التأمل المفيد – ١٧٢

التأمل المفيد (١٧٢)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الثامنة والثلاثون].

نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة : ١٨٧] !!

الآية الكريمة تدل على علم الله تعالى؛ الواسع الذي أحاط بكل شيء !! من ذلك علمه سبحانه بما يدور داخل كل بيت من بيوت البشرية كلها؛ من تعاملات ظاهرة وباطنة !!
نزلت الآية الكريمة لتخبرنا عن علم الله تعالى بما كان يدور في بيوت بعض الصحابة رضوان الله عليهم: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ}، ثم تاب عليهم وعفا عنهم سبحانه: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} !!

ولنا مع الآية الكريمة وقفتان:

الوقفة الأولى: فرحة كبيرة غامرة تغشى نفس المسلم حين يعود من المسجد إلى بيته، موقنا أن ربه الرحمن الرحيم الذي سجد له وركع في المسجد؛ لا يزال معه في بيته؛ بعلمه سبحانه !!
إن من يحظى بإله عظيم جواد كريم -يكون مع الإنسان -بعلمه سبحانه- في كل مكان وعلى أي حال؛ في المسجد والبيت والسوق وفي مكان عمله- فإنه يحظى بأكبر النعم !!

ولتقريب هذه النِعمة العظيمة -وهي أن الله تعالى معنا بعلمه أينما نكون- أقول:
لو أن موظفا حظي برعاية من مديره؛ بالسؤال عنه مرة في الشهر؛ خارج الدوام؛ ليطمئن على أحواله في بيته، وهل هو سعيد، أم أن هناك ما يكدر عليه صفو الحياة ؟! لا شك أن هذا الموظف سيرى في مديره الإحسان والطِيب والرحمة؛ لسؤاله عنه والاطمئنان عليه، حتى ولو كان ذلك السؤال مرة في الشهر فقط !!

ولله المثل الأعلى: فكيف بالله تعالى خالقنا -من له الأسماء الحسنى والصفات العلا- الذي يعلم جميع أحوالنا، وهو سبحانه معنا بعلمه أينما نكون، ليلا ونهارا ؟؟!! بل وينزل سبحانه كل ليلة -نزولا يليق بجلاله- قال صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، حتى ينفجر الفجر)[متفق عليه] !! كما أنه هو سبحانه من يحفظنا بالليل والنهار، قال تعالى: {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَٰنِ} [الأنبياء : ٤٢] !!

لذلك كم هو جميل ومهم -ونحن موجودون في بيوتنا ليلا ونهارا- في ظل الظروف الراهنة، بسبب جائحة كورونا -نسأل الله تعالى أن يكشفها- أن نذكِّر أنفسنا وأهلينا بهذه النعمة العظيمة؛ عِلم الله تعالى بما نقول ونفعل داخل بيوتنا !! وأن يكون مدخلنا في هذا التذكير؛ تدارس أسماء الله الحسنى !! لعل الله تعالى أن يرزقنا خشيته وذكره آناء الليل وأطراف النهار !!

الوقفة الثانية: وهي وقفة أبدأها بسؤال: ما هو الناتج الطبيعي للأُسر المسلمة؛ التي أيقنت من قوله تعالى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ}؛ أن الله تعالى يعلم ما يقع داخل بيوتها من تعاملات؛ ظاهرة وباطنة؛ فانقادت إلى منهج الله تعالى الذي ارتضاه لها ؟؟!!
الجواب: الناتج بلا ريب؛ هو مجتمعات صالحة؛ لاحتوائها هذه الأُسر المطمئنة !!

وأخيرا: فهذه خاتمة لابد منها:
إن مجتمعات المسلمين الصالحة -بأُسَرِها المطمئنة- تشكل أعظم دعوة لغير المسلمين إلى دين الإسلام العظيم، وشريعته الغراء؛ التي نظمت شؤون الحياة كلها، ومنها حياة الأسرة !! خاصة في هذا العصر الذي شقي فيه غير المسلمين، وتفككت أُسرهم؛ لعدم إيمانهم بالإله الحق؛ الله رب العالمين، فحكّموا أهواءهم داخل بيوتهم، بدلا من شريعة ربهم العليم الحكيم !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ١٧١

التأمل المفيد (١٧١)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة السابعة والثلاثون].

نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب : ٣٥] !!

نقف مع هذه الآية الكريمة متأملين ومتدبرين:

عدّدت الآية الكريمة من سورة الأحزاب أوصافا عظيمة لعباد الرحمن؛ يحبها الله تعالى، ويرضاها منهم !! ابتدأ سبحانه هذه الصفات بالإسلام -{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ}- لتكون الصفة الأساس لقبول باقي الصفات !!
هذه الأوصاف تحمل في طياتها بشائر عظيمة لأصحابها !! فدعونا نقف وقفات مع هذه البشائر:

البشارة الأولى: أن من يتصف بهذه الأوصاف العظيمة التي وردت في آية سورة الأحزاب؛ دليل على علو علمه بالله تعالى وبأسمائه الحسنى !!
مثال: لو أخذنا صفة الخشوع فقط -التي وردت في الآية: {وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ}- فإنها تدل على معرفة العبد -الخاشع- برقابة الله تعالى له؛ لعلمه أن الله تعالى رقيب، سميع، بصير، عليم، شهيد، حفيظ، قريب، حسيب، مهيمن، خبير، ومحيط !!
فكيف عساه يكون علم العبد المؤمن بأسماء الله الحسنى؛ إذا اتصف بجميع الصفات التي وردت في آية سورة الأحزاب ؟؟!!

البشارة الثانية: أن من يتصف بهذه الأوصاف العظيمة التي وردت في آية سورة الأحزاب؛ يكون من أحسن الناس أخلاقا؛ لصدقه وصبره وصدقاته وحفظه لفرجه، وكل هذه الصفات ذكرها الله تعالى في آية سورة الأحزاب !!
وحُسن الخلق من أعظم ما يثقل ميزان المؤمن يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ شَيءٍ أَثْقَلُ في ميزَانِ المُؤمِنِ يَومَ القِيامة مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ) صححه الألباني [صحيح الترغيب (٢٦٤١)] !!

البشارة الثالثة: أن من يتصف بهذه الأوصاف العظيمة التي وردت في آية سورة الأحزاب؛ يكون من الذاكرين الله كثيرا !!
والذكر منزلته عالية !! وقد أوصى به صلى الله عليه وسلم السائل الذي سأله عن أمر يتشبت به، فقال له: (لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله)صححه الألباني [صحيح الجامع (٧٧٠٠)] !! كما أن الفرق بين من يذكر الله تعالى ومن لا يذكره؛ كالفرق بين الحي والميت .. كما بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم !! [متفق عليه]

البشارة الرابعة: أن من يتصف بهذه الأوصاف العظيمة التي وردت في آية سورة الأحزاب؛ قد حاز على تزكية الله تعالى له، حيث وعده الله تعالى في آخر الآية بمغفرة ذنبه، وجزيل ثوابه، قال تعالى: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} !!

وأخيرا: فإن شهر رمضان المبارك -شهر القرآن- فرصة عظيمة للوقوف على مزيد من حديث القرآن الكريم عن كل صفة من الصفات التي وردت موجزة في آية سورة الأحزاب !! وهذا ممّا يعين المسلم على تعزيز معاني هذه الأوصاف في قلبه، وفي عمل جوارحه !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي
أنشر .. تؤجر ..

التأمل المفيد – ١٧٠

التأمل المفيد (١٧٠)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة السادسة والثلاثون].

نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى في سورة الأنعام: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [الأنعام : ٧٣] !!

نقف مع هذه الآية الكريمة متأملين ومتدبرين:

آية واحدة من كتاب الله تعالى من سورة الأنعام؛ يتكلم الله تعالى فيها عن نفسه العلية من خلال أربعة موضوعات جليلة وعظيمة:

الموضوع الأول: مع قوله تعالى في صدر الآية: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} !! لابد أن يعرف الناس أجمعون الحق الذي من أجله خلق الله تعالى السماوات والأرض !! فالله تعالى ما خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [ص : ٢٧] !!
وقد بين لنا سبحانه في آية سورة الأنعام -التي هي موضوع التأمل في هذا المقال- بعضا من الحق الذي من أجله خلق السماوات والأرض؛ والذي سيأتي بيانه في باقي موضوعات الآية !!

الموضوع الثاني: مع قوله تعالى في آية سورة الأنعام: {وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّۚ} !! لابد أن يعرف الناس أجمعون أن الذي خلق السماوات والأرض بالحق سيقيم القيامة بقولة كن فتكون؛ ليجازي الخلق على أعمالهم، قال تعالى: {وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الجاثية : ٢٢] !!
وقيام الساعة أمر جلل وعظيم، قال تعالى: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج : ٢]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا ۚ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان : ٣٣] !! فلا ينبغي لمسلم أن يخاف ويخشى أمرا أكثر من خوفه وخشيته من قيام الساعة !!

الموضوع الثالث: مع قوله تعالى في آية سورة الأنعام: {وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ} !! لابد أن يعرف الناس أجمعون أن الذي خلق السماوات والأرض بالحق، ويقيم القيامة؛ سيبعث من في القبور، فهو سبحانه له الملك كله، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} [الروم : ٨] !!
وأعظم ما يحبه المؤمنون قبل حلول الموتة الأولى في هذه الدنيا؛ لقاء الله تعالى بعد بعثهم من القبور، قال صلى الله عليه وسلم: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه) [رواه مسلم (٢٦٨٥)] !!

الموضوع الرابع: مع قوله تعالى في آية سورة الأنعام: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} !! لابد أن يعرف الناس أجمعون أن الذي خلق السماوات والأرض بالحق؛ له أسماء حسنى وصفات علا، منها ما ذكره الله تعالى في آية سورة الأنعام؛ أنه الحق؛ مالك الملك؛ عالم الغيب والشهادة؛ الحكيم الخبير !!
وقد ذكر تعالى أن له أسماء حسنى في أربعة مواضع في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ} [طه : ٨]، هذه الأسماء الحسنى مبثوثة في كتاب الله تعالى، وبعضها ثابت بأحاديث في السنة المطهرة !!

وهكذا: تضمنت آية كريمة واحدة: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}، تضمنت الحديث عن الدنيا والآخرة؛ وربهما؛ الحق؛ مالك الملك؛ عالم الغيب والشهادة؛ الحكيم الخبير !! فكيف بقراءة القرآن كاملا ؟؟!!

اللهم بلغنا شهر رمضان؛ شهر القرآن، وأعنا على صيامه وقيامه !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقهم – في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ١٦٩

التأمل المفيد (١٦٩)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الخامسة والثلاثون].

نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [النساء : ١٦٣] !!

مع قرب حلول شهر القرآن؛ شهر رمضان المبارك -بلغنا الله جميعا إياه- نقف وقفات مع الآية الكريمة التي تتكلم عن وحي الله تعالى لأنبيائه عليهم الصلاة والسلام:

الوقفة الأولى: أوحى الله تعالى إلى الأنبياء عليهم السلام من الوحي ما أوحى !! وأوحى إلى خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام؛ القرآن الكريم !! فالحمدلله أن لدينا نحن أهل الإسلام القرآن الكريم؛ وحيا من رب العالمين؛ ذِكرا محفوظا؛ كما أُنِزل على الرسول صلى الله عليه وسلم !! وأن مِلل ونِحل الأرض كلها؛ من يهودية ونصرانية وهندوسية وغيرهم -سوى أهل الإسلام- لا يملكون كلاما من خالقهم؛ الله رب العالمين .. لا يملكون سوى كتبا محرفة؛ خطها البشر !!

الوقفة الثانية: عند تلاوة القرآن الكريم علينا أن نتذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبكي وهو يتلو وحي ربه، عن مُطرِّف بن عبدالله بن الشخير عن أبيه رضي الله عنه قال: “رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلِّي وفي صدره أزيزٌ كأزيز المِرجَل من البكاء” !! يبكي صلى الله عليه وسلم لأنه يتلو ما أُوحي إليه؛ كلام رب العالمين !! صحّحه الألباني [صحيح الترغيب (٣٣٢٩)]!!
وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم عند تلاوتهم للقرآن، قالت عائشة رضي الله عنها: (لَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَتَاهُ بِلاَلٌ يُوذِنُهُ بِالصَّلاَةِ ، فَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ ، قُلْتُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ إِنْ يَقُمْ مَقَامَكَ يَبْكِي ، فَلاَ يَقْدِرُ عَلَى القِرَاءَةِ )[متفق عليه] !!

الوقفة الثالثة: وأمّا عند سماعنا لهذا الوحي؛ القرآن الكريم؛ فعلينا أن نتذكر ما أوحى به ربنا تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، عن الحالة التي ينبغي أن يكون عليها المسلم في حال السماع، قال تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف : ٢٠٤] !! كذلك علينا تذكر كيف كان حال الرسول صلى الله عليه وسلم عند سماعه وحي ربنا تعالى يُتلى عليه !! عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قالَ لي النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (اقْرَأْ عَلَيَّ قُلتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قالَ: فإنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمعهُ مِن غيرِي فَقَرَأْتُ عليه سُورَةَ النِّسَاءِ، حتَّى بَلَغْتُ: {فَكيفَ إذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بشَهِيدٍ وجِئْنَا بكَ علَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} قالَ: أمْسِكْ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ.) [رواه البخاري (٤٥٨٢)]!!
وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم عند سماعهم للقرآن الكريم .. فهذا عمر الفاروق رضي الله عنه خرج يعس المدينة ذات ليلة، فمر بدار رجل من المسلمين، فوافقه قائما يصلي، فوقف يستمع قراءته فقرأ: {وَالطُّورِ} حتى بلغ: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ • مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ}، قال: قسم -ورب الكعبة- حق . فنزل عن حماره واستند إلى حائط، فمكث مليا، ثم رجع إلى منزله، فمكث شهرا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه رضي الله عنه [تفسير ابن كثير (٤٣٠/٧)] !!

الوقفة الرابعة: ومن التعظيم الذي جعله الله تعالى لوحيه؛ أن جميع الأنبياء عليهم السلام كانوا يسجدون عند سماعهم تلاوة وحي الله تعالى، قال تعالى: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۩} [مريم : ٥٨] !!
وهكذا سن لنا صلى الله عليه وسلم أن نسجد عند تلاوة هذه الآية، وعند تلاوة غيرها من آيات سجود التلاوة [متفق عليه]!!

الوقفة الخامسة:: ليستشعر من يحفظ القرآن الكريم كاملا -وكذلك من يحفظ شيئا منه- أنه يحفظ من الوحي ما كان يحفظه سيد الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه وسلم !! وهذا وربي لهو من أعظم ما يتأسى به المسلم برسول الله صلى الله عليه وسلم؛حفظ -بعض أو كل- ما أوحى به ربنا إليه صلى الله عليه وسلم في الصدور، والعمل به !!

وأخيرا: لأن الله تعالى له الأسماء الحسنى والصفات العلى، ومنها -الأسماء والصفات التي تبين عظيم كرمه وجوده- فقد أكرم سبحانه قارئ وحيه -القرآن الكريم- بكل حرف عشر حسنات، قال صلى الله عليه وسلم: (من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف ، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)صحّحه الألباني [السلسلة الصحيحة (٣٣٢٧)] !!

نسأل الله تعالى أن يرزقنا الأدب النبوي في التعامل مع وحيه سبحانه وتعالى؛ القرآن الكريم؛ في رمضان، وفي سائر الأوقات !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقهم – في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ١٦٨

التأمل المفيد (١٦٨)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الرابعة والثلاثون].

نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم : ٣٠]، قال أهل التفسير: “فأقم -أيها الرسول أنت ومن اتبعك- وجهك، واستمر على الدين الذي شرعه الله لك، وهو الإسلام الذي فطر الله الناس عليه، فبقاؤكم عليه، وتمسككم به، تمسك بفِطرة الله من الإيمان بالله وحده، لا تبديل لخلق الله ودينه، فهو الطريق المستقيم الموصل إلى رضا الله رب العالمين وجنته، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الذي أمرتك به -أيها الرسول- هو الدين الحق دون سواه.” !!

*نقف مع هذه الآية الكريمة متأملين ومتدبرين: *

تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي مشاركة بعض من غير المسلمين؛ المسلمين في سجودهم، أو التلفظ باسم الجلالة -الله- في دعائهم؛ أن يكشف غمة وباء كورونا عن الناس !!
ولذا أحببت أن أقف متأملاً في قول ربنا تبارك وتعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْق اللَّهِ}، وخاصة تفسير العلماء للفطرة بأنها الإسلام !!

لا شك أن كثيرًا من غير المسلمين -ومنهم الذين يستجيبون لنداء الفِطرة عند الأزمات- لا شك أنهم يجهلون موضوع الفِطرة التي فطرهم الله تعالى عليها، منذ مجيئهم إلى هذه الدنيا، قال صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفِطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)[متفق عليه]، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود يولد إلا وهو على المِلة)[رواه مسلم (٢٦٥٨)] !!

ولذلك من الأهمية بمكان أن ننتهز فرصة هذه الاستجابة من غير المسلمين لنداء الفِطرة؛ وننشر موضوع الفِطرة -من المنظور الإسلامي- بين الناس، مسلمهم وكافرهم !! لعل الله تعالى أن ينفع به المسلمين؛ فيوظفوه في دعوة أصحاب المِلل والنِحل الباطلة !!

ولتقريب الموضوع -وبيان ضلال وخسارة من خالف الفِطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها؛ وهي الإسلام، وانتحل نِحلة باطلة كاليهودية أو النصرانية أو البوذية أو الهندوسية أو غير ذلك من الملل الباطلة- لتقريب موضوع الفِطرة فإني أسوق هذا المثال:
السيارة التي فطرها صانعها لتسير إلى الأمام، تكاد -لو قُدِّر لها أن تنطق- أن تعترض على قائدها وتعاتبه إذا سار بها إلى الخلف لساعات طويلة !! تعترض عليه لأنه يخالف بذلك فِطرتها التي فطرها عليها صانعها؛ وهي أن تُقاد إلى الأمام، وأنها لا تسير إلى الخلف إلا للحاجة فقط !!

ولله المثل الأعلى؛ فكيف بمن يقود نفسه في طريق الضلال، خلافا لفِطرته التي فطره الله تعالى عليها؛ الإسلام ؟؟!! لا شك أنه يجلب لنفسه المقت من الله تعالى، والهلاك والخسران في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا} [فاطر : ٣٩] !!

وممّا يُعرض كذلك في موضوع الفِطرة -وهو أمر يتجلى فيه عدل الإسلام- أن أولاد الكفار الذي يموتون قبل البلوغ؛ أنهم يموتون على فطرة الإسلام، وأنهم لا يكونون مع أهلهم في النار، قال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى: “أما الخلاف في أولاد الكفار، أولاد اليهود والنصارى والكفار إذا ماتوا صغاراً، هل يكونون مع آبائهم في النار على أقوال أرجحها وأحسنها أنهم من أهل الجنة”[موقع الشيخ: https://2u.pw/TW2hj ] !!

إن انتهاز الفرصة، ونشر موضوع الفِطرة -من المنظور الإسلامي- بين الناس في هذه الأزمة، مع بيان محاسن الإسلام؛ التي تتجاوب معها الفِطَر السليمة؛ فيه خير كبير لدعوة غير المسلمين إلى دين الله تعالى القويم !! فالله تعالى هو رب العالمين، وهو رب الناس، كما قال تعالى ذلك في سورتي الفاتحة والنَّاس؛ أول وآخر سور القرآن الكريم، قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، وقال تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}، فالله سبحانه رب الناس أجمعين، ولم يقل تعالى أنه رب المؤمنين فقط !!

وأخيرا: فإن معرفة وإدراك موضوع الفِطرة؛ يدفع المسلم إلى عدم اليأس من دعوة أي أحد إلى الله تعالى -حتى لو كان المدعو من أبعد الناس عن الهدى- ثقة في أصل فِطرة المدعوين، سائلا الله تعالى -قبل ذلك وبعده- الهداية لهم !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ١٦٧

التأمل المفيد (١٦٧)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الثالثة والثلاثون].

نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ • فِي جَنَّاتٍ وَعُيُون} [الدخان : ٥١- ٥٢] !!

*نقف مع هاتين الآيتين الكريمتين متأملين ومتدبرين: *

في جنة الخلد؛ التي وعد الله المتقين؛ لا تجد ما يكدر الأمن؛ بكل أشكاله وألوانه، فهذا وعد الله تعالى لهم: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} !!

المنغصات هنا في هذه الدنيا فقط !! فها هو مرض كورونا أخذ -بقدر من الله تعالى- يسلب من الناس شيئا من أمنهم الصحي والاقتصادي، بل وحدّ حتى من اجتماعهم !! فظهرت الدنيا على حقيقتها؛ متاع الغرور، قال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران : ١٨٥]، قال أهل التفسير: “وما الحياة الدنيا إلا متعة زائلة، فلا تغترُّوا بها.” !! فكيف إذا ظهرت في هذه الدنيا المنغصات العظيمة؛ كانتشار الأوبئة المعدية، أوغيرها من المنغصات الكبيرة ؟!

فهيا بِنَا -أيها القارئ الكريم- نستعرض شيئا من أنواع وأشكال الأمن التي بسطها الله تعالى لعباده المتقين في جنات النعيم؛ في المقام الآمن، قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} [الدخان : ٥١]:

أمن في الاجتماع وحلاوته وأنسه، قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} [الحجر : ٤٧]، قال أهل التفسير: “ونزعنا ما في قلوبهم من حقد وعداوة، يعيشون في الجنة إخوانًا متحابين، يجلسون على أسرَّة عظيمة، تتقابل وجوههم تواصلا وتحاببًا، لا يصيبهم فيها تعب ولا إعياء، وهم باقون فيها أبدًا.” !!
كما يجتمع الذين آمنوا بذريتهم المؤمنة في جنات النعيم، قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطور : ٢١] !!
فلا مكان في جنة الخلد لمنغصات الدنيا كلها !!

وفي جنة الخلد؛ أمن في المأكل والمشرب، قال تعالى عن أهل الجنة: {يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ} [الدخان : ٥٥]، قال أهل التفسير؛ “يطلب هؤلاء المتقون في الجنة كل نوع من فواكه الجنة اشتهوه، آمنين من انقطاع ذلك عنهم وفنائه.” !! وقال تعالى: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ} [ص : ٥١]، وقال تعالى: {مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} [الرعد : ٣٥] !!
ومرة ثانية: لا مكان في جنة الخلد لمنغصات الدنيا كلها !!

وفي جنة الخلد؛ أمن صحي رباني -بسبب النشأة الأخرى التي ينشئهم الله تعالى فيها، قال تعالى: {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ} [النجم : ٤٧]- لا يحتاجون مع هذه النشأة حتى إلى إخراج فضلاتهم، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أهل الجنة: (لاَ يَبْصُقُونَ فِيهَا ، وَلاَ يَمْتَخِطُونَ ، وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ) [متفق عليه]!! وقال صلى الله عليه وسلم: (مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ يَنْعَمُ لا يَبْأَسُ)[رواه مسلم (٢٨٣٦)]، فلا يرى فيها بؤسا أبدا !!
ومرة أخرى: لا مكان في جنة الخلد لمنغصات الدنيا كلها !!

وفي جنة الخلد أمن فكري، فلا مجال لوسوسة الشيطان، ولا مجال لتزيينه الأعمال السيئة، حيث يُلقى بإبليس وجنده في نار جهنم خالدين فيها، قال تعالى: {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأعراف : ١٨] !! وبخلاف محاولات الشيطان صرف المؤمنين عن ذكر الله تعالى في هذه الدنيا !! فإن أهل الجنة يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ والتَّحْمِيدَ، قال صلى الله عليه وسلم: (يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ والتَّحْمِيدَ، كما تُلْهَمُونَ النَّفَسَ)[رواه مسلم (٢٨٣٥)]، فيا لها من لذة في العبادة سيكون عليها المؤمنون في جنات النعيم !!
ومرة رابعة: لا مكان في جنة الخلد لمنغصات الدنيا كلها !!

وأعظم أمن يناله أهل الجنة فيها؛ أن يأمن أهلها من سخط الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك فيقولون يا رب وأي شيء أفضل من ذلك فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا)[متفق عليه] !!

وأخيرا لنتمعن -كلما مرت بِنَا منغصات هذه الدنيا- في قول أهل الجنة -كما حكى الله تعالى عنهم-: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ • الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوب} [فاطر : ٣٤-٣٥] !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ١٦٦

التأمل المفيد (١٦٦)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الثانية والثلاثون].

نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل : ٥٣]، قال أهل التفسير: “وما بكم مِن نِعمةِ هدايةٍ، أو صحة جسم، وسَعَة رزقٍ وولد، وغير ذلك، فمِنَ الله وحده، فهو المُنْعِم بها عليكم، ثم إذا نزل بكم السقم والبلاء والقحط فإلى الله وحده تَضِجُّون بالدعاء.” !!

*نقف مع هذه الآية الكريمة متأملين ومتدبرين: *

مع تفشي مرض كورونا في كثير من دول العالم !! أخذ المسلمون يلهجون بالدعاء إلى الله تعالى أن يكشف هذه الغمة !! كما لهج غير المسلمين بالدعاء إلى الله تعالى بكشف الغمة، قال تعالى عن المشركين: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت : ٦٥] !!

في هذه الظروف الصعبة؛ يقف المسلم متأملا في الآية الكريمة: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}، حيث قدمت الآية الكريمة ذِكر النِعم على ذكر الضُر !! ذلك أن نِعم الله تعالى علينا؛ في السراء والضراء لا تعد ولا تحصى، قال تعالى: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل : ١٨] !!
ولذلك من تعرّف إلى الله تعالى في الرخاء بطاعته وشكر نعمه -وما أكثر نِعم الله تعالى علينا في السراء- عرفه الله تعالى في أوقات الشدة؛ بحب الله تعالى لهذا العبد الشاكر لنِعم الله تعالى عليه، وبتوفيقه لعمل الصالحات، وحفظ الله تعالى له من المكاره !! قال صلى الله عليه وسلم: (تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) [صحيح الجامع (٢٩٦١)].!!

كذلك لم يقتصر القرآن الكريم على حث المسلم على التفكر في نِعم الله تعالى -كما في الآية الكريمة: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ۖ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد : ٣]- بل زاد ووجهه على الحديث عنها، قال تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى : ١١]، قال أهل التفسير: “وأما بِنِعمة ربك التي أسبغها عليك فتحدث بها.” !!

ندرك مما سبق بيانه ضرورة التحدث بِنِعم الله تعالى علينا في كل وقت؛ في السراء والضراء، وليس في الضراء فقط !! وأن نتعلم من سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم كيفية الحديث عن هذه النِعم !!

وأول وأكبر نِعمة أنعم الله تعالى بها علينا هي نِعمة الإسلام، قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة : ٣] !! وقد سن لنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أن نلهج بذكر نِعمة الإسلام خمس مرات في اليوم والليلة، على أقل تقدير، في السراء والضراء؛ بقولنا -بعد نطق المؤذن بالشهادتين- (رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا)[رواه مسلم (١٣)] !!
ومن حديثه صلى الله عليه وسلم عن نِعمة الإسلام في وقت الشدة؛ قوله صلى الله عليه وسلم عند لقاء العدو يوم الأحزاب: (اللهم لولا أنت ما اهتدينا .. ولا تصدقنا ولا صلينا)[متفق عليه] !!

كذلك من النِعم العظيمة التي أحسسنا بها في هذه الظروف الصعبة؛ نعمة العافية، والحرية في الذهاب والإياب !! وقد سن لنا صلى الله عليه وسلم أن نسأل الله تعالى هذه النِعمة في الصباح والمساء، في السراء والضراء، قال صلى الله عليه وسلم: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ استُرْ عَوْرَاتي، وآمِنْ رَوْعَاتي، اللَّهمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَينِ يَدَيَّ، ومِنْ خَلْفي، وَعن يَميني، وعن شِمالي، ومِن فَوْقِي، وأعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحتي) [صحيح الترغيب (٦٥٩)].!!

وأخيرا: حري بالمسلم أن يتتبع نِعم ربه تعالى عليه؛ في السراء والضراء، ويتتبع ما قاله صلى الله عليه وسلم في شكر الواهب لها سبحانه !!
اللهم اجعلنا من الذاكرين لنعمائك، الشاكرين لآلائك !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ١٦٥

التأمل المفيد (١٦٥)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الحادية والثلاثون].

نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} [الرعد : ٣١] !!

*نقف مع هذه الآية الكريمة متأملين ومتدبرين: *

هذه الآية الكريمة: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا}، ومثلها كثير في كتاب الله تعالى؛ عُنيت بتعظيم كلام ربنا العلي العظيم، قال أهل التفسير في تفسيرها: “ولو أن ثمة قرآنًا يُقرأ، فتزول به الجبال عن أماكنها، أو تتشقق به الأرض أنهارًا، أو يحيا به الموتى وتُكَلَّم -كما طلبوا منك- لكان هذا القرآن” !! يالله ! كم هو عظيم كلام ربنا تعالى !!
كذلك من الآيات التي عظّم فيها ربنا تعالى كلامه؛ قوله تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر : ٢١] !!

فدعونا -خاصة مع قرب حلول شهر رمضان المبارك؛ شهر القرآن- نقف بعض الوقفات في تعظيم كلام ربنا؛ بِما شُرِع لنا من تعظيم:

الوقفة الأولى: ماذا يعني أننا سنختم القرآن الكريم ؟!
ختمنا للقرآن الكريم يعني أننا مقبلون على قراءة (٦٢٣٦ آية كريمة)؛ هو مجموع ما نزل منجما؛ مفرقا من كلام رب العالمين؛ على قلب سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم، طوال ثلاث وعشرين سنة !! قال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى: “القرآن الكريم نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم منجمًا على حسب الحاجة والأسباب، وكان أول ما نزل سورة (اقرأ) في ليلة القدر، فصدق على ذلك أنه أنزل في ليلة القدر وأنه أنزل في رمضان؛ لأن أوله نزل في ليلة القدر في رمضان .” [موقع الشيخ ابن باز] !!
إننا نستعرض بختمنا للقرآن الكريم أحداث ثلاث وعشرين سنة؛ هي عمر رسالة المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ التي أعادت للبشرية التوحيد الخالص لله رب العالمين !!
ولا يزال المسلمون يستقون بتلاوتهم لكلام ربهم؛ من توحيد المصطفى صلى الله عليه وسلم لربه تعالى؛ ما ينير لهم الطريق إلى مرضاة خالقهم، وخالق الناس أجمعين !!

الوقفة الثانية: لا نغفل -ونحن نتلو (٦٢٣٦ آية كريمة) في شهر رمضان الكريم، أو في غيره من الشهور- لا نغفل عن قوله تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودً} [يونس : ٦١] !! لا نغفل عن شهود الله تعالى لنا واطلاعه علينا؛ ونحن نتلو كلامه سبحانه وتعالى !! فلنرِ الله تعالى إجلالنا وتقديسنا لكلامه، وحضور قلوبنا عند التلاوة !! فهو كلام رب الأرباب، وملك الملوك؛ ذي الأسماء الحسنى والصفات العلا !!

*الوقفة الثالثة: لنتأسى -ونحن نتلوا (٦٢٣٦ آية كريمة) في شهر رمضان الكريم، أو في غيره من الشهور- لنتأسى بسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم في تعظيمه للقرآن الكريم؛ سواء عند تلاوته !! فقد كانت تلاوته ترسلا؛ متأنيا فيها !! وبالتمسك به، فقد كان خلقه -صلى الله عليه وسلم- القرآن، كما قالت عائشة رضي الله عنها [صحيح الجامع (٤٨١١)] !! *
وليبك على نفسه من يتلو (٦٢٣٦ آية كريمة) ولا يتغير نحو الأفضل !! يقول ابن مسعود رضي الله عنه ” إذا سمعت يا أيها الذين آمنوا فأصغ لها سمعك إما خيراً تُؤمر به أو شراً تُنهى عنه ” [تفسير ابن كثير (1/ 374)]!!

الوقفة الأخيرة: لا نغفل -ونحن نتلو (٦٢٣٦ آية كريمة) في شهر رمضان الكريم، أو في غيره من الشهور- لا نغفل عن الإلحاح على الله تعالى بالدعاء النبوي الخاص بالقرآن العظيم؛ (اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي) [السلسلة الصحيحة (١٩٩)] !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ١٦٤

التأمل المفيد (١٦٤)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الثلاثون].

نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ • إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّة} [البينة : ٦-٧]، قال أهل التفسير: “إن الذين كفروا من اليهود والنصارى والمشركين عقابهم نار جهنم خالدين فيها، أولئك هم أشد الخليقة شرا !! إن الذين صَدَّقوا الله واتبعوا رسوله وعملوا الصالحات، أولئك هم خير الخلق.” !!

*نقف مع هاتين الآيتين الكريمتين متأملين ومتدبرين: *

أن يضع البشر لأنفسهم معيارا للتقدم أو التأخر الاقتصادي؛ يُعرف به تقدم أو تأخر الفرد أو المجتمع اقتصاديا؛ فهذا أمر لا بأس به !!
وكذلك لو وضع البشر معيارا للتقدم أو التأخر في مجال الطب، أو الهندسة، أو التسليح، أو غيرها من مجالات العلوم المادية؛ فلا بأس بذلك أيضا !!

أمّا تقدم الفرد أو المجتمع في الخيرية، أو انحدارهم نحو الشر؛ فهذا أمر جلل؛ قد تولاه ووضع معياره وميزانه الله العليم الحكيم !!

لقد أكثر القرآن الكريم وأفاض من ذكر المعيار الذي وضعه الله تعالى للبشر لمعرفة مدى رقيهم أو تدنيهم في الخيرية في هذه الدنيا وفي الآخرة !! وقد اخترت الآيتين الكريمتين من سورة البينة لبيان هذا المعيار، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ • إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّة} !!
حكم سبحانه في الآية الأولى على غير المسلمين أنهم شر الخليقة؛ لكفرهم بالله العظيم، وتمردهم على منهجه القويم !! كما حكم سبحانه في الآية الثانية على المؤمنين الذين يعملون الصالحات أنهم خير الخليقة؛ لإيمانهم بالله العظيم، واستقامتهم على منهجه القويم !!

ويكفي أن نعلم أن الله تعالى سيجازي غير المسلمين بالخلود في النار؛ لنستيقن أنهم شر الخليقة وأشدها ارتدادا إلى أسفل سافلين، قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا • خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [الأحزاب : ٦٤-٦٥]، قال أهل التفسير: “إن الله طرد الكافرين من رحمته في الدنيا والآخرة، وأعدَّ لهم في الآخرة نارًا موقدة شديدة الحرارة ، ماكثين فيها أبدًا، لا يجدون وليًّا يتولاهم ويدافع عنهم، ولا نصيرًا ينصرهم، فيخرجهم من النار.” !!

وحين يزن المسلم خيرية الأفراد أو المجتمعات -في الدنيا وفي الآخرة- بهذا الميزان الرباني الذي بينته آيتا سورة البينة؛ فإن الرحمة ستفيض من قلبه؛ في شكل دعوة صادقة لغير المسلمين؛ الذين سلكوا مسلكا ينافي الخيرية؛ ويشقيهم في دنياهم وآخرتهم !!

إن هذا الميزان الرباني في معرفة الخيرية من عدمها لدى الأفراد والمجتمعات؛ يعالج ما وقع في نفوس بعض المسلمين من انبهار شديد بالحضارة المادية المعاصرة !! يعالجه ليصبح الموقف الصحيح من هذه الحضارة: أخذ واقتباس ما ينفع منها !! مع الدعوة الصادقة الجادة لأصحاب هذه الحضارة؛ لإنقاذهم من عذاب جهنم من جهة، ومن جهة أخرى العمل على دلالتهم إلى الحياةالطيبة في هذه الدنيا إن هم استقاموا على دين الله تعالى ومنهجه القويم، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل : ٩٧] !!

هذا وإن من أدبيات دعوتنا لغير المسلمين؛ أن نصبر على أذاهم ونعفو عنهم، حتى مع كونهم شر الخليقة، قال تعالى: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الزخرف : ٨٩]، قال أهل التفسير: “فاصفح -أيها الرسول- عنهم، وأعرض عن أذاهم، ولا يَبْدُر منك إلا السلام لهم الذي يقوله أولو الألباب والبصائر للجاهلين، فهم لا يسافهونهم ولا يعاملونهم بمثل أعمالهم السيئة، فسوف يعلمون ما يلقَوْنه من البلاء والنكال. وفي هذا تهديد ووعيد شديد لهؤلاء الكافرين المعاندين وأمثالهم.” !!

وأخيرا: فإن صِدق الأمة المسلمة في خيريتها -المشروطة بعمل الصالحات- يعني نهضتها في كافة المجالات !! ولن يبقوا متخلفين عن غيرهم في الصناعة وغيرها !! تماما كما حصل لصدر هذه الأمة؛ الذين ارتقوا من القلة والضعف؛ إلى العزة والتمكين !! بل هو وعد من الله تعالى لكل من اعتز به سبحانه؛ على مدار تاريخ الأمة الإسلامية المديد، قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر : ١٠]، قال أهل التفسير: “من كان يطلب عزة في الدنيا أو الآخرة فليطلبها من الله، ولا تُنال إلا بطاعته، فلله العزة جميعًا” !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ١٦٣

التأمل المفيد (١٦٣)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة التاسعة والعشرون].

نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} [هود : ٥٣]، قال أهل التفسير: “قالوا: يا هود ما جئتنا بحجة واضحة على صحة ما تدعونا إليه، وما نحن بتاركي آلهتنا التي نعبدها من أجل قولك، وما نحن بمصدِّقين لك فيما تدَّعيه.” !!

*نقف مع هذه الآية الكريمة متأملين ومتدبرين: *

إنها الحجة الواهية التي رفعها قوم هود، والتي يرفعها غير المسلمين في كل عصر؛ إذا ما دُعُوا للإيمان بالله تعالى؛ واتباع نهجه القويم: {قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَة} !!

أي بينة -يريد غير المسلمين في هذا العصر- أكبر من آيات القرآن الكريم التي تكلمت عن بينات لا تعد ولا تحصى، وليس عن بينة واحدة ؟! وصدق الله القائل: {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ} [البقرة : ٩٩]، والقائل سبحانه: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} [الجاثية : ٦]، والقائل سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ • إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النحل : ١٠٤-١٠٥] !!

سأختار في هذا المقال أسلوبا عظيما مؤثرا من بين أساليب القرآن الكريم الكثيرة المؤثرة في الحديث عن البينات التي يخاطب الله تعالى بها المكذبين به سبحانه !! وساستشف هذا الأسلوب القرآني من قوله تعالى: {أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} [الواقعة : ٥٩] !! فأقول -بعد توفيق الله تعالى- عن بعض البينات التي ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم:

هل رفع المكذبون بالله تعالى سبعا شِدَادًا بلا عمد؟! هل زينوها بالكواكب والنجوم؟! هل أضاءوا الأرض بشمس وقمر؟! هل لهم يد في اختلاف الليل والنهار؛ وتوالي الفصول؟!

هل يعيش المكذبون بالله تعالى على كوكب هم أوجدوه؟! أم يتنفسون هواء هم أنتجوه؟! أم يأكلون نباتا من الأرض هم أخرجوه؟! أم يشربون ماء هم أنزلوه؟!

هل خلق المكذبون بالله تعالى أنفسهم؟! هل خلقوا أزواجهم وأولادهم وأحفادهم؟! هل خلقوا الأنعام والطير والحوت ؟! هل خلقوا النحل وعسله؟! هل خلقوا باقي الطيبات؟!

من جعل للمكذبين بالله تعالى ليلا فيه ينامون، ونهارا فيه ينتشرون؟! من جعل لهم لسانا به يتكلمون، وأعينا بها يبصرون، وآذانا بها يسمعون؟!

هل بيد المكذبين بالله تعالى الفرار من الموت؟! أم هل بيدهم إطالة الحياة؟! قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء : ٣٤] !!

وغير ذلك من البينات التي أشار إليها القرآن الكريم؛ وهي كثير !!

وأخيرا: لا يوجد موضوع حُشِد له من الأدلة والبينات المقروءة والمشهودة مثل الإيمان بالله تعالى !! ولا يوجد موضوع أسهل من أن يقتنع الناس به ويعتقدونه مثل الإيمان بالله تعالى !! وصدق الله القائل سبحانه عن المكذبين: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج : ٤٦]، والقائل سبحانه: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل : ١٤] !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي