التأمل المفيد – ١٧٧

التأمل المفيد (١٧٧)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الثالثة والأربعون].

نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء : ٨٧]، قال أهل التفسير: “ولا أحد أصدق من الله حديثًا فيما أخبر به.” !!

ينظر البشر بإعجاب وتقدير للصادق منهم، إذ يأمنوه؛ فلا غدر عنده ولا كذب، ويقبلون نصحه ومشورته، ويصدِّقون وعوده !! مع أن الصادق من البشر لا يملك لنفسه؛ ولا لغيره ضرا ولا نفعا، إذ هو مخلوق مثلهم؛ غير أنه يتصف بالصدق !!

هذا التقدير الكبير الذي نحمله تجاه كل صادق من البشر؛ لابد أن يتضاعف أضعافا لا حد لها تجاه حديث ربنا تعالى؛ الذي قال عن نفسه: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} !! فلله المثل الأعلى في صدق الحديث !! إذ هو حديث من له الأسماء الحسنى والصفات العلا، القادر على كل شيء، مالك الملك، الكريم الوهاب !!

كل حديث ربنا حق وصدق، لكني سأتكلم في هذا المقال عن صدق ربنا تعالى في تحقيق وعوده التي ملأت كتابه سبحانه !! ففي كتاب الله تعالى مئات الوعود التي وعدنا -سبحانه- إياها !!
وفيما يلي أذكر فرحة المسلم بحديث ربنا تعالى عن وعدين من وعوده، سيحققها الله تعالى لمن وفقه للعمل بها، لأنه قال عن نفسه: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا}، وقال تعالى: {وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم : ٦]:

الوعد الأول: نفرح بحديث الله تعالى عن وعده بإجابة دعاء عباده، لأننا على يقين بصدق وعد الله، قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة : ١٨٦] !! تُرى كم هي فرحة المؤمن حين يدعو ربه؛ وفق آداب الدعاء، موقنا أنه سيجيب دعاءه ؟؟!! إنها فرحة لا توازيها فرحة !! وستدفعه هذه الفرحة إلى كثرة الدعاء، والإلحاح فيه !!

الوعد الثاني: نفرح بحديث الله تعالى عن وعده بتبديل سيئات التائبين إلى حسنات، لأننا على يقين بصدق وعد الله، قال تعالى: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفرقان : ٧٠] !! تُرى كم هي فرحة من أسرف على نفسه في الذنوب؛ بوعد الله تعالى الصادق بتبديل سيئاته حسنات، إن هو تاب توبة نصوحا ؟؟!! إنها فرحة لا توازيها فرحة !! وسيندفع على إثر هذه الفرحة إلى التعجيل بالتوبة؛ طمعا في موعود ربه؛ بالفوز بحسنات لم يعملها، إذ هي سيئاته؛ قد أبدلها الله تعالى بعد توبته إلى حسنات !!

وأخيرا: فإن هناك مئات الوعود التي حواها حديث ربنا؛ منها المفرح للمؤمنين !! وأخرى للكافرين والمنافقين؛ تخزيهم وتبكتهم !! وغير ذلك من الوعود ذات الموضوعات المختلفة !! كل هذه الوعود؛ وعد بها من قال عن حديثه سبحانه: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} !! فتنسكب -بهذه الوعود الصادقة من الله تعالى- السكينة والرضا والفرحة في قلوب عباده المؤمنين !! وتنخلع منها وترتجف قلوب الكافرين والمنافقين؛ إلا أن يتوبوا، فإن الله تواب رحيم !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي
انشر .. تؤجر ..

التأمل المفيد – ١٧٦

التأمل المفيد (١٧٦)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الثانية والأربعون].

نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} [الأعراف : ١٤٨]، قال أهل التفسير: “واتخذ قوم موسى من بعد ما فارقهم ماضيًا لمناجاة ربه معبودًا مِن ذهبهم عِجلا جسدًا بلا روح، له صوت، ألم يعلموا أنه لا يكلمهم، ولا يرشدهم إلى خير؟ أَقْدَمُوا على ما أقدموا عليه من هذا الأمر الشنيع، وكانوا ظالمين لأنفسهم واضعين الشيء في غير موضعه.” !!

مهم جدا -ونحن نرى غير المسلمين قد عبدوا الحجر والشجر والصليب، حتى الفئران- أن نتامل في قول ربنا تعالى في خطابه لمن عبدوا العجل: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا}، وقوله تعالى: {أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا} [طه : ٨٩]، حيث بين سبحانه في الآيتين الكريمتين أنه يتكلم ويهدي !! يتكلم كلاما يليق بجلاله، من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف !!
فالله تعالى له كلام يهدي به الناس !! وأمّا الآلهة التي اتخذها البشر فهي لا تتكلم ولا تهدي، قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا} !!

وحتى يزداد تقديرنا لصفة الكلام لله تعالى؛ أقول: يعلم البشر أهمية صفة الكلام والبيان التي أكرمهم الله تعالى بها، قال تعالى: {خَلَقَ الْإِنسَانَ • عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن : ٣-٤] !! كما ينظرون نظرة إكبار وإعجاب إلى كل من أوتي فصاحة في الكلام، وكان بليغا وخطيبا مفوها ومؤثرا في الناس بكلامه !!
ولله المثل الأعلى .. فكيف إذا كان المتكلم هو رب العالمين ؟؟!! الذي عظّم من شأن كلماته سبحانه فقال: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان : ٢٧]، وقال تعالى: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف : ١٠٩] !! وكذلك مدح سبحانه كلامه؛ القرآن الكريم، فقال عنه أنه: مبين وحكيم وهدى وذكرى وحق وفرقان ورحمة ومجيد وقول فصل !! سبحانك ربي ما أعظمك .. وما أعظم كلامك !!

ألا فليفرح المسلمون الصادقون بتعظيمهم لصفة الكلام لربهم؛ بإثباتها له؛ وأنه سبحانه يتكلم؛ كلاما يليق بجلاله، من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف !! وليفرحوا كذلك باتباع شرعه سبحانه؛ المأخوذ من كلامه وهداه؛ والذي يضمن لهم سعادة الدنيا والآخرة، قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ • يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم} [المائدة : ١٥-١٦] !!

أمّا غير المسلمين، فبالرغم من اعترافهم بأن الله تعالى هو الخالق، قال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} [العنكبوت : ٦١] !! إلا أنهم أجرموا جرما كبيرا؛ حين أعرضوا عن الإيمان بآخر كتبه؛ القرآن الكريم؛ الذي هو كلام ربنا العلي العظيم !! وسوف يجازيهم على إعراضهم، قال تعالى: {وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِی فَإِنَّ لَهُۥ مَعِیشَةࣰ ضَنكࣰا وَنَحۡشُرُهُۥ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ أَعۡمَىٰ} [طه : ١٢٤] !!

وأخيرا: رحم الله تعالى إمام أهل السنة؛ الإمام أحمد بن حَنْبَل، الذي وقف -بتوفيق من الله تعالى- صخرة صماء؛ تكسرت عليها بِدع المحرفين لأسماء الله تعالى وصفاته، خاصة ما مس صفة الكلام لله تعالى، ودحضه بدعة خلق القرآن !! فجزاه الله تعالى عن أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- خير الجزاء !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي
انشر .. تؤجر ..​

التأمل المفيد – ١٧٥

التأمل المفيد (١٧٥)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الحادية والأربعون].

نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ} [الزخرف : 5]، قال أهل التفسير: “أفنُعْرِض عنكم، ونترك إنزال القرآن إليكم لأجل إعراضكم وعدم انقيادكم، وإسرافكم في عدم الإيمان به ؟” !!

بعد انقطاع الوحي المطهر؛ تظل هذه الآية الكريمة تدفع بالمسلم إلى الدعوة إلى الله تعالى .. لا يثنيه عن ذلك صور إعراض المعرضين المختلفة على مر العصور !!

غير أنه استجدت في هذا العصر مستجدات يبرر بها بعض المسلمين لأنفسهم؛ سبب عدم دعوتهم للمعرضين عن هدى رب العالمين من غير المسلمين !! ويغيب عنهم قول الله تعالى: {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ} !! ونسوا ما قاله الأصوليون؛ أن العبرة في أسباب نزول الآيات بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب !!

فمن تلكم المستجدات التي تدخل كنوع من أنواع الإعراض عن قبول الحق من غير المسلمين:
تقدُمهم في العلوم المادية الدنيوية، وإعراضهم عن تقبل هدى الله تعالى؛ لكون المسلمين في نظرهم متخلفين عنهم في أمور الدنيا، فكيف يتلقون عنهم نهج حياة غير نهجهم ؟؟!!
ثم يقابل ذلك -وللأسف الشديد- إحجام بعض المسلمين عن دعوة المعرضين -من غير المسلمين- إلى الله تعالى؛ خشية إن هم دعوهم أن يمنعونهم من تعلم تلك العلوم المادية !! فتأتي الآية الكريمة: {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ}؛ دافعة المسلمين بألا يقفوا عن دعوة من تقدموا عليهم في العلوم الدنيوية .. ومبينة أن غير المسلمين قد أسرفوا على أنفسهم حين أعرضوا عن الإيمان بسبب تقدمهم المادي !!

وأخيرا: يجب التنبيه: أنه ليس مطلوب من المسلمين أن يكونوا بمستوى غير المسلمين في تقدمهم في أمور الدنيا؛ حتى يرضى الله تعالى عنهم ويمكن لهم !! بل المطلوب أن يصدُق المسلمون مع الله تعالى في كل أمورهم ! ومن ذلك أن يصدقوا في اتخاذ الأسباب للنهوض في أمور دنياهم، ثم يصدقوا في توكلهم على الله تعالى، فهو نعم المولى ونعم الوكيل !! وأكبر دليل على ذلك تمكين الله تعالى للمؤمنين في القرون المفضلة، وما بعدها من القرون، بعد أن كانوا ضِعافا في بداية البعثة المحمدية، على رسولها أفضل الصلاة وأزكى التسليم !! وقد فاقت حضارة المسلمين في تلك القرون العالم كله، حتى إن الأندلس كان يقصدها غير المسلمين للدراسة في قرطبة؛ لتعلم ما لدى المسلمين من أسباب التقدم المادي !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ١٧٤

التأمل المفيد (١٧٤)

معًا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الأربعون].

نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة!!

قال الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء : ١٩٢]، قال أهل التفسير: “وإن هذا القرآن الذي ذُكِرَتْ فيه هذه القصص الصادقة، لَمنزَّل مِن خالق الخلق” !!

فرق كبير بين النظر إلى مخلوقات الله تعالى -من بشرٍ أو نباتٍ أو أنعامٍ وغيرها- وهي تتخلّق وتنمو بأمر الله تعالى؛ فيزداد بذلك إيماننا، وبين أن نرتّل بأفواهنا أو نسمع بآذاننا كلامًا تكلّم به رب العالمين!!
لاشكّ أن زيادة الإيمان تكون أعظم وأكبر عند ترتيلنا لكلام ربنا، أو سماعنا له، قال تعالى عن صفات المؤمنين: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: ٢] !!
ووالله..ما أُعطينا نعمة أعظم من القرآن الكريم؛ كلام ربنا سبحانه وتعالى!! نرتّله أو نسمعه؛ فيكون له من التأثير العظيم في أنفسنا وفيما حولنا؛ بما يزيدنا يقينا؛ أن القرآن لديه القدرة -بإذن الله- على هداية النفوس والتأثير فيها، قال تعالى: {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: ٩]!!

فلنقف وقفتين فقط؛ نتأمل فيهما التأثير الذي يؤثّر به كلام ربنا على أنفسنا وعلى ما حولنا:

الوقفة الأولى: كلامه سبحانه الذي تكلم به، إذا رتّلناه، أو سمعناه؛ لنرقي به مريضا، فإنه سيُشفى بإذن الله تعالى، قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: ٨٢]!! لأن رقيتنا هي من كلام رب العالمين؛ القادر على التأثير بكلامه في أي شيء..فالقرآن لديه القدرة -بإذن الله- على هداية النفوس والتأثير فيها!!

الوقفة الثانية: كلامه سبحانه الذي تكلم به، إذا رتّلناه، أو سمعناه؛ لإبطال وطرد السحر والسحرة، فإن ذلك يحصل بإذن الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: (اقرؤا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة) [رواه مسلم (252)]!! فسورة البقرة من كلام رب العالمين؛ القادر على التأثير بكلامه في أي شيء..فالقرآن لديه القدرة -بإذن الله- على هداية النفوس والتأثير فيها!!

وهكذا: إن الحاجات التي يقضيها الله تعالى بكلامه الذي نرتّله، أو نسمعه؛ لا تُعدّ ولا تُحصى!! وما علينا إلا التأمل في كلام ربنا حين نقرؤه؛ لنستشعر هذه المعاني العظيمة التي وعد الله تعالى أن يعطينا إياها عند ترتيلنا أو سماعنا لكلامه، لأنه قادر -سبحانه- على التأثير بكلامه في أي شيء..فالقرآن لديه القدرة -بإذن الله- على هداية النفوس والتأثير فيها!!

وأخيرا: لا عجب إذن أن يتأثر النجاشي -وهو أعجمي- بما قرأه عليه الصحابي من سورة مريم، فيقول: “إن هذا -أي القرآن- والذي أنزل على عيسى -يقصد الإنجيل- يخرج من مشكاة واحدة”[تفسير القرطبي (٧٣/١١)] !!
ولا عجب أيضا أن يتأثر الجن حينما سمعوا القرآن، حتى حكى القرآن قولهم: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} [الجن : ١] !!
ولنتذكر ما قاله الله تعالى في سورة الحشر عن القرآن الكريم، قال تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: ٢١]، قال أهل التفسير: “لو أنزلنا هذا القرآن على جبل من الجبال، ففهم ما فيه مِن وعد ووعيد، لأبصَرْته على قوته وشدة صلابته وضخامته، خاضعًا ذليلا متشققًا من خشية الله تعالى”!!

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وغمومنا ودليلنا إليك وإلى جناتك جنات النعيم!!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ١٧٣

التأمل المفيد (١٧٣)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة التاسعة والثلاثون].

نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} [المؤمنون : ١٣] !!

كثيرة هي الآيات الكريمات التي يذكرنا فيها ربنا سبحانه بأننا كنّا نطفة في أرحام أمهاتنا !! منها ما خاطب بها سبحانه منكري البعث، كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} [يس : ٧٧] !! ومنها ما خاطب بها سبحانه الناس جميعا، من ذلك الآية الكريمة التي اخترتها في هذا المقال؛ والتي جاءت في سورة المؤمنون؛ بعد ما ذكر الله تعالى صفات المفلحين، قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ • ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِين} [المؤمنون : ١٢-١٣] !!

ولنا مع هذه الآية الكريمة وقفة تأمل:

ينظر كثير من الناس إلى ماضيهم -لغرض الاعتبار- من زوايا مختلفة !! فمنهم من ينظر إلى ماضيه المعيشي؛ وكيف كان صفر اليدين ! وكيف أضحى اليوم -بفضل من الله تعالى- ذا دخل يمكنه من العيش بكرامة في مجتمعه !!
ومنهم من ينظر إلى علمه؛ يوم كان طالبا في مدرسته؛ يتعلم القراءة والكتابة ! وكيف أضحى -بفضل من الله تعالى- متخصصا في إحدى المجالات الشرعية أو العلمية !! وهكذا هناك من ينظر إلى ماضيه الصحي، أو الاجتماعي، أو غير ذلك من الأمور !!

ولا شك أن هذه النظرات نحو الماضي -التي تدفع المسلم إلى شكر المنعم سبحانه وتعالى على ما أنعم عليه من نِعمة المال أو العلم أو الجاه- لا شك أنها مشروعة، ولها شواهد في القرآن الكريم !! من ذلك تذكير الله تعالى المؤمنين بماضيهم في صدر الإسلام؛ يوم كانوا ضِعافا، ثم أصبحوا ظاهرين، قال تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال : ٢٦] !!

لكن أعظم ما ينبغي أن ينظر إليه الإنسان من ماضيه -ليزداد بذلك تعظيما لقدْر الله تعالى- هو النظر إلى أنه كان نطفة، قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِين} !!

إن تذكُر الإنسان لقدْره؛ وأنه كان نطفة؛ لا شك يزيده معرفة بقدْر ربه الخلاق العليم !!
وهذا منهج قرآني مطرد في بيان ضآلة وصِغر وضعف كل ماخلق الله تعالى -حتى السماوات والأرض- أمام ربنا الكبير؛ ذي الأسماء الحسنى والصفات العلا سبحانه، قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر : ٦٧] !! كما بين سبحانه أن كرسيه وسع السماوات والأرض، قال تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}[البقرة : ٢٥٥]!!

وأخيرا: فإن القرآن الكريم لم يقتصر على ذكر النطفة فقط !! بل زاد فقال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران : ٦]، قال أهل التفسير: “هو وحده الذي يخلقكم في أرحام أمهاتكم كما يشاء، من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح، وشقي وسعيد، لا معبود بحق سواه، العزيز الذي لا يُغالَب، الحكيم في أمره وتدبيره.” !! فسبحانك ربي ما أعظمك !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي