التأمل المفيد – ١٧٣

التأمل المفيد (١٧٣)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة التاسعة والثلاثون].

نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} [المؤمنون : ١٣] !!

كثيرة هي الآيات الكريمات التي يذكرنا فيها ربنا سبحانه بأننا كنّا نطفة في أرحام أمهاتنا !! منها ما خاطب بها سبحانه منكري البعث، كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} [يس : ٧٧] !! ومنها ما خاطب بها سبحانه الناس جميعا، من ذلك الآية الكريمة التي اخترتها في هذا المقال؛ والتي جاءت في سورة المؤمنون؛ بعد ما ذكر الله تعالى صفات المفلحين، قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ • ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِين} [المؤمنون : ١٢-١٣] !!

ولنا مع هذه الآية الكريمة وقفة تأمل:

ينظر كثير من الناس إلى ماضيهم -لغرض الاعتبار- من زوايا مختلفة !! فمنهم من ينظر إلى ماضيه المعيشي؛ وكيف كان صفر اليدين ! وكيف أضحى اليوم -بفضل من الله تعالى- ذا دخل يمكنه من العيش بكرامة في مجتمعه !!
ومنهم من ينظر إلى علمه؛ يوم كان طالبا في مدرسته؛ يتعلم القراءة والكتابة ! وكيف أضحى -بفضل من الله تعالى- متخصصا في إحدى المجالات الشرعية أو العلمية !! وهكذا هناك من ينظر إلى ماضيه الصحي، أو الاجتماعي، أو غير ذلك من الأمور !!

ولا شك أن هذه النظرات نحو الماضي -التي تدفع المسلم إلى شكر المنعم سبحانه وتعالى على ما أنعم عليه من نِعمة المال أو العلم أو الجاه- لا شك أنها مشروعة، ولها شواهد في القرآن الكريم !! من ذلك تذكير الله تعالى المؤمنين بماضيهم في صدر الإسلام؛ يوم كانوا ضِعافا، ثم أصبحوا ظاهرين، قال تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال : ٢٦] !!

لكن أعظم ما ينبغي أن ينظر إليه الإنسان من ماضيه -ليزداد بذلك تعظيما لقدْر الله تعالى- هو النظر إلى أنه كان نطفة، قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِين} !!

إن تذكُر الإنسان لقدْره؛ وأنه كان نطفة؛ لا شك يزيده معرفة بقدْر ربه الخلاق العليم !!
وهذا منهج قرآني مطرد في بيان ضآلة وصِغر وضعف كل ماخلق الله تعالى -حتى السماوات والأرض- أمام ربنا الكبير؛ ذي الأسماء الحسنى والصفات العلا سبحانه، قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر : ٦٧] !! كما بين سبحانه أن كرسيه وسع السماوات والأرض، قال تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}[البقرة : ٢٥٥]!!

وأخيرا: فإن القرآن الكريم لم يقتصر على ذكر النطفة فقط !! بل زاد فقال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران : ٦]، قال أهل التفسير: “هو وحده الذي يخلقكم في أرحام أمهاتكم كما يشاء، من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح، وشقي وسعيد، لا معبود بحق سواه، العزيز الذي لا يُغالَب، الحكيم في أمره وتدبيره.” !! فسبحانك ربي ما أعظمك !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي