التأمل المفيد – ١٩٢

التأمل المفيد (١٩٢)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الثامنة والخمسون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} [الإسراء : ٥٨]، قال أهل التفسير: “يتوعَّد الله الكفار بأنه ما من قريةٍ كافرة مكذبة للرسل إلا وسينزل بها عقابه بالهلاك في الدنيا قبل يوم القيامة أو بالعذاب الشديد لأهلها، كتاب كتبه الله وقضاء أبرمه لا بد مِن وقوعه، وهو مسطور في اللوح المحفوظ.” !!

ممّا تميزت به مجتمعات هذا العصر؛ أن وضعوا مواصفات ومقاييس لكل ما هو مُستخدم، ولكل ما يتناوله الناس من طعام وشراب .. إلى آخره. كل ذلك لتجنب أي فساد يضر بالإنسان أو بالمنشآت أو بالأجهزة !! كما وضعوا العقوبات الصارمة للمخالفين لهذه المواصفات والمقاييس !!

ولله المثل الأعلى .. الله تعالى مالك هذه الأرض؛ وضع سبحانه شرطا واحدا للعيش في أرضه حتى لا تفسد بالشرك وانتكاس الأخلاق والإباحية والشذوذ !! الشرط هو أن يقبل البشر بتوحيد الله تعالى؛ منقادين لأمره ونهيه، وبهذا الشرط ينالون سعادة الدنيا والآخرة !!
كما كتب سبحانه العقاب الحتمي في الدنيا قبل الآخرة للمكذبين له سبحانه ولرسله عليهم السلام، قال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا} [الطلاق : ٨]، وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۖ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} [محمد : ١٠]!! وقد أفاض القرآن الكريم في بيان هذا الموضوع الجلل !!

هذا العذاب الشديد والمؤكد في الدنيا للمكذبين لله تعالى ولرسله عليهم السلام؛ لا يعلم وقت نزوله إلا الله تعالى، قال تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} [الحجر : ٤]، قال أهل التفسير: “وإذا طلبوا نزول العذاب بهم تكذيبًا لك -أيها الرسول- فإنا لا نُهْلك قرية إلا ولإهلاكها أجل مقدَّر، لا نُهْلكهم حتى يبلغوه، مثل مَن سبقهم.” !!

وإذا كان العقلاء من البشر يأخذون إنذار علماء الطب عن خطر الأوبئة الفتاكة بجد، وكذلك يأخذون إنذار علماء البيئة بخطر ثقب الأوزون على الحياة بألوانها المختلفة بجد، وأخذ هذه الإنذارات بجد هو أمر محمود ومطلوب بلا شك !!
ولله المثل الأعلى .. لكن الإنذار الأكبر الذي يجب أن يفقهه كل البشر، وأن يأخذوه بجدية تامة، وأن يُحذِّر المسلمون منه غير المسلمين -كما كان يفعل الرسل عليهم السلام- هو إنذار الله تعالى للمكذبين له سبحانه ولرسله عليهم السلام من هذا العذاب الحتمي في الدنيا؛ قبل عذاب الآخرة، والذي يتناول المستهزئين بالله وبرسله كذلك، قال تعالى: {لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ} [الرعد : ٣٤]، إلا أن يتوبوا ويستسلموا لله رب العالمين !!

وأخيرا: لابد أن يعلم الناس أنه حتى الإيمان لا ينفع المكذبين لله تعالى ولرسله عليهم السلام؛ إذا كان هذا الإيمان جاء عند رؤية العذاب، قال تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} [غافر ٨٥]، قال أهل التفسير: “فلم يك ينفعهم إيمانهم هذا حين رأوا عذابنا؛ وذلك لأنه إيمان قد اضطروا إليه، لا إيمان اختيار ورغبة، سنة الله وطريقته التي سنَّها في الأمم كلها أن لا ينفعها الإيمان إذا رأوا العذاب، وهلك عند مجيء بأس الله الكافرون بربهم، الجاحدون توحيده وطاعته.” !!

اللهم ار زقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ١٩١

التأمل المفيد (١٩١)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة السابعة والخمسون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة : ٢٩] !!

كثيرا ما نجد على قنوات اليوتيوب مقاطع عن الكون، وما فيه من مجرات لا تُعد ولا تُحصى؛ بنجومها وكواكبها، ومنها المجموعة الشمسية .. هذه المقاطع تعمد إلى تشكيل انطباع محدد في نفوسنا: أن أرضنا صغيرة جدا جدا في هذا الكون الفسيح !!

ولذا أحببت أن أطرح بعضا من التصورات التي يعرفها المسلم -بالنصوص الشرعية- عن أرضنا؛ الصغيرة في حجمها، الكبيرة في شأنها !!

أولا: خلقْ الأرض:
(ا) مع أن الله تعالى قادر على أن يخلق الأرض في لحظة؛ بقوله كن !! إلا أنه سبحانه خلقها في يومين، وجعل فيها الجبال وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في يومين آخرين، فصار المجموع أربعة أيام، قال تعالى: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ} [فصلت : ١٠] !! أمّا السماوات فخلقها سبحانه في يومين، قال تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت : ١٢] !!

(ب) ولو سأل سائل: أيهما خُلِق قبلُ؛ السماوات أم الأرض ؟
الجواب: الأرض خلقها الله تعالى قبل السماوات، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} !!

ثانيا: إنها الأرض: التي خصها الله تعالى بوجود ألوان الحياة المختلفة؛ على ظهرها، وفي باطنها، وداخل بحارها وأنهارها، والطير في أجوائها !!
طينة هذه الأرض عجيبة من عجائب مخلوقات الله سبحانه !! تحيا -بقدرة الله تعالى- وتهتز وتربو لحظة سقيها بالماء؛ على اختلاف مساحتها؛ ولو كانت بحجم قارة، قال تعالى: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج ٥]، وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ۗ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [الحج : ٦٣]، وقد رأينا جميعا المساحات الخضراء الشاسعة بعد هطول الأمطار عليها !!

ثالثا: إنها الأرض: التي خلق الله تعالى آدم عليه السلام من طينتها، قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ} [المؤمنون : ١٢]، قال أهل التفسير: “ولقد خلقنا آدم من طين مأخوذ من جميع الأرض.” !!
ثم خص سبحانه الأرض من بين سائر النجوم والكواكب؛ لتكون موطنا لأكرم خلقه؛ آدم عليه السلام وذريته !!

رابعا: إنها الأرض: التي يأمن الكون -بمجراته- بأمنها !! فقد خصها الله تعالى من بين سائر النجوم والكواكب؛ بوضع بيته الحرام فيها، فلا تقوم الساعة؛ ويفنى الكون مادام الناس يحجون إلى بيته سبحانه، قال صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى لا يُحج البيت)[السلسلة الصحيحة (2430)] !!

وأخيرا: لابد أن تدرك البشرية أن صلاح هذه الأرض يكون باتباع منهج الله تعالى؛ كما هو شأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج : ٤١] !!
وفساد هذه الأرض يكون بالإعراض عن منهج الله تعالى؛ كما هو حال غير المسلمين، فينتشر الشرك وتنتكس الأخلاق وتظهر الإباحية والشذوذ، قال تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف : ٥٦]، قال أهل التفسير: “ولا تُفْسدوا في الأرض بأيِّ نوع من أنواع الفساد، بعد إصلاح الله إياها ببعثة الرسل -عليهم السلام- وعُمْرانها بطاعة الله” !!

اللهم ار زقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي​

التأمل المفيد – ١٩٠

التأمل المفيد (١٩٠)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة السادسة والخمسون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان : ١] !!
الإسلام دعوة عالمية؛ كما قال تعالى في الآية الكريمة: {لِلْعَالَمِينَ}، وقال صلى الله عليه وسلم: (.. وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة) [رواه البخاري ومسلم] !!

والسؤال: كيف نعزز قضية: “عالمية الإسلام” ونقويها في نفوسنا ؟!
الجواب: نعززها بنصوص من الكتَاب الحكيم والسنة المطهرة، أذكر من ذلك -على سبيل المثال وليس الحصر- ما يلي:

أولا: إدراك أن الله تعالى الذي أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بدعوة العالمين، قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف : ١٥٨]؛ هو سبحانه من أمر أتباع خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم أن يدعوا بدعوته، قال تعالى: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف : ١٠٨] !!

ثانيا: إدراك أن دعوتنا للعالمين؛ إنما هي دعوة غير المسلمين للرجوع إلى الفطرة التي فطرهم الله تعالى عليها، قال تعالى عن دينه: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم : ٣٠]، وقال صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة) وفي رواية (على هذه الملة) [متفق عليه] !!
وللتدليل بمثال من السنة المطهرة على موافقة فطرة الإنسان لِما جاء في ملة الإسلام من تحليل للطيبات وتحريم للخبائث، قال تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف : ١٥٧]؛ فإنني أذكر اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم إناء اللبن على إناء الخمر، ليلة الإسراء والمعراج -حينما قُدِّما له- فأيده جبريل عليه السلام على اختياره -صلى الله عليه وسلم إناء اللبن؛ وقال له: (أخذْتَ الفِطرة)[رواه البخاري ومسلم] !!
ممّا سبق بيانه يتضح لنا أن غير المسلمين بحاجة إلى الإيمان بالله تعالى وحده، والانقياد لأمره ونهيه؛ حتى يسعدوا بالعيش في ظل شريعة خالقهم؛ التي توافق الفطرة التي فطرهم عليها سبحانه !!

ثالثا: أن ندرك -من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) صححه الألباني [السلسلة الصحيحة (٩٢٥)]- أن ندرك أهمية رحمة الناس في ميزان الإسلام !!
ولا شك أن من أعظم أنواع الرحمة التي يقدمها المسلم للغير في دنياه؛ هي دعوة غير المسلمين؛ لإخراجهم من عذاب السعير، قال تعالى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا} [الانسان : ٤] .. وإرشادهم إلى نور الإسلام، قال تعالى: {الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [ابراهيم : ١] !!

وأخيرا: إن دعوة الإسلام العالمية؛ تتطلب من المسلم أن يكون قدوة صالحة للإسلام؛ في أي بقعة من الأرض وُجِد !! هذا وإن أقوم وأهدى طريق يكون به المسلم قدوة صالحة؛ هو التأسي بسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب : ٢١] !!

اللهم ار زقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي​

التأمل المفيد – ١٨٩

التأمل المفيد (١٨٩)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الخامسة والخمسون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} [الدخان : ٣٨] !!

يعي كل البشر -على اختلاف لغاتهم- معنى كلمة لعِب .. ومن استخداماتهم لها: زجر من يتعامل مع الأمور المهمة الجادة بهزل !! فيقولون للهازل: هذا الأمر ليس لعِبا !!
على سبيل المثال: إذا صنع البشر جهازا لغسل الكُلى؛ فإنهم لا يقبلون من هازل أن يقول أن هذا الجهاز مُصنّع للعِب !!

لله المثل الأعلى .. جاء قول الله تعالى {لَاعِبِينَ} في الآية الكريمة: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ}، وفي قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} [الأنبياء : ١٦]؛ لتخاطب كل من ينظر إلى السماء والأرض؛ ثم لا تستوقفه نظرته ليرى الجدية والحق من خلقهما !!

إن النظرة الجادة -غير الهازلة- لهذا الخلق العظيم -السماوات والأرض- تدعو إلى تعظيم خالقهما العلي الكبير، ومن ثم الانقياد إلى الحق العظيم الذي يذكره سبحانه بعد ذِكر خلق السماوات والأرض !! سواء كان ذلك الحق؛ أن نتعرف إليه سبحانه، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق : ١٢] !! أو كان الحق؛ عبادته وحده بدون شريك، كما في قوله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النحل : ٣] !! أو كان الحق؛ التصديق باليوم الآخر للمجازاة، كما في قوله تعالى: {وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الجاثية : ٢٢] !!

وأخيرا: نحن كمسلمين نعرف -ولله الحمد والمنة، من خلال تدبرنا لكلام ربنا- نعرف عظيم خلق السماوات والأرض، ونعرف عظمة من خلقهما سبحانه، وعظمة الحقائق التي أمرنا بها .. ويظل مطلوب منا ألا ننقطع عن التدبر والتفكر في كتاب ربنا المقروء، وفي كتاب الكون المفتوح؛ لنزداد في إيماننا وتعظيمنا لله تعالى العظيم !!

لكن علينا ألا ننسى أن غير المسلمين لا يعرفون ما نعرف عن قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} !! لذلك عبدوا من دون الله تعالى البشر -كما فعلت النصارى بعيسى عليه السلام، وكما فعلت اليهود بعزير رضي الله عنه- وعبدوا الأصنام كبوذا، كما عبدوا في هذا العصر حتى أحقر الحيوانات؛ الفئران !!
فهلا رحمناهم بنشر ثقافتنا التي استقيناها من قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ • مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الدخان : ٣٨-٣٩]، وبينا لهم الحق الذي من أجله خلق الله تعالى هذا الخلق العظيم -السماوات والأرض- وهو معرفة الله تعالى، وعبادته وحده، واليقين بالبعث بعد الممات لتُجزى كل نفس بما كسبت !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ١٨٨

التأمل المفيد (١٨٨)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الرابعة والخمسون].

نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبإ : ٤٩]، قال أهل التفسير: “قل -أيها الرسول-: جاء الحق والشرع العظيم من الله، وذهب الباطل واضمحلَّ سلطانه، فلم يبق للباطل شيء يبدؤه ويعيده.” !! وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه: “أي لم يبق للباطل مقالة ولا رياسة ولا كلمة”[تفسير ابن كثير (6/527)] !!

إذن ليس معنى قوله تعالى: {وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ}؛ أن الباطل لا يمكنه بدء الخلق ثم إعادته، كما في قوله تعالى: {أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [النمل : ٦٤]، فمعلوم أن الباطل لا يقدر على خلق ومنح الحياة لأي شيء !! إنما المعنى في قوله تعالى: {وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ}، أي ليس للباطل -بعد مجيئ الحق- كلمة ولا وزن، وهو فارغ شكلا ومضمونا !!

{قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ}: هذا ما ينبغي للمسلم أن يعتقده نحو دين الإسلام؛ الذي ما إن جاء به سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم؛ حتى فضح عوار وضحالة كل التشريعات الموجودة على وجه الأرض، منذ بعثته صلى الله عليه وسلم وحتى قيام الساعة !!

هذا وإن من أعظم ما يملأ قلب المؤمن ثقة ويقينا أن شريعة الإسلام هي الأعلى وما دونها من التشريعات باطل؛ هو معرفته أن الإسلام -الذي هو دين للبشر- جاء من خالق البشر سبحانه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} [البقرة : ٢١] !! فكيف والله تعالى يعلم حال الإنسان منذ كان نطفة، قال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الانسان : ٢] ؟؟!!

كذلك مما يملأ قلب المؤمن ثقة ويقينا أن شريعة الإسلام هي الأعلى قول الله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} !! فقد أجمع العقلاء أن من يصنع جهازا من الأجهزة؛ هو بلا ريب أعلم الناس بصيانته، وإصلاحه إذا عطب !! فكيف بمن خلق الإنسان ؟! إنه تعالى بلا ريب أعلم بِما يصلح حاله في الدنيا والآخرة؛ فيأمره وينهاه !!

وأخيرا: تذكر أخي المسلم -وأنت تردد في نفسك أن الإسلام هو الحق وأن شِرعة الله هي الأحكم !! وما عداها من التشريعات باطل- تذكر أن غير المسلمين بحاجة ماسة إلى ثقافة: أن الذي يخلق هو الذي يأمر، قال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ}، فهلا نشرنا هذه الثقافة بينهم !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي