كله، حتى إن الأندلس كان يقصدها غير المسلمين للدراسة في قرطبة؛ لتعلم ما لدى المسلمين من أسباب التقدم المادي !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي