التأمل المفيد – ٢٠١

التأمل المفيد (٢٠١)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة السابعة والستون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} [يونس : ٤٥] !!

لو سافر أحدُنا إلى بلد ما لمدة أسبوع، فإنه يكون مستيقنا بِقِصر هذه الرحلة؛ مما يدعوه للتخطيط لإدارة وقته الإدارة المُثلى؛ حتى يحقق أقصى ما يستطيع من أهداف وضعها لرحلته !!
غير أننا نجد أن إيمان بعضنا بِقِصر هذه الحياة الدنيا ليس راسخا في النفس كرسوخ يقين ذلك المسافر بِقِصر رحلته، والدليل على ذلك: الفتور والبرود وضعف الهِمة -عند هذا البعض- في نيل معالي الأمور، ويتبع ذلك الفتور شعور بالملل والفراغ !!

والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف نرسِّخ إيماننا بِقِصر هذه الحياة الدنيا ؟

الجواب من عدة وجوه:
أولا: إدراك أن من أخبرنا بِقِصر هذه الحياة الدنيا هو خالقنا سبحانه؛ العليم بالدنيا وقِصرها، والعليم بالآخرة وخلودها، قال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ}، وقال تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات : ٤٦] !!
وكذلك أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بِقِصر هذا الحياة الدنيا؛ بضرب مثال بين ومفهوم: نامَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ علَى حصيرٍ فقامَ وقد أثَّرَ في جنبِهِ فقلنا يا رسولَ اللَّهِ لوِ اتَّخَذنا لَكَ وطاءً فقالَ: (ما لي وما للدُّنيا، ما أنا في الدُّنيا إلَّا كراكبٍ استَظلَّ تحتَ شجرةٍ ثمَّ راحَ وترَكَها.) [صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٨١٢٢٨)]، وقال صلى الله عليه وسلم: (كُنْ في الدُّنْيا كأَنَّكَ غريبٌ، أَوْ عَابِرُ سبيل) [رواه البخاري (٦٤١٦)]!!
وكما نأخذ كلام الله تعالى وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم بجدية؛ في عباداتنا ومعاملاتنا، فكذلك علينا أن نأخذ النصوص الشرعية التي أوضحت قِصر الحياة الدنيا بجدية! واستمع إلى كلام الصحابي الجليل ابن عمر رضي الله عنهما؛ الذي أيقن بِقِصر الحياة الدنيا: “إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّباحَ، وإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَساءَ، وخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لمَرَضِكَ، ومِنْ حياتِك لِمَوتِكَ”[ رواه البخاري (٦٤١٦)] !!

ثانيا: دراسة وحفظ ما أمكن حفظه من النصوص الشرعية التي تحدثت عن يوم القيامة وأهواله، وعن الجنة والنار، وعن رؤية وجه ربنا الكريم في الجنة !! فأهل الإيمان قلوبهم معلقة بهذه الأمور، قال تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ}[يونس : ٢٦]، والزيادة هي رؤية الله تعالى كما قال المفسرون، وقال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران : ١٨٥] !!

ثالثا: أن يكون حالنا في سيرنا إلى الله تعالى كالحال التي وصف الله تعالى بها المؤمن في قوله تعالى: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الملك : ٢٢]، قال أهل التفسير: “أفمن يمشي منكَّسًا على وجهه لا يدري أين يسلك ولا كيف يذهب، أشد استقامة على الطريق وأهدى، أَمَّن يمشي مستويًا منتصب القامة سالمًا على طريق واضح لا اعوجاج فيه؟ وهذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن.” !!
المؤمن هدفه الأعظم رضا الله تعالى، ومن ثم يدير أوقاته ويشغلها بكل ما شرعه الله تعالى لتحقيق هذا الهدف العظيم؛ من ذلك عبادة الله تعالى، وإتقانه لعمله؛ سعيا وراء رزقه، وتربيته لنفسه وأهله وولده التربية الصالحة، وتقربه إلى الله تعالى بالنوافل بعد أداء الفرائض، وغير ذلك من الأعمال الصالحة، حتى يتحقق فيه قول الله تعالى: {أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}!!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ٢٠٠

التأمل المفيد (٢٠٠)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة السادسة والستون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل : ١٧] !!

كثيرا ما تصرح بعض الأمم غير المسلمة -في هذا العصر- من خلال إعلامها بأنه لم يوجد ولا يوجد أمة أقوى منها على وجه الأرض !!
ويحق لهم أن يقولوا أنهم أقوياء في هذا العصر !! أمّا أنه لم يمر على تاريخ البشرية أمة أقوى منهم؛ فقد جانبوا الصواب، والتاريخ يقول خلاف ذلك، ناهيك أن قوتهم في هذا العصر قوة مادية؛ غير منقادة لهدي رب العالمين !!

لذلك أقول: إذا أرادت أمة أن تفتخر بأنه لم يمر في تاريخ البشرية؛ ولن يمر أقوى منها؛ فحُق لنا -نحن أفراد ومجتمعات الأمة المسلمة- أن نفتخر بعهد نبي الله تعالى سليمان عليه السلام، فلم يمر ولن يمر على البشرية أقوى من الأمة المسلمة في عهده عليه السلام !!

عهد النبي سليمان عليه السلام جزء لا يتجزأ من تاريخ الأمة المسلمة الطويل، فالنبي سليمان عليه السلام وأتباعه كانوا من المسلمين، حكى لنا القرآن الكريم ذلك على لسان سليمان عليه السلام: {وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ} [النمل : ٤٢] !! كما جاء القرآن الكريم بالتأكيد على أن حاضر الأمة المسلمة لا يجوز أن ينفصل عن ماضيها، قال تعالى: {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود : ١٢٠] ففي قصص الأنبياء عليهم السلام تثبيت وتقوية لقلوب المؤمنين في أي عصر !!

حكى لنا القرآن الكريم سؤال سليمان عليه السلام الله تعالى: {وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [ص : ٣٥]، قال أهل التفسير: “وأعطني ملكًا عظيمًا خاصًا لا يكون مثله لأحد من البشر بعدي” !!
استجاب الله تعالى لسليمان عليه السلام؛ فأعطاه سبحانه ملكا عظيما لم يعطه لأحد من بعده عليه السلام إلى يوم القيامة !! وكان من ضمن ملكه: أنواع عظيمة من القوى، سأقف مع ثلاثة منها:

الأول: الريح، قال تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ} [ص : ٣٦]، قال أهل التفسير: “وذللنا الريح تجري بأمره طيِّعة مع قوتها وشدتها حيث أراد.” !!
إنها الريح التي أقضت مضاجع الأمم اليوم بأعاصيرها المدمرة !! لن يتمكن أحد من تذليلها كما ذللها الله تعالى لسليمان عليه السلام !!

الثاني: الجن، قال تعالى: {وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} [سبإ : ١٢]، وقال تعالى: {وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ} [ص : ٣٧] !!
ليس هناك أمة من الأمم القوية في هذا العصر؛ مهما بلغ عتادها وعدتها أن يكون من بين جندها أعداد عظيمة من الجن !! أمّا سليمان عليه السلام فقد كان من بين جنده أعداد من الجن لا يعلم قدرهم سوى الله تعالى، قال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} !! وصار الجن طوع أمره، ليس في القتال معه فقط؛ بل حتى في صناعة ما يشاء، قال تعالى: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ}[سبأ ١٣] !!

الثالث: آتاه الله تعالى من كل شيء، قال تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [النمل : ١٦]، قال أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: {وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ}: “وأُعطينا مِن كل شيء تدعو إليه الحاجة” !!
من الحاجات التي آتاه الله تعالى؛ نقل عرش بلقيس إليه، قال تعالى: {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل : ٤٠] !!

وأخيرا: ما الذي فعله نبي الله سليمان عليه السلام حتى يُعطى هذا الملك العظيم ؟!
الجواب: إنها العبودية الحقة التي صرفها سليمان عليه السلام لله تعالى، فقد كان عليه السلام نِعم العبد، قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص : ٣٠] !!
لهذه العبودية التي صرفها سليمان عليه السلام لله تعالى صور كثيرة، منها:
الاستغفار: قال تعالى: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}[ص ٣٥] !!
ومنها الدعاء: قال تعالى: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل : ١٩] !!
ومنها التسمية: بدأ الكتاب الذي أرسله إلى بلقيس بالتسمية، قال تعالى: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ} [النمل : ٣٠] !!
ومنها رد الفضل إلى الله تعالى فيما آتاه من ملك: قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم} [النمل : ٣٦] !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي​

التأمل المفيد – ١٩٩

التأمل المفيد (١٩٩)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الخامسة والستون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران : ٦٤] !!

الأمة المسلمة أمة رحيمة ناصحة لغيرها من الأمم غير المسلمة، تريد لهم الأمن والرخاء والحياة الطيبة !!
والأمة المسلمة لا تنصح الأمم نحو الحياة الأرقى والأفضل رجاء مصلحة مادية ترجوها؛ لأنها تخطو خُطى رسولها صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر} [ص : ٨٦] !!
وكذلك الأمة المسلمة لا يقتصر نصحها للأمم على خير الدنيا فقط، بل يجمع نصحها بين خيري الدنيا والآخرة !!

الآية الكريمة من سورة آل عمران -التي هي موضوع التأمل في هذا المقال- تعمل على تمكين الأمة المسلمة من تشخيص وضع أي أمة من الأمم؛ إن كانت على الطريق الصحيح السديد في هذه الدنيا؛ فتبارك لها حُسن اختيارها ! أم أنها سلكت الطريق الخاطئ المؤدي إلى الضرر والخسران في الدنيا والآخرة؛ عندها تسرع الأمة المسلمة إلى نصحها بما جاء في الآية الكريمة !!

وقد خاطبت الآية أمتين معروفتين؛ أمة اليهود وأمة النصارى، قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}، ولأن العبرة في أسباب النزول بعموم اللفظ؛ لا بخصوص السبب؛ فكذلك الآية تُشخِّص لنا وضع كل أمم الأرض من غير المسلمين، بدون استثناء لأي أمة منهم !!

تبدأ الأمة المسلمة تشخيصها للأمم غير المسلمة بالأمر الأعظم الذي بدأت به الآية الكريمة: {أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ} .. هل تفرد -هذه الأمم- الله تعالى بالعبادة وحده ؟؟!!
وهنا نجد أن الأمم غير المسلمة -جميعها- لا تعبد الله تعالى؛ لأنها أصلا لا تعرف الله تعالى كما وصف نفسه سبحانه في كتابه الكريم، وكما وصفه نبيه صلى الله عليه وسلم !!

يأتي بعد ذلك تشخيص الأمر الثاني الذي رتبته الآية الكريمة: {وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} .. وهو معرفة إن كانت الأمم غير المسلمة تشرك مع الله تعالى آلهة أخرى ؟؟!!
وهنا نجد أن الأمم غير المسلمة زادوا -على عدم عبادتهم لله تعالى- بأن أشركوا مع آلهتهم المزعومة آلهة أخرى؛ سواء من البشر؛ كعبادة عيسى عليه السلام، أو عبادة الأصنام، أو الأبقار، أو حتى الفئران !!

أمّا المحور الثالث في الآية الكريمة وهو: قوله تعالى: {وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ} .. هل تتبنى هذه الأمم غير المسلمة شريعة الله تعالى ليطبقوها في هذه الحياة ؟؟!!
وهنا يتبين لنا من التشخيص أنهم زادوا -على عدم عبادتهم لله تعالى، وعلى شركهم مع آلهتهم المزعومة آلهة أخرى- زادوا بوضع منهج حياة لهم؛ كتبوه بأنفسهم، وانقادوا له مستسلمين طائعين مُذعِنين، متخذين كاتبيه أربابا من دون الله تعالى، قال تعالى: {وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ}، نابذين شريعة الله تعالى وراء ظهورهم !!
وفِي السنة عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: (أتيتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليبٌ من ذَهبٍ. فقالَ: يا عديُّ اطرح عنْكَ هذا الوثَنَ. وسمعتُهُ يقرأُ في سورةِ براءةٌ {اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} قالَ: أما إنَّهم لم يَكونوا يعبدونَهم ولَكنَّهم كانوا إذا أحلُّوا لَهم شيئًا استحلُّوهُ وإذا حرَّموا عليْهم شيئًا حرَّموه) [حسّنه الألباني في صحيح الترمذي (٣٠٩٥)]!!

أخيرا: ما أعظم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية) [رواه البخاري (٣٤٦١)] !! فهاهي آية واحدة من سورة آل عمران: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}؛ يتمنى المسلم أن ييسر الله تعالى ويوفق الأمة المسلمة لتبليغ معناها العظيم لجميع الأمم غير المسلمة؛ أفرادا ومجتمعات، لعل الله تعالى أن ينفع بها !!
فإن قبلوها وعملوا بمقتضاها فالحمد لله .. وإن لم يقبلوها؛ فليشهدوا علينا بأننا مسلمون؛ نؤمن ونعمل بهذه المحاور الكبرى الثلاثة جميعها، قال تعالى في آخر الآية: {فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}، نعبد الله تعالى وحده، ولا نشرك به شيئا، مستسلمين ومنقادين لأمره ونهيه؛ الذي شمِل جوانب الحياة كلها !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ١٩٨

التأمل المفيد (١٩٨)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الرابعة والستون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ۖ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ} [الزخرف : ٢٤]، قال أهل التفسير: “قال محمد صلى الله عليه وسلم ومَن سبقه من الرسل لمن عارضه بهذه الشبهة الباطلة: أتتبعون آباءكم، ولو جئتكم مِن عند ربكم بأهدى إلى طريق الحق وأدلَّ على سبيل الرشاد مما وجدتم عليه آباءكم من الدين والملة؟ قالوا في عناد: إنا بما أرسلتم به جاحدون كافرون.” !!

أجمع العقلاء من البشر على أن الشيء إذا بلغ في جودته مبلغ الكمال؛ فإنه يكون هو المُقدم على نظيره من الأشياء .. وهو الذي تهفو النفوس للحصول عليه؛ إذا كان ماديا، أو الانتساب إليه؛ إذا كان معنويا !!

فما بال غير المسلمين -في هذا العصر؛ الذي أطلقوا عليه عصر العلم، وعصر الطرق الإبداعية في التفريق بين الخطأ والصواب في شتى الأمور؛ بالتحليل وبالمقارنة؛ وحتى باختراع أجهزة لكشف الكذب، وعصر تداول المعلومة، فسهُل على الباحثين عن الحق أن يتعرفوا على الإسلام- ما بالهم يعكسون ما اتفق عليه العقلاء من تبني الأهدى من العقائد، ويعدلون إلى تبني الأدنى؛ وهو الكفر والشرك، قال تعالى: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ۖ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ} ؟؟!!

غير أن الأمر الأغرب من كونهم تبنوا وانتسبوا إلى الفكر الخاطئ المشين -الشرك-؛ هي شبهتهم الباطلة التي دفعتهم إلى هذا الشرك؛ وهي قولهم أنهم يتبعون آباءهم الأولين، وكأنما كلام الآباء الأولون كلام منزل من رب العالمين ؟؟!! قال تعالى: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} [الزخرف : ٢٢] !!

وحتى ندرك الفرق بين تربية الأبوين المسلمين لأولادهما؛ تربية موافقة للفطرة، وتربية غير المسلمين لأولادهم؛ وهو في نفس الوقت الفرق بين التقليد الحميد الموافق للفطرة من قِبل المسلم لوالديه، والتقليد الذميم لغير المسلم لهما؛ أسوق حوار داعية مسلم لشخص نصراني؛ في محاولة منه لإيصال معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود يولد إلا على فطرة الإسلام حتى يُعرِب فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) [صححه الألباني في التعليقات الحسان (132)] -(حتى يُعرِب) أي: يفصح بلسانه ويعبّر-:
قال الداعية للنصراني : “أبي وأبوك كانا يقولان لنا عن الله -ونحن صغار- إنه كبير وعظيم !! ثم لمّا بلغنا سن رشدنا؛ زادني أبي تعظيما لله؛ بما له من أسماء حُسنى وصفات عُليا !! وأنت قال لك أبوك إن إلهك -الذي كان يقول لك إنه عظيم- قد صُلِب وقُتِل !! فبُهِت النصراني.”!!

وأخيرا: يبقى الإسلام دين الفطرة السوية؛ الذي لا يتوقف عن غرس الحق في نفوس أتباعه -منذ نعومة أظفارهم وحتى الممات- بآيات القرآن الكريم، وأحاديث السنة المطهرة .. حتى إنك لتجد الطفل المسلم الذي يحفظ سورتي الإخلاص والكافرون؛ يقرؤهما؛ فينطق بالحق والفِكر النير الذي ضَلت عنه كبار العقول -غير المسلمة- بسبب اتباعهم دين آبائهم الأولين !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي