التأمل المفيد – ٢٠٩

التأمل المفيد (٢٠٩)

الحلقة السادسة عشرة من سلسلة الجنة والكعبة .. وتذكير الحجر الأسود لنا بالجنة -كونه منها- مرات عديدة يوميا؛ كلما اتجهنا إلى القبلة؛ في صلاة وغيرها مما شرع لنا ربنا استقبال القبلة له !!!

قال الله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} [التحريم : ١١] !!

يتمنى كثير من المسلمين أن يمتلك بيتا في هذه الدنيا؛ ليضع عن كاهله كابوس رسوم الإيجار التي تقض مضجعه وتؤرقه وتشغله بالتفكير ليلا ونهارا !!
وبعضهم إذا تملك دارا؛ أخذت نفسه تتوق لامتلاك آخر؛ أوسع وأرحب .. وهذا كله مشروع ومحمود، قال صلى الله عليه وسلم: (أربعٌ من السعادة: المرأةُ الصالحة، والمسكنُ الواسِع، والجارُ الصالح، والمَرْكَب الهنيء)[صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٨٢)] !!

لكن الأهم من ذلك؛ سؤال الله تعالى بإلحاح بأن يكرمه بيتا في الجنة؛ كما قالت امرأة فرعون رضي الله عنها -{رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ}- فلم تنسها لذة الإيمان بالله تعالى؛ قصور فرعون فقط، بل أنستها حتى شدة تعذيب فرعون لها، وصار حلمها الكبير بيت في الجنة !!

وبما أن الحياة في هذا العصر قد غلب عليها الجانب المادي -حتى صار البعض من المسلمين لا يذكر الجنة إلا إذا ذُكِّر بها- فالسؤال الذي يطرح نفسه: كم من المفروض أن تشغل الجنة من حيز تفكيرنا اليومي ؟!

الجواب: التفكير في الجنة والعمل لها يجب أن يتناسب مع عظمة جنة الخلد بالنسبة للدنيا الفانية !!
هذا وإن أعظم من يبين لنا هذا التناسب بين الدنيا وجنة الخلد هو ربنا سبحانه وتعالى ورسولنا صلى الله عليه وسلم !!

قال الله تعالى مخاطبا الصحابة رضوان الله عليهم: {أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة : ٣٨]، ومع أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم تفتح عليهم الدنيا كما هي عليه في هذا العصر، إلا أن بيان حقيقة الدنيا وأنها متاع قليل زائل، وأن متاع الآخرة كثير دائم؛ كان لابد وأن يُرسّخ في نفوسهم رضوان الله تعالى عليهم !!

وأمّا السُنّة فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لَوْ كَانَت الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّه جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْها شَرْبَةَ مَاءٍ) [صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٦٨٦)]، وبما أن الله تعالى أعطى غير المسلمين أكثر من شربة الماء؛ فهذا يدل على أن الدنيا لا تعدل عند الله تعالى حتى ولا جناح بعوضة !!

أخيرا: إن ممّا يعين المسلم -الذي يقوم بواجباته في هذه الدنيا تجاه نفسه وأهله ومجتمعه- ممّا يعينه على أن يديم إلحاحه على ربه ببيت في الجنة؛ ما سنه لنا رسول الهدى صلى الله عليه وسلم حيث قال: (مَن صلَّى اثنتَي عشرةَ ركعةً في يومٍ وليلةٍ؛ بُنِي له بهن بيتٌ في الجنة) [رواه مسلم (٧٢٨)]، فلا يفتأ المحافظ على السنن الرواتب يذكر أمنيته؛ بيتا في الجنة؛ كلما صلى سنة راتبة !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ٢٠٨

التأمل المفيد (٢٠٨)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الرابعة والسبعون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية : ١٣] !!
سبق الكلام في المقال السابق عن تسخير الدواب من الله تعالى للناس !! وأخصص هذا المقال عن تسخير الجمادات والنباتات وموجات الأثير -الموجات الكهرومغناطيسية- من الله تعالى للناس؛ وكيف تعامل الناس معها !!

الحديد معدن من مجموعة من المعادن؛ سخرها الله تعالى للناس، قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}[الحديد : ٢٥]؛ استخدمه الناس -مسلمون وغيرهم- فيما ينفعهم كصناعة المحركات، وأعمال البناء، وغير ذلك من الاستخدامات الكثيرة النافعة !! غير أن البعض من غير المسلمين خرج عن دائرة الاستخدامات النافعه للحديد؛ إلى استخدامات شركية؛ فصنعوا منه الأصنام؛ يعبدونها من دون الله تعالى، قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} [الفرقان : 3] !!

والأشجار التي سخرها الله تعالى للناس، كما قال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ} [يس : ٨٠]، وقال تعالى: {يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل : ١١]؛ استخدمها الناس -المسلمون وغيرهم- فيما ينفعهم كإنتاج الطاقة وصناعة الورق والأثاث وغير ذلك من الاستخدامات الكثيرة النافعة، غير أن البعض من غير المسلمين خرج عن دائرة الاستخدامات النافعه للأشجار؛ إلى استخدامات خاطئة؛ فصنعوا من أقمشة النباتات -كالقطن والكتان- أنواعا من الألبسة الخادشة للحياء، وقد بين الله تعالى أن من أهداف الشيطان الكبيرة تعرية البشرية من اللباس الساتر، قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا} [الأعراف : ٢٧] !!
وصنعوا من بعض الفواكه الخمور، قال صلى الله عليه وسلم: (اجتنِبوا الخمرَ؛ فإنَّها مِفتاحُ كلِّ شرٍّ) [السلسلة الصحيحة (٢٧٩٨)] !!

أما موجات الأثير التي سخرها الله تعالى للناس -وهي غير منظورة للعين المجردة، وداخلة في قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ • وَمَا لَا تُبْصِرُونَ} [الحاقة : ٣٨-٣٩]، قال الشيخ السعدي في تفسيرها: “أقسم تعالى بما يبصر الخلق من جميع الأشياء وما لا يبصرونه”- موجات الأثير استخدمها المسلمون وغيرهم فيما ينفعهم من التواصل الإيجابي ونشر الخير عن طريق المذياع والتلفاز والشبكة العنكبوتية !! غير أن البعض من غير المسلمين خرج عن دائرة الاستخدامات النافعه لموجات الأثير؛ إلى استخدامات خاطئة؛ كنشر المعتقدات الباطلة والإلحاد والإباحية وترويج الفساد !!

وأخيرا: فإن الناس لو أرادوا الإفادة المُثلى مما سخره الله تعالى لهم؛ ممّا خلق في السماوات والأرض -{وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ}- وأن يتجنبوا عواقب الاستخدام الخاطئ لها؛ فلا يكون ذلك إلا بالاستسلام لله تعالى والانقياد لشرعه؛ الذي أبان فيه الخبيث من الطيب، قال تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف : ١٥٧] !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ٢٠٧

التأمل المفيد (٢٠٧)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الثالثة والسبعون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام : ٣٨]، قال أهل التفسير: “ليس في الأرض حيوان يَدِبُّ على الأرض أو طائر يطير في السماء بجناحيه إلا جماعات متجانسة الخلق مثلكم. ما تركنا في اللوح المحفوظ شيئًا إلا أثبتناه، ثم إنهم إلى ربهم يحشرون يوم القيامة، فيحاسب الله كلا بما عمل.” !!

أبدع كثير من علماء الأحياء -خاصة من غير المسلمين- في إجراء دراسات وأبحاث تمتد بعضها إلى عشرات السنين؛ حول سلوكيات كثير من الدواب والطير وغيرها من المخلوقات، وكأنهم بهذه الدراسة يخلصون إلى ما سبق إليه القرآن الكريم من كون هذه المخلوقات من الدواب والطير؛ إنما هي أمم، قال تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم}، قال الشيخ السعدي: “كلها أمم أمثالكم خلقناها كما خلقناكم، ورزقناها كما رزقناكم، ونفذت فيها مشيئتنا وقدرتنا، كما كانت نافذة فيكم” [تفسير السعدي (٢٥٥)] !!

لكن ممّا تميز به أتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ أن الله تعالى الخالق العظيم أمدهم بالمعرفة الصحيحة التي يحتاجونها لتنظيم العلاقة بين الإنسان وبين مخلوقات الله الأخرى؛ من دواب وطير وغيرها !!
وقد اخترت أن أقف وقفة مهمة مع هذا الموضوع:

جعل الله تعالى العلاقة بيننا وبين أمة الدواب والطير؛ وكل ما في السماوات والأرض؛ علاقة التسخير -مسخرة لنا- قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية : ١٣] !!

وقد أدى غياب معرفة علاقة التسخير -التي بينها الله تعالى في كتابه- عند البعض من غير المسلمين إلى التطرف بعلاقة خاطئة مع الدواب، من ذلك:

* عبدها بعضهم من دون الله تعالى؛ كعُبّاد البقر، مع أن الله تعالى سخرها لهم، قال تعالى: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل : ٥] !!*

وبعضهم اقتنى الكلاب لتخالطه داخل بيته؛ بسبب الوحدة التي أفرزتها قيم مجتمعاتهم .. ونظموا لها مسابقات للجمال .. وورّث أحدهم كلبه .. وغير ذلك من السلوكيات الخاطئة، حتى ليظن الإنسان أنهم عكسوا الأمر، فبدلا من كونها مسخرة لهم؛ صاروا هم مسخرين لها !!
أمّا في الإسلام فقد أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتناء الكلب لثلاثة أمور، قال صلى الله عليه وسلم: (من اقتنى كلباً إلا كلب صيد أو ماشية أو زرع فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان) [رواه البخاري (٥٤٨١) ومسلم (١٥٧٤)]، ومن هذا الحديث الشريف يتبين سبق الإسلام إلى تدريب الكلاب البوليسية، ذلك أن كلاب حراسة الماشية وحماية الزرع تحتاج إلى تدريب لرد المعتدين من الذئاب ومن السُّراق من البشر !!
هذا وإن من أحط وأغرب ما حصل في هذا العصر عند نحو عشرة آلاف من غير المسلمين هو محاكاتهم الكلاب في مشيها ونباحها؛ مرتدين أقنعة وجوه الكلاب؛ وملابس تشبه جلود الكلاب، في ظاهرة أسموها بالكلاب البشرية !!

وبعضهم جعلوا العلاقة مع بعض الدواب علاقة وحشية؛ كمصارعة الثيران !!

وأخيرا: إن من أعظم ما فات غير المسلمين من معرفة ربانية عن أمم الدواب والطير وغيرها من المخلوقات؛ هو حشر الله تعالى لهذه الأمم يوم القيامة ليقضي بينهم، فيتعظ البشر بذلك أيما عظة، قال تعالى: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} [التكوير : ٥]، وقال صلى الله عليه وسلم: (يقضي الله بين خلقه الجن والإنس والبهائم ، وإنه ليقيد يومئذ الجماء من القرناء، حتى إذا لم يبق تبعة عند واحدة لأخرى قال الله: كونوا تراباً ، فعند ذلك يقول الكافر : {يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا}[صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٩٦٦)]، وروى أحمد بإسناد صحيح عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى شاتين تنتطحان، فقال: (يا أبا ذر، هل تدري فيم تنتطحان؟ قال: لا. قال: لكن الله يدري، وسيقضي بينهما)[مسند أحمد (٢١٤٣٨)]!!
قال الإمام الطبري -في تفسيره- لبيان عِظم العظة للمكذبين التي جاءت في قوله تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}: قال أبو جعفر: “يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المعرضين عنك، المكذبين بآيات الله: أيها القوم، لا تحسبُنَّ الله غافلا عما تعملون، أو أنه غير مجازيكم على ما تكسبون! وكيف يغفل عن أعمالكم، أو يترك مجازاتكم عليها، وهو غير غافل عن عمل شيء دبَّ على الأرض صغيرٍ أو كبيرٍ، ولا عمل طائر طار بجناحيه في الهواء”[تفسير الطبري (٣٤٤/١١)] !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ٢٠٦

التأمل المفيد (٢٠٦)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الثانية والسبعون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب : ٤٠] !!
لقوله تعالى: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}؛ وتفسيرها؛ قصة نقاش وقعت لداعية مسلم مع مسيحي في أمريكا، أذكرها للفائدة .. فقد وفق الله تعالى الداعية وقال له -مستحضرا في نفسه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (بعثت أنا والساعة كهاتين، ويشير بأصبعيه فيمدهما) [رواه البخاري (٦٥٠٣)]- قال له: مِن المنطق الصحيح أنه حتى تقوم القيامة؛ لابد من ختم الرسالات، وإلا لو استمر إرسال الرسل؛ فمتى تقوم الساعة ؟؟!!

وقال له أيضا -محاولا تبسيط الموضوع، وإقناعه بأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم هي الرسالة الخاتمة؛ التي ارتضاها الله تعالى للبشرية إلى قيام الساعة- ألسنا نكسو أولادنا أثوابا تناسب أعمارهم .. وكلما كبروا قليلا أبدلنا لهم الثوب بأكبر منه .. ثم ما يلبث أن يكبر الشاب الصغير حتى يبلغ سنا لا يحتاج بعده إلى مقاس أكبر من الثياب !!
ولله المثل الأعلى: قال له -وهو مستحضر في نفسه قول الله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}- هكذا هي البشرية، أرسل الله تعالى لهم رسلا وشرائع تناسب أزمانهم، نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وغيرهم كثير، حتى جاء الزمان الذي أنزل الله تعالى فيه كتابه الأخير على قلب خاتم النبيين -صلى الله عليه وسلم- للبشرية كلها، ولتكون رسالته صلى الله عليه وسلم صالحة لكل زمان ومكان حتى قيام الساعة !!

وأخيرا: آيتان متتاليتان في سورة الأعراف؛ تدلان على الرسالة الخاتمة والرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم:

الأولى: تبين ما تحمله كتب أهل الكتاب من بشارة بالنبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، كما تبين فلاح من اتبعه -صلى الله عليه وسلم- وعظَّمه ووقره ونصره، قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف : ١٥٧] !!

الثانية: تدعو الناس أجمعين -أهل كتاب وغيرهم- إلى الإيمان به صلى الله عليه وسلم وبرسالته الخاتمة، وأنه مرسل من الذي له ملك السماوات والأرض؛ الواحد الأحد؛ المحيي المميت سبحانه، قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف : ١٥٨] !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ٢٠٥

التأمل المفيد (٢٠٥)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الحادية والسبعون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر : ٤٧] !!

يقول الدكتور محمد نصحى إبراهيم عن استشراف المستقبل، في بحثه المعنون “نشأة الدراسات المستقبلية وتطورها”، يقول: استشراف المستقبل: “علم جديد يحاول وضع احتمالات محتملة الحدوث، كما يهتم بدراسة المتغيرات التي تؤدي إلى حدوث هذه الاحتمالات وتحقيقها، فعلم المستقبل يهدف إلى رسم صور تقريبية محتملة للمستقبل بقدر المستطاع.” !!

لكن الآية الكريمة التي نزلت قبل أربعة عشر قرنا، والتي هي مكان التأمل في هذا المقال، وخاصة قوله تعالى: {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ}، قال أهل التفسير: “وظهر لهم يومئذٍ من أمر الله وعذابه ما لم يكونوا يحتسبون في الدنيا أنه نازل بهم.” .. أشارت الآية الكريمة إلى أن الإنسان لابد أن يحسب حسابا للمستقبل !! وهذا يعني أن استشراف المستقبل أمر كبير في الإسلام، وليس علما جديدا !! وخاصة استشراف أهم وأعظم مستقبل: مستقبل الإنسان في آخرته؛ الذي هو موضوع سعادته في الدنيا والآخرة !!

الآية الكريمة تخاطب غير المسلمين .. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هو الخلل الكبير الذي أوقع غير المسلمين في هذا الفشل الذريع والخسران الفظيع والعذاب الأليم في الآخرة ؟؟!!

الجواب: الخلل؛ هو أنهم في الوقت الذي يجتهدون فيه -أفرادا ومجتمعات- لاستشراف مستقبل دنياهم؛ فيعقِدون وِرش العمل، ويقومون بالتحليل البيئي لرسم الخطط الاستراتيجية؛ لاستشراف مستقبل عشرات الموضوعات البيئية والاقتصادية والفكرية والأمنية والصحية وغيرها كثير -وهذا في الإسلام أمر مطلوب ومحمود ولا جدال فيه؛ بل هو من فروض الكفايات؛ التي لو لم يقم بها أهل الاختصاص لأثِم المسلمون جميعا- في الوقت الذي نجد فيه غير المسلمين يخططون لاستشراف مستقبل دنياهم؛ نجدهم لا يضعون في حساباتهم رضا الله تعالى ورجاء جنته؛ بتبني الحلال والنأي عن الحرام !!
وغير المسلمين داخلون معنا في ضروة الاستسلام لله تعالى، وطاعته سبحانه وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولذا سيتحسرون يوم القيامة -وهم في النار- على عدم طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب : ٦٦]، وهي الطاعة التي تعينهم على الاستشراف الصحيح لمستقبلهم الأخروي !!

وقد بين صلى الله عليه وسلم بُغض الله تعالى لمن يجتهد لدنياه ولا يستشرف ولا يحسب حسابا لآخرته، قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ كُلَّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ سَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ جِيفَةٍ بِاللَّيْلِ حِمَارٍ بِالنَّهَارِ عَالِمٍ بِأَمْرِ الدُّنْيَا جَاهِلٍ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ) [صحح إسناده شعيب الأرنؤوط في تخريج صحيح ابن حبان (٧٢)] !!
بل أدت لا مبالاة غير المسلمين باليوم الآخر وعدم استشرافهم له؛ إلى الشك فيه وعدم استيقانهم بوقوعه، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} [الجاثية : ٣٢] !!

وفي المقابل نجد أنفسنا نحن أهل الإسلام -أفرادا ومجتمعات- نستشرف مستقبلنا الأخروي، وتتوق نفوسنا إليه؛ من خلال اتباع نصوص الوحيين في التخطيط لكافة مجالات الحياة، ليجزينا سبحانه على هذا الاتباع -كما وعد- مستقبلا آمنا في جنات النعيم، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ • أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأحقاف : ١٣-١٤]، وقال صلى الله عليه وسلم فيما يدل على أهمية العمل للفوز مستقبلا بجنات النعيم: (من خاف أدلجَ ومَن أدلج بلغ المنزلَ ألا إن سلعةَ اللهِ غاليةٌ ألا إن سلعةَ اللهِ الجنةُ) [صححه الألباني في صحيح الترمذي (٢٤٥٠)] !!

ولا يكتفي المتقون باستشراف مستقبلهم الأخروي فقط، بل يقوموا بنُصح الغافلين؛ بأن يحسبوا للآخرة حسابها، قال تعالى: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [غافر : ٣٩] !!

وأخيرا: إنها الحسرة والندامة يوم القيامة-{وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ}[سبأ ٣٣]- التي ستُقطِّع قلوب غير المسلمين؛ الذين ما حسبوا للآخرة حسابها، ولم يدخلوها في استشرافاتهم المستقبلية، قال تعالى: {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ٢٠٤

التأمل المفيد (٢٠٤)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة السبعون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب : ٢١] !! كلما قرأ المسلم هذه الآية الكريمة تساءل:

كيف لا يعرف الناس أجمعون -وليس المسلمون فقط- سيدهم وسيد العالم كله؛ عربهم وعجمهم، أبيضهم وأسودهم، صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم ؟! قال صلى الله عليه وسلم: (أَنَا سَيِّد وَلَد آدَم وَلا فَخْرَ)[صححه الألباني في صحيح الترمذي (٣١٤٨)] !!

كيف لا يعرف الناس أجمعون -وليس المسلمون فقط- من أخذ الله تعالى له ميثاق أصفياء خلقه -جميع الأنبياء عليهم السلام وأممهم- أن يؤمنوا به وينصروه ؟! قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران : ٨١]، وهو ميثاق مسطور في كتب أهل الكتاب بصيغ التبشير بقدومه صلى الله عليه وسلم !!

كيف لا يعرف الناس أجمعون -وليس المسلمون فقط- من سيعطيه الله تعالى يوم القيامة أرفع مقام في الآخرة -المقام المحمود- ليشفع في أهل الموقف حتى يُقضى بينهم، قال الله تعالى: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} [الإسراء : ٧٩] ؟! يقول الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة الطويل: (يا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وقُلْ: يُسْمَعْ لَكَ، وسَلْ تُعْطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ)[متفق عليه] !!

كيف لا يعرف الناس أجمعون -وليس المسلمون فقط- من رفع الله ذكره مع ذكره سبحانه في الأذان والإقامة ؟! حتى أسمع الله تعالى اسمه الناس في كل الأمصار؛ “أشهد ألا إله إلا الله .. وأشهد أن محمدا رسول الله” !!

كيف لا يعرف الناس أجمعون -وليس المسلمون فقط- من تُرَدُ عليه روحه ليرُد على من سلم عليه ؟! قال صلى الله عليه وسلم: (ما من أحدٍ يسلِّمُ عليَّ إلَّا ردَّ اللَّهُ عليَّ روحي حتَّى أردَّ عليْهِ السَّلامَ) [حسنه الألباني في مشكاة المصابيح (٨٨٥)] !! مع اعتقادنا نحن أهل السنة والجماعة أن حياة البرزخ لا يعلم كنهها إلا الله تعالى !!

أخيرا: نبينا -صلوات ربي وسلامه عليه- له كل ما مر معنا من الخصائص؛ وغيرها الكثير !! كيف نُعرِّف العالم به صلى الله عليه وسلم ؟!
الجواب: حري بالمسلمين أن يحفظوا قول الله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}، ويجعلوا من معناها منهاجا لحياتهم؛ يشيب عليه الصغير، ويهرم فيه الكبير؛ حتى يعلم العالم كله -من خلال عبادة وتعامل أتباع محمد صلى الله عليه وسلم- عظمة وفضل خاتم النبيين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم، وما خصه الله تعالى به من خصائص عِظام !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي​

التأمل المفيد – ٢٠٣

التأمل المفيد (٢٠٣)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة التاسعة والستون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}[الانفطار ٦] !!

يستقبح الناس وبشدة جُرأة وتطاول الابن على أبيه، والطالب على معلمه، والصغير على ذي الشيبة الكبير !!
هذه الجرأة المذمومة كلها مرفوضة ومرذولة !! مع أن الأب والمعلم والشيخ ذي الشيبة الكبير؛ لم يخلقوا، ولم يرزقوا، ولا يحيون ولا يميتون من تجرأ عليهم !!
فكيف يتجرأ بعض الناس على خالقهم، ورازقهم، ومحييهم، ومميتهم سبحانه؛ بالعصيان ؟! قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ • الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ • فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار : ٦-٨] !!

والسؤال الذي يطرح نفسه: ما سبب الجُرأة على الله الخالق العظيم ؟!
الجواب: الجهل بالله تعالى؛ بأسمائه الحسنى وصفاته العليا هو أعظم سبب يوقع الناس في الجُرأة على الله العظيم !!
وهي على قسمين:

القسم الأول: جرأة غير المسلمين على الله تعالى بالكفر والشرك؛ بسبب إطباق الجهل عندهم بجميع أسماء الله تعالى وصفاته، قال تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} [الزمر : ٦٤] !!

القسم الثاني: جُرأة بعض المسلمين على ربهم، وهو على صنفين:

الصنف الأول: الإلحاد في أسماء الله تعالى وصفاته: كنفاة صفات الله تعالى من الجهمية المعطلة؛ ومن حذا حذوهم !!.
أو المؤولة للصفات من الأشاعرة؛ ومن حذا حذوهم !!

الصنف الثاني: عصيان بعض المسلمين لله تعالى -مع كونهم يثبتون أسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العليا- وذلك بسبب ضعف في معرفة معاني هذه الأسماء والصفات؛ وضعف في العمل بمقتضاها، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة)[متفق عليه)، قال الشيخ ابن باز رحمه الله: “الإحصاء يكون بالحفظ، ويكون بالتدبر والتعقل لمعانيها، والعمل بمقتضى ذلك” !!

ومن أمثلة الجُرأة على عصيان الله تعالى من قبل بعض المسلمين:

المثال الأول: الجُرأة بالسُخط وعدم الرضا عند وقوع المصيبة !! وهذا سببه عدم العمل بمقتضى أسماء الله تعالى: الرحمن، الرحيم، الودود، الطيب، اللطيف، الرفيق، الحكيم، العليم !!

المثال الثاني: الجُرأة بسوء الظن بالله تعالى في حال فقر هذا البعض !! وهذا سببه عدم العمل بمقتضى أسماء الله تعالى: الغني، الكريم، الملك، الوهاب، الرزاق، الواسع، المعطي، الحكيم، العليم !!

المثال الثالث: الجُرأة باقتراف المعاصي والآثام؛ لضعف الخوف من الله تعالى، وسببه عدم العمل بمقتضى أسماء الله تعالى: العزيز، القوي، المتين، الجبار، المهيمن، الرقيب، الشهيد، الحسيب، القريب !!

أخيرا: من جميل ما يدعو المسلم به ربه العظيم: اللهم إني أعوذ بك أن أقول زورا، أو أغشى فجورا، أو أكون بك مغرورا .. !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي​

التأمل المفيد – ٢٠٢

التأمل المفيد (٢٠٢)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الثامنة والستون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران : ١٨] !!

كثير من الناس تتوق نفوسهم لنيل درجة علمية عالية، كدرجة الدكتوراة مثلا، ويرى أنه إن حققها فقد نال المكانة المعنوية الرفيعة في مجتمعه، وهذا أمر مقبول ومحمود، خاصة مع احتساب النية !!
غير أن هناك درجة يمكن للمؤمن أن يحققها في هذه الدنيا؛ أرفع من كل الدرجات العلمية المتعارف عليها في البيئات الأكاديمية في العالم كله ! درجة يمنحها رب العالمين سبحانه لفئة محددة معروفة من المؤمنين في هذه الدنيا !!

هذه الدرجة العالية الرفيعة هي درجة: “الشهادة” !!
نعم الشهادة على أجلِّ مشهود، شهادة قرنها الله تعالى بشهادته سبحانه؛ وشهادة ملائكته الكرام، قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} !!
أمّا الأمر المشهود عليه فهو: “توحيده تعالى وقيامه بالعدل، لا إله إلا هو العزيز الذي لا يمتنع عليه شيء أراده، الحكيم في أقواله وأفعاله.” كما قال أهل التفسير !!

والسؤال الذي يطرح نفسه: من هي هذه الفئة المؤمنة التي منحها الله تعالى هذه الدرجة الرفيعة ؟! وكيف بلغوها ؟!

الجواب: أولو العلم الشرعي، العلماء الراسخون في العلم؛ هم الفئة التي زكاها سبحانه)؛ وقرن شهادتهم بشهادته في الآية الكريمة !!

وكما زكّى الله تعالى أولي العلم الشرعي؛ كذلك زكاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشهادتهم القولية والعملية لحماية هذا الدين، قال صلى الله عليه وسلم: (يحمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خلَفٍ عدولُه ينفونَ عنهُ تحريفَ الغالينَ وانتحالَ المبطلينَ وتأويلَ الجاهلينَ) صححه الألباني [مشكاة المصابيح (٢٤٨)]!!

وأمّا الطريق لنيل العلم الشرعي؛ فهو طريق حث عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: (منْ سَلَكَ طَريقًا يَبْتَغِي فِيهِ علْمًا سهَّل اللَّه لَه طَريقًا إِلَى الجنةِ، وَإنَّ الملائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطالب الْعِلْمِ رِضًا بِما يَصْنَعُ، وَإنَّ الْعالِم لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ منْ في السَّمَواتِ ومنْ فِي الأرْضِ حتَّى الحِيتانُ في الماءِ، وفَضْلُ الْعَالِم عَلَى الْعابِدِ كَفَضْلِ الْقَمر عَلى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ) صححه الألباني [صحيح الجامع (٦٢٩٧)]!!

ولا يفوتني -ونحن نتكلم عن العلم الشرعي- أن أبين أنني شخصيا؛ والغالبية العظمى من المسلمين؛ لسنا من العلماء الراسخين في العلم !! فالعلماء الذين عنتهم الآية الكريمة -{وَأُولُو الْعِلْمِ}- أفنوا أعمارهم في طلب العلم وتدريسه !! لكننا نسأل الله تعالى الجواد الكريم أن يرزقنا أجرا على حبنا للعلماء الراسخين في العلم، وأن يحشرنا معهم في جنات النعيم !! وأن يرزقنا أجرا على حبنا للتفقه في الدين، قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّين) [متفق عليه] !!

كما لا يفوتني أن أذكِّر بأن علماء المسلمين الذين تخصصوا في علوم الطب والهندسة وغيرها من العلوم؛ مأجورون على سدهم لهذه الثغرات المهمة التي يحتاجها المسلمون !! لكن العلماء المقصودين في الآية الكريمة -{وَأُولُو الْعِلْمِ}- هم علماء الشريعة !! جاء تأكيد ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (وإنَّ الْعُلَماءَ وَرَثَةُ الأنْبِياءِ وإنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُورِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا وإنَّما ورَّثُوا الْعِلْمَ، فَمنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحظٍّ وَافِرٍ) صححه الألباني [صحيح الجامع (٦٢٩٧)] !!، [ولمزيد من التوضيح حول هذه النقطة؛ أنصح بقراءة ما قاله الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى؛ في الشبكة العنكبوتية؛ تحت العنوان التالي: “علماء الشريعة هم المعنيون بكلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم”] !!

وأخيرا: لا أظن أن هناك تحفيزا لطلب العلم الشرعي أعظم من أن يقرِن الله تعالى شهادة أولي العلم بشهادته سبحانه، وأن يزكيهم رسوله صلى الله عليه وسلم !! فكيف وقد أصبح طلب العلم الشرعي ميسرا في هدا العصر؛ سواء بالدراسة الحضورية أو عن بُعد، لينال المسلم هذا الشرف الرفيع من رب العالمين في هذه الحياة الدنيا !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ٢٠١

التأمل المفيد (٢٠١)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة السابعة والستون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} [يونس : ٤٥] !!

لو سافر أحدُنا إلى بلد ما لمدة أسبوع، فإنه يكون مستيقنا بِقِصر هذه الرحلة؛ مما يدعوه للتخطيط لإدارة وقته الإدارة المُثلى؛ حتى يحقق أقصى ما يستطيع من أهداف وضعها لرحلته !!
غير أننا نجد أن إيمان بعضنا بِقِصر هذه الحياة الدنيا ليس راسخا في النفس كرسوخ يقين ذلك المسافر بِقِصر رحلته، والدليل على ذلك: الفتور والبرود وضعف الهِمة -عند هذا البعض- في نيل معالي الأمور، ويتبع ذلك الفتور شعور بالملل والفراغ !!

والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف نرسِّخ إيماننا بِقِصر هذه الحياة الدنيا ؟

الجواب من عدة وجوه:
أولا: إدراك أن من أخبرنا بِقِصر هذه الحياة الدنيا هو خالقنا سبحانه؛ العليم بالدنيا وقِصرها، والعليم بالآخرة وخلودها، قال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ}، وقال تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات : ٤٦] !!
وكذلك أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بِقِصر هذا الحياة الدنيا؛ بضرب مثال بين ومفهوم: نامَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ علَى حصيرٍ فقامَ وقد أثَّرَ في جنبِهِ فقلنا يا رسولَ اللَّهِ لوِ اتَّخَذنا لَكَ وطاءً فقالَ: (ما لي وما للدُّنيا، ما أنا في الدُّنيا إلَّا كراكبٍ استَظلَّ تحتَ شجرةٍ ثمَّ راحَ وترَكَها.) [صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٨١٢٢٨)]، وقال صلى الله عليه وسلم: (كُنْ في الدُّنْيا كأَنَّكَ غريبٌ، أَوْ عَابِرُ سبيل) [رواه البخاري (٦٤١٦)]!!
وكما نأخذ كلام الله تعالى وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم بجدية؛ في عباداتنا ومعاملاتنا، فكذلك علينا أن نأخذ النصوص الشرعية التي أوضحت قِصر الحياة الدنيا بجدية! واستمع إلى كلام الصحابي الجليل ابن عمر رضي الله عنهما؛ الذي أيقن بِقِصر الحياة الدنيا: “إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّباحَ، وإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَساءَ، وخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لمَرَضِكَ، ومِنْ حياتِك لِمَوتِكَ”[ رواه البخاري (٦٤١٦)] !!

ثانيا: دراسة وحفظ ما أمكن حفظه من النصوص الشرعية التي تحدثت عن يوم القيامة وأهواله، وعن الجنة والنار، وعن رؤية وجه ربنا الكريم في الجنة !! فأهل الإيمان قلوبهم معلقة بهذه الأمور، قال تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ}[يونس : ٢٦]، والزيادة هي رؤية الله تعالى كما قال المفسرون، وقال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران : ١٨٥] !!

ثالثا: أن يكون حالنا في سيرنا إلى الله تعالى كالحال التي وصف الله تعالى بها المؤمن في قوله تعالى: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الملك : ٢٢]، قال أهل التفسير: “أفمن يمشي منكَّسًا على وجهه لا يدري أين يسلك ولا كيف يذهب، أشد استقامة على الطريق وأهدى، أَمَّن يمشي مستويًا منتصب القامة سالمًا على طريق واضح لا اعوجاج فيه؟ وهذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن.” !!
المؤمن هدفه الأعظم رضا الله تعالى، ومن ثم يدير أوقاته ويشغلها بكل ما شرعه الله تعالى لتحقيق هذا الهدف العظيم؛ من ذلك عبادة الله تعالى، وإتقانه لعمله؛ سعيا وراء رزقه، وتربيته لنفسه وأهله وولده التربية الصالحة، وتقربه إلى الله تعالى بالنوافل بعد أداء الفرائض، وغير ذلك من الأعمال الصالحة، حتى يتحقق فيه قول الله تعالى: {أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}!!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ٢٠٠

التأمل المفيد (٢٠٠)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة السادسة والستون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل : ١٧] !!

كثيرا ما تصرح بعض الأمم غير المسلمة -في هذا العصر- من خلال إعلامها بأنه لم يوجد ولا يوجد أمة أقوى منها على وجه الأرض !!
ويحق لهم أن يقولوا أنهم أقوياء في هذا العصر !! أمّا أنه لم يمر على تاريخ البشرية أمة أقوى منهم؛ فقد جانبوا الصواب، والتاريخ يقول خلاف ذلك، ناهيك أن قوتهم في هذا العصر قوة مادية؛ غير منقادة لهدي رب العالمين !!

لذلك أقول: إذا أرادت أمة أن تفتخر بأنه لم يمر في تاريخ البشرية؛ ولن يمر أقوى منها؛ فحُق لنا -نحن أفراد ومجتمعات الأمة المسلمة- أن نفتخر بعهد نبي الله تعالى سليمان عليه السلام، فلم يمر ولن يمر على البشرية أقوى من الأمة المسلمة في عهده عليه السلام !!

عهد النبي سليمان عليه السلام جزء لا يتجزأ من تاريخ الأمة المسلمة الطويل، فالنبي سليمان عليه السلام وأتباعه كانوا من المسلمين، حكى لنا القرآن الكريم ذلك على لسان سليمان عليه السلام: {وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ} [النمل : ٤٢] !! كما جاء القرآن الكريم بالتأكيد على أن حاضر الأمة المسلمة لا يجوز أن ينفصل عن ماضيها، قال تعالى: {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود : ١٢٠] ففي قصص الأنبياء عليهم السلام تثبيت وتقوية لقلوب المؤمنين في أي عصر !!

حكى لنا القرآن الكريم سؤال سليمان عليه السلام الله تعالى: {وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [ص : ٣٥]، قال أهل التفسير: “وأعطني ملكًا عظيمًا خاصًا لا يكون مثله لأحد من البشر بعدي” !!
استجاب الله تعالى لسليمان عليه السلام؛ فأعطاه سبحانه ملكا عظيما لم يعطه لأحد من بعده عليه السلام إلى يوم القيامة !! وكان من ضمن ملكه: أنواع عظيمة من القوى، سأقف مع ثلاثة منها:

الأول: الريح، قال تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ} [ص : ٣٦]، قال أهل التفسير: “وذللنا الريح تجري بأمره طيِّعة مع قوتها وشدتها حيث أراد.” !!
إنها الريح التي أقضت مضاجع الأمم اليوم بأعاصيرها المدمرة !! لن يتمكن أحد من تذليلها كما ذللها الله تعالى لسليمان عليه السلام !!

الثاني: الجن، قال تعالى: {وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} [سبإ : ١٢]، وقال تعالى: {وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ} [ص : ٣٧] !!
ليس هناك أمة من الأمم القوية في هذا العصر؛ مهما بلغ عتادها وعدتها أن يكون من بين جندها أعداد عظيمة من الجن !! أمّا سليمان عليه السلام فقد كان من بين جنده أعداد من الجن لا يعلم قدرهم سوى الله تعالى، قال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} !! وصار الجن طوع أمره، ليس في القتال معه فقط؛ بل حتى في صناعة ما يشاء، قال تعالى: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ}[سبأ ١٣] !!

الثالث: آتاه الله تعالى من كل شيء، قال تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [النمل : ١٦]، قال أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: {وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ}: “وأُعطينا مِن كل شيء تدعو إليه الحاجة” !!
من الحاجات التي آتاه الله تعالى؛ نقل عرش بلقيس إليه، قال تعالى: {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل : ٤٠] !!

وأخيرا: ما الذي فعله نبي الله سليمان عليه السلام حتى يُعطى هذا الملك العظيم ؟!
الجواب: إنها العبودية الحقة التي صرفها سليمان عليه السلام لله تعالى، فقد كان عليه السلام نِعم العبد، قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص : ٣٠] !!
لهذه العبودية التي صرفها سليمان عليه السلام لله تعالى صور كثيرة، منها:
الاستغفار: قال تعالى: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}[ص ٣٥] !!
ومنها الدعاء: قال تعالى: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل : ١٩] !!
ومنها التسمية: بدأ الكتاب الذي أرسله إلى بلقيس بالتسمية، قال تعالى: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ} [النمل : ٣٠] !!
ومنها رد الفضل إلى الله تعالى فيما آتاه من ملك: قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم} [النمل : ٣٦] !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي​