الرسالة المفيدة – ٧٥

الرسالة المفيدة (٧٥)

إيقاف أعتى مُضلي البشرية !!
لو تنامى للعالم أجمع: أن أكبر المتسببين في إضلال البشرية، والساعين لإفسادها؛ سيوقفون، ليتسنى للبشرية مراجعة حساباتها في التعامل مع هؤلاء العتاة؛ لكان هذا من أحب ما يتناقله الناس من أخبار !!
هذه هي حقيقة ما يحصل سنويا بقدر إلهي؛ نقله لنا سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم عن سَلسَلَة وإضعاف أعتى المجرمين، قال صلى الله عليه وسلم: (إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ ، وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ) [متفق عليه] !! نعم الشياطين؛ الذين هم وراء كل الشرور في العالم: من تسميم للفكر، وتزيين للإباحية، ودفع الناس إلى الكفر والإلحاد، قال تعالى: {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف : ١٧] !! وهل هناك أعتى وأجرم من جند إبليس .. الشياطين ؟؟!! يؤمن بذلك من آمن بكلام الله تعالى وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم، وما جاء فيهما عن عظيم خطر الشياطين !!

وفي إعادة حساباتنا في التعامل مع أدهى وأخبث مُضلي البشرية .. الشياطين، علينا:
أولا: أن نأخذ الأمر بجدية وصدق، موقنين بأن الشياطين وراء كل الشرور !!
ثانيا: أن نعرف المجالات الخطيرة التي ينبغي أن نحذر من أن تأتينا الشياطين من قبلها، من ذلك:
(١) تزيين المعاصي والأعمال الباطلة، قال تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} [الأنفال : ٤٨] !! وتكون مواجهة الشياطين هنا بمعرفة الحلال والحرام فيما يحتاجه المسلم لعباداته وتعاملاته؛ طاعة لله تعالى فيما أمر واجتناب ما عنه نهى وزجر .. والابتعاد عن الأمور المشتبهات؛ التي كثرت في هذا العصر، قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ، فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ)[متفق عليه]..
(٢) التحريش والتفريق بين المؤمنين، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم)[رواه مسلم (2812)] !! وتكون مواجهة الشياطين هنا بالاعتصام بحبل الله تعالى جميعا وعدم التفرق ..
(٣) صدنا عن ذكر الله تعالى، قال تعالى: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ} [المجادلة : ١٩] !! وتكون مواجهة الشياطين هنا بكثرة ذكر الله تعالى؛ تحصنا من الشيطان الرجيم وجنده ..

اللهم إنَّا نعوذ بك من همزات الشياطين ..

كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي
أنشر تؤجر ..

الرسالة المفيدة – ٧٤

الرسالة المفيدة (٧٤)

حادثة نيوزيلندا .. مأساتنا والحل !!

وفق الله تعالى شقيقي الدكتور مهدي علي قاضي -رحمه الله تعالى وجعل الفردوس مأواه، ومأوى شهداء نيوزيلندا، ومأوى موتى المسلمين- وفقه الله تعالى للسعي طوال عمره لإبراز قضية التوبة إلى الله تعالى؛ ومن ثم الدعوة إليه سبحانه من قبل كافة المسلمين؛ لحل مآسينا وجراحاتنا؛ التي لا تكاد تنطفئ في بلد حتى تشتعل في آخر !! قال الله تعالى عن التوبة وأن فيها الفلاح: { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور : ٣١] !!
وقد وفقه الله تعالى وأطلق لمشروعه العظيم موقعا أسماه “عودة ودعوة” .. كما وفقه الله تعالى وكتب كتابه الشهير “مأساتنا والحل”، وكتب غيره من الكتيبات الصغيرة النافعة !! ثم قضى نحبه وهو ساجد لله تعالى مساء الاثنين ليلة الثلاثاء ٢٣ جمادى الأولى ١٤٣٨ من الهجرة !!

وما أريد أن أركز عليه في هذا المقال القصير؛ لحل مآسينا كافة: هو ضرورة التوبة إلى الله تعالى من ذنب يغفل عنه الكثير من أبناء المسلمين، ذنب له صلة قوية بفهم المسلم العميق إلى حاجة البشرية اليوم إلى الإسلام العظيم !! وأن مآسينا التي يصبها علينا الأعداء إنما هي لتقصيرنا في إخراجهم من الظلمات إلى النور، حتى يتوقفوا عن ظلم أنفسهم وظلم غيرهم؛ حين يعلمون إن إله المسلمين سبحانه هو إلههم الحق؛ الذي ما خلقهم إلا لعبادته والاستسلام لمنهجه القويم !! وأنهم مثلنا؛ يرجون رحمته وجنته سبحانه، ويخشون سخطه وعذابه !!

لو اعتز كل مسلم بدينه، وتاب من ذنب عدم الدعوة إلى الله -قال تعالى: { قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف : ١٠٨] !!- ولو وعى كل أتباع محمد صلى الله عليه وسلم أنهم دعاة إلى هدي رسولهم صلى الله عليه وسلم -{ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}- ولو بدعوة إلى فهم آية كريمة واحدة -قال صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية) [رواه البخاري (3461)] !!- لأخذت الأمة المسلمة تتعافى من آلامها وجراحاتها وأوجاعها !! إذ بدعوته؛ التي من المفترض أن يشاركه فيها مليارا مسلم -هم أتباع النبي صلى الله عليه وسلم- يعلن اعتزازه بدينه، وأن سعادة البشرية في الدنيا والآخرة لا تحصل إلا بقبول هدى الله تعالى للعالمين !!

الحل لمآسينا لا يأتي عن طريق هاشتاق يُطلق؛ لشجب حادث واستنكار آخر، ثم يخدرنا الهاشتاق عن القيام بواجب الدعوة إلى الله تعالى؛ التي يعلم الله تعالى أن فيها الحل !! وقد حكى القرآن الكريم لنا عن فقه الجن لأهمية الدعوة إلى الله، قال تعالى: { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا ۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} [الأحقاف : ٢٩] !! بل حتى الهدهد فَقِه خطر الشرك -الذي هو واقع غير المسلمين في كل زمان- قال تعالى: { وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ} [النمل : ٢٤] !! فأين فقه المنبهرين بالحضارة الغربية من فقه هذا الهدد عن خطر الشرك؛ الذي بلغ أتباعه -من غير المسلمين اليوم- نحو ستة مليارات نسمة ؟؟!!

ولنا أن نتصور كم نحتاج من الجهد في تذكير المسلم بالله سبحانه وعظمته وكمال دينه؛ حتى يدرك أن الدعوة إلى الله تعالى واجبة عليه !! وأن تركها ذنب يجب الإقلاع عنه؛ حتى لو كان مقصرا في بعض الأمور ؟؟!! لأن اعتزازه بدينه والدعوة إليه خط أحمر يجب ألا يتجاوزه -بتركه والغفلة عنه- أبدا !!

وحين تدب روح الدعوة إلى الله تعالى في الأمة المسلمة كافة، وتدرك دورها في ضرورة إنذار العالمين من عذاب الله تعالى -قال تعالى: { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان : ١]، وقال تعالى: { أَن لَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۖ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [هود : ٢٦] !!- حينها تُحل مآسي الأمة بإذن الله تعالى القائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران : ٢٠٠] !!

الحمدلله على نعمة الإسلام .. اللهم تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، وأجب دعوتنا ..

كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .
انشر .. تؤجر ..

الرسالة المفيدة – ٧٣

الرسالة المفيدة (٧٣)

الحلقة العشرون -الأخيرة- من سلسلة علوم الإدارة والإسلام ..

في الحلقة الثانية من هذه السلسلة وفقني الله تعالى وقلت: “إن الإدارة في الإسلام تمثلت في التطبيق الأمثل للرسول صلى الله عليه وسلم لكل ما أوحي إليه من ربه العليم الحكيم !! أي أن كل عمل فردي أو جماعي قام به صلى الله عليه وسلم إنما قام به بأكمل وأفضل إدارة عرفتها البشرية خلال تاريخها الطويل !!”

ومن حكمة الله تعالى العليم الحكيم أن حدد للبشرية جمعاء -يوم خلق السماوات والأرض- بلدا متوسط الموقع بين جميع قارات الأرض، وأمر سبحانه الناس فيه أن يكونوا أكثر جدية وصدقا في تتبع والاقتداء بهدي سيد الخلق صلى الله عليه وسلم؛ الذي قام بأعماله الفردية والجماعية بأكمل وأفضل إدارة عرفتها البشرية خلال تاريخها الطويل !!

إن حِفظ الله تعالى لمجتمع التوحيد في مكة المكرمة أزمانا وآمادا طويلة -تتلمس البشرية فيه العلاقة الصحيحة مع خالقها سبحانه وتعالى !! كما تجد فيه العلاقة الصحيحة بين المسلم وأخيه المسلم- إن حفظ الله تعالى لهذا المجتمع الطاهر لهو أعظم تدبير رباني -وهو ما اصطلح الإداريون على تسميته بالتخطيط الاستراتيجي اليوم- تسير فيه البشرية بخطى مبصرة نحو الأمن والرفاه والسلام والفوز بسعادة الدارين !! حيث حوى هذاالتدبير الرباني للبشرية :

أولا: علما ربانيا لتاريخ البلد الحرام منذ حدده الله تعالى وحرّمه يوم خلق سبحانه السماوات والأرض، قال صلى الله عليه وسلم الله: (فإن هذا بلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض)[متفق عليه]!! مرورا بوفود صفوة الخلق عليهم السلام وأتباعهم إليه !! وتنبيها لما يحصل من عذاب أليم من الله تعالى لمن يفسدها بعد صلاحها، قال تعالى: { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل : ١١٢]، قال أهل التفسير: “وضرب الله مثلا بلدة “مكة” كانت في أمان من الاعتداء، واطمئنان مِن ضيق العيش، يأتيها رزقها هنيئًا سهلا من كل جهة، فجحد أهلُها نِعَمَ الله عليهم، وأشركوا به، ولم يشكروا له، فعاقبهم الله بالجوع والخوف من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجيوشه، التي كانت تخيفهم؛ وذلك بسبب كفرهم وصنيعهم الباطل”.

ثانيا: في هذا التدبير الرباني استشراف للمستقبل: فقد بين صلى الله عليه وسلم مستقبل هذه البلدة -وأنه مادام الحجاج يفدون إليها؛ في حِراك يعكس استسلام فئام كبيرة من الناس لله تعالى وتحقيق توحيده والاجتماع عليه والدعوة إليه، كما يشارك بقية المسلمين الذين لم يحجوا؛ يشاركون الحجاج بتقديم الأعمال الصالحة والتكبير والتهليل، قال صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر) [رواه البخاري (969)]- بين صلى الله عليه وسلم أن مستقبلها بهذا الصلاح فيها؛ هو حفظ أمن العالم، فلا تقوم الساعة ولا يقع الموت العام لكافة البشرية ما دام الحِفاظ على العلاقة بالخالق العظيم قائمة بفضل هدى بلد الله الحرام، قال صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى لا يُحج البيت) [السلسلة الصحيحة (2430)]، وقال الحسن: “لازال الناس على دين ما قصدوا البيت واتجهوا إلى القبلة” [الدر المنثور (68/3)] !!

وأخيرا: إذا كانت ثمرة اقتداء الناس في مكة -بأعمال سيد الخلق صلى الله عليه وسلم الفردية والجماعية؛ التي أداها بأكمل وأفضل إدارة عرفتها البشرية خلال تاريخها الطويل- هي الحِفاظ على أمن العالم بأسره من الدمار الذي يحدثه قيام الساعة -عند انقطاع الحج كما جاء في الحديث الآنف الذكر- لدرجة أن الكون سيتدمر كما قال تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ • وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ} [التكوير : ١-٢] !! فأي تخطيط استراتيجي بشري سيقدم لهم ثمرة تضاهي ثمرة الأمن العالمي المستديم الذي يقدمها التدبير الرباني من خلال إدارة هذا البلد الحرام ذي الخصائص العِظام ؟؟!!

فالحمدلله على نعمة الإسلام .. واللهم ارزقنا الفقه في الدين ..

كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .
انشر .. تؤجر ..

الرسالة المفيدة – ٧٢

الرسالة المفيدة (٧٢)

الحلقة التاسعة عشرة من سلسلة علوم الإدارة والإسلام ..

استمر -بعون الله وتوفيقه- في عرض لبعض المشكلات وحلولها في علم الإدارة الإسلامي !!

رابعا: مشكلات الفرد في بيئاته المختلفة وحلولها !!

لا ينفك المسلم عن التواجد في بيئات مختلفة يتعامل فيها مع غيره؛ خلال يومه وليلته !! سواء كانت تلك البيئة داره التي يسكنها، أو مكان عمله، أو مسجده، أو سوقه، أو ناديه الرياضي، أو حتى الطريق الذي يعبره !!

ولكل من هذه البيئات آدابها المناسبة لها، والتي على الجميع مراعاتها حال تواجدهم فيها !! وعلى سبيل المثال: لا تفرض هذه الآداب على الناس في ناديهم الرياضي جو الهدوء؛ كذلك الذي يفرضه تواجد المسلم في مسجده؛ يتلو القرآن ويذكر الله تعالى .. وهكذا !!

وقد جاءت هذه التشريعات الإسلامية لتنظيم حياة الناس في بيئاتهم المختلفة لتلافي المشاكل !! وحين يقع قصور في تطبيقها بسببب الضعف البشري، أو بنزغ من الشيطان الرجيم؛ فإن هذه النصوص هي المرجع لحل المشكلات !!
ولعلي أذكر مثالا أو مثالين لهذه التعاملات في البيئات المختلفة:

أولا: بيئة المسجد: نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن تخطي الرقاب يوم الجمعة : جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اجْلِسْ ، فَقَدْ آذَيْتَ ) !! صححه الألباني [صحيح الجامع (155)].
كما نهى صلى الله عليه وسلم عن تشويش المصلين بعضهم على بعض في المسجد، قال صلى الله عليه وسلم: (إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن) !! صححه الألباني [السلسلة الصحيحة (1603)].

ثانيا: بيئة السوق: وهو مكان مكتظ بالناس، يبيع فيه المسلم ويشتري، وغير ذلك من التعاملات !! ولا شك أن الخلاف متوقع فيه بين المسلمين !! ولذا جاءت التشريعات الكثيرة لحسم الخلاف في بيئة السوق !! من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (البيِّعانِ بالخيار ما لم يتفرَّقا، فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما) !! [متفق عليه].
كما أن الأمانة مطلوبة من الناس في الأسواق، وقد جاء النص الشرعي بتحريم الغش، قال صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا) !! [رواه مسلم (164)].

ثالثا: بيئة الطريق: قال صلى الله عليه وسلم: (إِيَّاكُم وَالْجُلُوسَ في الطُّرُقاتِ، فقَالُوا: يَا رسَولَ اللَّه، مَا لَنَا مِنْ مَجالِسنَا بُدٌّ، نَتحدَّثُ فِيهَا، فَقَالَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِس فَأَعْطُوا الطَّريقَ حَقَّهُ، قالوا: ومَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رسولَ اللَّه؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَر، وكَفُّ الأَذَى، ورَدُّ السَّلامِ، وَالأَمْرُ بالْمَعْروفِ، والنَّهْيُ عنِ الْمُنْكَرِ) !! [متفق عليه].

رابعا: بيئة المنزل: وقد جاءت النصوص الشرعية الكثيرة التي تخص تعامل الزوجين والأولاد داخل بيئة المنزل، من ذلك استئذان الأولاد للدخول على الوالدين في حجرتهما الخاصة قبل وبعد البلوغ، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ • وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور : ٥٨-٥٩] !!
كما لا يستطيع أحد أن يدخل منزلا إلا بعد إذن صاحبه، قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور : ٢٧] !!

وأخيرا: تبين لنا ممّا سبق أن المسلم منضبط بسلوكيات راقية رفيعة شرعها العليم الحكيم في أي بيئة كان !! وأن هذا ينفي ظهوره في المسجد في حالة من الانضباط والأخلاق الرفيعة؛ ثم يكون عكس ذلك خارج المسجد؛ في بيئاته الأخرى !!

فالحمدلله على نعمة الإسلام ..  واللهم ارزقنا الفقه في الدين ..

نواصل في الحلقة القادمة -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- الحديث عن علوم الإدارة والإسلام !!

كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .
انشر .. تؤجر ..

الرسالة المفيدة – ٧١

الرسالة المفيدة (٧١)

الحلقة الثامنة عشرة من سلسلة علوم الإدارة والإسلام ..

استمر -بعون الله وتوفيقه- في عرض لبعض المشكلات وحلولها في علم الإدارة الإسلامي !!

ثالثا: المشكلات التي تقع بين مجموعات من الناس !!
لا يزال الاختلاف صفة للبشر لا ينفكون عنها، قال الله تعالى: { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [هود : ١١٨]، قال أهل التفسير: “ولو شاء ربك لجعل الناس كلهم جماعة واحدة على دين واحد وهو دين الإسلام، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك، فلا يزال الناس مختلفين في أديانهم؛ وذلك مقتضى حكمته”.

وبسبب هذا الاختلاف بين الناس فقد تتفاقم المشاكل إلى درجة تنشب معها الحروب بين الفئات المختلفة !! ولذا نجد أن خالق البشر سبحانه – العليم بضعف البشر- قد شرع التشريعات التي ترسم للأمة المسلمة منهجها في كيفية إدارة الحروب !!

وأنا لا أريد هنا استقصاء كل ما يطرحه الإسلام من حلول لجميع المشاكل التي تواجه المجموعات البشرية المختلفة، كالمشاكل الفكرية أو التجارية أو السلوكية أو العسكرية، سواء بين فئتين مسلمتين، أو كان الخلاف بين مسلمين وغير مسلمين، غير أني سأقف وقفات مع عظمة التشريعات الإسلامية في إدارة الحرب التي تنشب بين الأمة المسلمة مع غير المسلمين، من ذلك:

قواعد الاشتباك:
اعتنت التشريعات الإسلامية بوضع قواعد الاشتباك في إدارة الحرب، ذلك أن القتال في الإسلام يشكل جملة من أخلاقيات الإسلام العظيمة التي تهدف إلى المحافظة على سلامة وأمن المجتمعات وفق حكمة وعلم خالقها اللطيف الخبير !! ولذا جاءت قواعد الاشتباك التي شرعها الله تعالى لتُدار العمليات القتالية بعلم بالمشاركين في مسرح العمليات، وبحِرَفية تكتنفها الرحمة، قال الله تعالى:
{ إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا • سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُولَٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا} [النساء : ٩٠-٩١] !!

وقال صلى الله عليه وسلم: (اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا فلا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا) !!

نظرية الردع:
يعلم الحكيم الخبير ما للإعداد في مجال القوة العسكرية-التي تقوم بها الأمة المسلمة طاعة لله تعالى- من ردع لأعدائها، وثنيهم حتى عن التفكير في التطاول عليها، لذا جاء الأمر الرباني بالإعداد لما تستطيعه الأمة من قوة، قال تعالى: { وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال : ٦٠] !!
وقد تسابقت أمم الأرض اليوم إلى الأخذ بنظرية الردع، فأخذوا في بناء ترساناتهم من مختلف أنواع الأسلحة؛ التقليدية والنووية !! وتبقى الأمة المسلمة متفردة بأمر لا يعرفه غيرها، وهو أن جبار السماوات والأرض معها ووليها وناصرها، ما دامت مستمسكة بدينها القويم، مع بذل ما تستطيع من الإعداد والتجهيز العسكري !!

فالحمدلله على نعمة الإسلام .. واللهم ارزقنا الفقه في الدين ..

نواصل في الحلقة القادمة -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- استعراض باقي أنواع المشكلات وحلولها في علوم الإدارة الإسلامية !!

كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .
انشر .. تؤجر ..

الرسالة المفيدة – ٧٠

الرسالة المفيدة (٧٠)

الحلقة السابعة عشرة من سلسلة علوم الإدارة والإسلام ..

استمر -بعون الله وتوفيقه- في عرض لبعض المشكلات وحلولها في علم الإدارة الإسلامي !!

ثانيا: المشاكل الخاصة بالفرد المسلم مع غيره !!

كما ذكرت في الحلقة الماضية أنني لا أريد استقصاء كل ما يطرحه الإسلام من حلول لمشاكل تواجه الفرد المسلم مع نفسه، كذلك الأمر هنا بالنسبة لمشاكل الفرد مع غيره؛ فليس المقصود استقصاء جميع المشاكل، كمشاكل التعامل في البيع والشراء، والقرض، والرهن ، والمساقاة والمزارعة، والإجارة، وباقي أبواب التعاملات التي شملت كل جوانب الحياة، ممّا يعتري الفرد فيها من المشاكل؛ التي لا تؤثر سلبا على أدائه وإنتاجه هو فقط !! بل تؤثر على أداء المجموعة التي يتعامل معها من الناس !!

غير أني أقف مع أعظم كيان يتعامل فيه الفرد مع غيره؛ ألا وهو كيان الأسرة العظيم !! وكيف اعتنى الإسلام بتأسيس هذا الكيان ودوام استقراره !! ومن ثم وضع الحلول النافعة عند بروز أي مشاكل تعامل فيه !!

وليس هدفي استقصاء كل الحلول التي وضعها الإسلام لمواجهة مشاكل التعامل بين أفراد الأسرة؛ سواء الزوجين مع بعضهما، أو مع الأبناء، أو مع أقربائهما أو حتى مع جيران الأسرة !!

لكنني سأختصر الموضوع بطريقة غير مألوفة للقارئ الكريم !! وهي طلبي منه أن يمعن النظر والتأمل -بنفسه- في الفرق بين أسرة مسلمة تعيش في كنف الإسلام وتهتدي في كل أمورها بهدي خالقها !! وبين أسرة أخرى من أسر غير المسلمين؛ تستظل بقوانين من أهواء البشر وعلمهم القاصر المحدود !!

إن ممّا يحزن عن أُسَرِ غير المسلمين أن كثيرا منها تبدأ بداية تغضب جبار السماوات والأرض !! وهي البداية بالعلاقات الجنسية -المحرمة في كل الأديان- !! وبداية كهذه كفيلة بتدمير الأسرة في زمن يسير، بسبب فرص الخيانات الزوجية المتزايدة، بتبني نمط حياة تشيع فيه وتسهل الفاحشة !!

لم تفرز أُسَرِ غير المسلمين -القائمة على هذه العلاقات الجنسية المحرمة- مشاكل عادية تؤثر على إنتاج الفرد وأدائه !! بل أفرزت القتل والانتقام فيما بينهم بأرقام مخيفة !!

كذلك لم تفتقد الأسرة غير المسلمة منهج الله الذي ينظم الزواج -من لدن العليم الحكيم- فقط !! بل افتقدت كذلك نظام الميراث الإسلامي !! ليحل بديلا عنه لديهم؛ وصية يكتبها المورث مع محاميه ليقررا معا لمن يذهب ماله بعد وفاته !! وقد حصل أن ورِث كلب أموالا طائلة من مالكه !! وأخ قتل أخاه لأن والده خَص أحد أبنائه في وصيته بمزرعة دون باقي أولاده !!

ناهيك عن التأمين على الحياة؛ الذي ما أنزل الله تعالى به من سلطان !! فكم من وقائع موثقة لجرائم قتل حصلت بسببه في الأسرة ؟؟!! فزوج يستأجر قاتلا ليقتل زوجته؛ مستعجلا على ما سيحصله من مبلغ التأمين على حياتها، والعكس يحصل كذلك؛ بقتل الزوجة زوجها -بطريقة أو أخرى- طمعا في مبلغ التأمين !!

ومن أغرب الجرائم الموثقة لدى بعض الأسر غير المسلمة: قتل عشيق عشيقته وجنينها في بطنها؛ لعدم تحمل تكاليف الحمل بعد الزنا، ولأن الفتاة تريد الإبقاء على الجنين !!

فالحمدلله على نعمة الإسلام .. واللهم ارزقنا الفقه في الدين ..

نواصل في الحلقة القادمة -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- استعراض باقي أنواع المشكلات وحلولها في علوم الإدارة الإسلامية !!

كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .
انشر .. تؤجر ..

الرسالة المفيدة – ٦٩

الرسالة المفيدة (٦٩)

الحلقة السادسة عشرة من سلسلة علوم الإدارة والإسلام ..

بعد المقدمة المهمة التي وفق الله تعالى لإبرازها في الحلقة الأخيرة -عن موضوع حلول المشكلات الذي تفرد به علم الإدارة الإسلامي- أعرض في هذه الحلقة -بعون الله وتوفيقه- بعض هذه المشكلات وحلولها !!

أولا: المشاكل الخاصة بالفرد المسلم مع نفسه !!
لا أريد هنا استقصاء كل ما يطرحه الإسلام من حلول لمشاكل تواجه الفرد المسلم، كالغضب والقلق والخوف وقلة الصبر وغيرها، ممّا يعتري الفرد من المشاكل؛ التي تؤثر سلبا على أدائه وإنتاجه في مجال عمله !!
غير أني أقف مع مشكلة واحدة أرقت وأتعبت الكثير لإيجاد حل جذري لها، وهي مشكلة عدم قيام الشخص بأداء عمله المطلوب منه خلال ساعات الدوام التي تعاقد عليها مع الجهة الموظفة له، مقابل ما يتقاضاه من مكافأة مالية !!

والغريب أن يتصور البعض أن الحل لهذه المشكلة هو وضع كاميرات المراقبة؛ التي لا يمكنها مهما كثرت منع إضاعة الموظف لوقته، حتى لو كان متواجدا في مقر عمله !!

أمّا في الإدارة الإسلامية؛ فإن المسلم -بسبب صفة الإخلاص العظيمة- يرى أن الرقيب عليه ليس الكاميرات !! بل الرقيب عليه هو خالقه سبحانه الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور !! فأنى له -وحاله كذلك- أن يفكر في إضاعة وقت عمله في أمور لا علاقة لها بالعمل !!

وليس غريبا أن تعتني الأمة المسلمة بتقوية صلة أفرادها بالله تعالى منذ الصغر -في المدارس ثم الجامعات- حتى تضمن أن تدفع لسوق العمل موظفين؛ حملة لصفة الإخلاص سواء بسواء مع حملهم لشهادة تخصصهم الدراسي النافع !!

وقد سطر أفراد الأمة المسلمة -بسبب الإخلاص لله تعالى- مآثر خالدة في تاريخ أمتنا العظيمة، من ذلك هذه القصة:
حصار حاصره المسلمون للروم، وطال هذا الحصار، واشتد الانتظار على المسلمين ، وأحرقتهم سهام العدو، فعمد رجلٌ من المسلمين سراً إلى ناحية من الحصن، فحفر نفقاً ثم دخل منه، فهجم على الباب من الداخل وجعل يضرب في الأعداء حتى فتح الباب ودخل المسلمون، واختفى ذلك الرجل فلم يعرفه أحد -اختفى لشدة إخلاصه- فصار قائد المسلمين – مَسلمَة – يقول ويستحلف الناس: سألتكم بالله أن يخرج إلي صاحب النفق، فلما كان الليل جاء رجل فاستأذن على حارس مسلمة، فقال الحارس من هذا ؟ قال: رجل يدلكم على صاحب النفق، فاذهب إلى صاحبك – يعني مسلمة – وأخبره وقل له يشترط عليك شرطاً، وهو ألا تبحث عنه بعد ذلك اليوم أبداً، ولا تطلب رؤيته بعده ولا الكلام معه أبداً، فقال مَسْلمَة: لهُ شَرطُه فأخبروني عنه من هو ؟ فدخل الرجل – نفسه – وقال أنا هو.. وليَ ما اشترطتُ، لا تسألني .. لا تبحث عني .. لا تَدْعُني إلى مجلسك .. فاختفى بين الجند . فكان مسلمة بعد ذلك يقول : ” اللهم احشرني مع صاحب النفق ” [مختصر تاريخ دمشق (7/273)].

نواصل في الحلقة القادمة -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- استعراض باقي أنواع المشكلات وحلولها في علوم الإدارة الإسلامية !!

اللهم ارزقنا الفقه في الدين ..

كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .
انشر .. تؤجر ..

الرسالة المفيدة – ٦٨

الرسالة المفيدة (٦٨)

الحلقة الخامسة عشرة من سلسلة علوم الإدارة والإسلام ..

مما تفرد به علم الإدارة في الإسلام: العناية بحلول المشكلات الفردية للأفراد، أو مشكلات الفرد مع غيره، أو المشكلات التي تقع بين مجموعات من الناس، أو لمشكلات الفرد مع بيئته !!

قبل التطرق إلى أنواع المشكلات الآنفة الذكر، وكيف عرض الإسلام حلولها؛ أود أن أشير إلى أمر مهم؛ وهو أن كون المسلمين جعلوا شريعة الله تعالى منهجا لحياتهم؛ فإنهم قد نفوا وسدوا بذلك أكبر مسبب للمشكلات؛ وهو تشريع الإنسان لنفسه !! ذلك أن الشريعة الإسلامية تنزيل من العليم الحكيم؛ الذي خلق الإنسان ويعلم ما يصلحه في دنياه وآخرته، قال الله تعالى مبينا أحقيته للتشريع سبحانه؛ لأنه هو الخالق: { أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف : ٥٤] !! وكل العقلاء يؤمنون بهذا المنطق السوي؛ هو أن من خلق الإنسان وسوّاه؛ هو سبحانه الذي يستحق أن يأمره وينهاه !!

وإن نظرة سريعة للظاهرة التي يعيشها غير المسلمين من مشاكل لا حصر لها في كافة مجالات الحياة -بسبب تمردهم على الله تعالى، ونبذهم لمنهجه القويم- ممّا أدى إلى مقاضاة بعضهم بعضا قي قضايا لا حصر لها، وفي محاكم لا حصر لها كذلك، حتى ألف المؤلفون المقالات والكتب في ذلك؛ يتساءلون عن: ما هي أسباب كثرة المحامين في بلدانهم؛ حيث أصبحت كثرة المحامين ظاهرة صارخة لديهم ؟؟!!

كما ترتب على تمرد غير المسلمين على منهج ربهم وخالقهم سبحانه؛ وجعل حق التشريع لديهم؛ أن تضاعفت قوانينهم وتشريعاتهم لأنفسهم؛ بسبب كثرة المشكلات الناتجة من قوانينهم الوضعية !! فأصبحت القوانين -القاصرة وغير الربانية- سببا في بروز المشاكل ومن ثم حلول هذه المشاكل لا يكون إلا بقوانين جديدة، وهكذا دواليك !! ومن الأمثلة على ذلك: للولد أو البنت أن يشتكيا والديهما أو أحدهما إذا قاما بتأديب أطفالهما !! وقد تصل عقوبة ذلك في النهاية إلى السجن للوالدين أو أحدهما !! ثم ينتج عن ترك الأبناء بدون تأديب مشاكل تئن منها مجتمعاتهم البعيدة عن منهج الله تعالى، من أنواع الجرائم المختلفة !!

والعجيب أن الإسلام العظيم ومنهجه القويم أحكامه قليلة لكنها قويمة؛ مقابل آلاف آلاف القوانين التي شرعها غير المسلمين لأنفسهم، والتي لا تزال في تزايد مطرد !!

آيات القرآن الكريم ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية، لا تزيد آيات الأحكام فيها عن نيف ومائتي آية !!

إن رقابة الله في النفوس المؤمنة مع شريعة الله تعالى المحكمة؛ عملتا على سد باب المشاكل !! وتبقى في مجتمعات المسلمين شيء من المشاكل الناتجة عن ضعف في الالتزام بأحكام الله تعالى، ومن الضعف البشري !! ولذا قدّم الإسلام حلوله للمشكلات الفردية للأفراد، أو مشكلات الفرد مع غيره، أو المشكلات التي تقع بين مجموعات من الناس، أو لمشكلات الفرد مع بيئته !!

نواصل في الحلقة القادمة -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- استعراضا لأنواع المشكلات وحلولها في علوم الإدارة الإسلامية !!

اللهم ارزقنا الفقه في الدين ..

كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .
انشر .. تؤجر ..

الرسالة المفيدة – ٦٧

الرسالة المفيدة (٦٧)

الحلقة الرابعة عشرة من سلسلة علوم الإدارة والإسلام ..

تطبيقات عملية من تاريخ الأمة المسلمة لموضوع القلة المتميزة ..

قبل التطرق لأعظم تطبيق عملي في تاريخ الأمة المسلمة لموضوع الفئة القليلة المؤثرة؛ المستندة إلى توفيق الله تعالى وعونه في أداء عملها، أود أن أشير إلى أمر مهم؛ وهو أن القلة المؤثرة قد تكون آحادا من الناس، وليس بالضرورة أن تكون القلة -دائما- مجموعة متجانسة من الناس !! فقد يكون لعالم من العلماء في مجال من مجالات العلوم -الشرعية أو المادية- أثر ونفع كبير على الأمة !! فالعلماء المجددون قد يكونون أفرادا !! وفي الحديث الصحيح قال صلى الله عليه وسلم: (يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها) [السلسلة الصحيحة (599)] !!

ولو نظرنا إلى كافة مجالات الحياة لوجدنا القلة المؤثرة؛ إمّا أن تكون زرافات من الناس أو تكون وحدانا !! حتى في مجال من يسوس الناس؛ نجد أن عمر بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى كان فردا واحدا مؤثرا !! وفي المجال العسكري نجد القعقاع رحمه الله تعالى كان فردا واحدا مؤثرا !! قال عنه أبو بكر رضي الله عنه “لصوت القعقاع بن عمرو في الجيش خير من ألف رجل” [أسد الغابة (4/390)]، وقال عنه أيضا: “لا يهزم جيش فيه مثل هذا” [تجارب الأمم (1/332)] !! وكذلك كم من تاجر واحد كان له من الأثر الكبير والنفع العظيم على أمته ؟؟!! وقلة من التجار المسلمين ارتحلوا إلى أندونيسيا؛ فأصبحت دولة مسلمة بفضل الله تعالى ثم بفضل تمسك أولئك التجار بقيم دينهم !!

أمّا التطبيق العملي الأهم في تاريخ أمتنا المسلمة لموضوع القلة المؤثرة؛ فهو تطبيق يهم كل الأمم؛ مسلمها وكافرها !! ألا وهو موضوع القوة العسكرية المؤدي بطبيعة الحال إلى تمكين الأمة وفرض احترامها بين الأمم !!

القلة المؤمنة في غزوة بدر فرق الله تعالى بها بين الحق والباطل، قال تعالى: { يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنفال : ٤١] !!

دعونا نتأمل بعض المعالم البارزة لتلك القلة المؤمنة يوم بدر:

أولا: مواطن قوتها: قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ • وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ • وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال : ٤٥-٤٧] !! وهذا جانب من جوانب الإعداد الذي ألمحت إليه في الحلقة الماضية من هذه السلسلة ..
ولذلك بين الله تعالى أن القلة المؤمنة إذا كانت في أعلى درجات استعدادها الإيماني والمادي؛ فإن الواحد منهم يكافئ عشرة من عدوهم !! ثم تتغير النسبة بحسب النزول في الضعف، حتى تصل إلى أن المؤمن يكافئ رجلين عند أدنى حالات الضعف لدى القلة المؤمنة، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ • الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال : ٦٥-٦٦] !!

ثانيا: هزيمة الشيطان -العدو الأكبر- ودحره: وهذا ما تتميز به القوة العسكرية المسلمة، أنها تخطط لدحر الشيطان قبل وبعد تخطيطها لدحر عدوها البشري !! قال تعالى: { وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال : ٤٨]، وقال تعالى: { إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران : ١٧٥] !! [وقد وفق الله تعالى لكتابة حلقات عن العدو الأكبر -الشيطان الرجيم- يجدها القارئ في مدونة فؤاد قاضي] ..

ثالثا: نصر الله تعالى للقلة المؤمنة: لقد نصر الله تعالى القلة المؤمنة يوم بدر بأنواع من النصر والتأييد؛ منها الملائكة -عليهم السلام- يقاتلون معهم، قال تعالى: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال : ٩]، وقال تعالى: { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال : ١٢]، ومن أنواع النصر الأخرى قوله تعالى: { إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال : ١١] !!

وأخيرا: فالأمثلة على التطبيقات العملية لموضوع القلة المتميزة في أمتنا المسلمة كثيرة وفي كافة المجالات، وليس هدفي استقصاؤها، ولكن الإشارة إلى شيء منها ..

نواصل في الحلقة القادمة -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- الحديث عن علوم الإدارة والإسلام !!

اللهم ارزقنا الفقه في الدين ..

كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .
انشر .. تؤجر ..

الرسالة المفيدة – ٦٦

الرسالة المفيدة (٦٦)

الحلقة الثالثة عشرة من سلسلة علوم الإدارة والإسلام ..

مما تفرد به علم الإدارة في الإسلام: العناية بالفئة القليلة المؤثرة؛ المستندة إلى توفيق الله تعالى وعونه في أداء عملها !!

باريتو عالم اقتصاد إيطالي؛ احتفى الإداريون بحديثه عن مبدأ (٨٠ : ٢٠) أو القليل المؤثر؛ الذي يدور حول الإنسان والإنتاج وغير دلك من التطبيقات، فمثلا: ٨٠٪؜ من الإنتاج سببه ٢٠٪؜ فقط من الأهداف المرسومة لهذا الإنتاج !! وهذا يدعو -عند التخطيط مستقبلا- إلى تقليص الأهداف إلى ٢٠٪؜ مؤثرة، بدلا من ٨٠٪؜ هدف لا نحتاج إلى ٦٠٪؜ منها !!

وفَرَحُ الإداريين من غير المسلمين بموضوع القليل المؤثر ليس غريبا، ولا غبار عليه !! فقد كانوا قبل أقل من قرنين يعيشون ظلمات بعضها فوق بعض؛ ليس بشركهم بالله تعالى فقط، بل بجهلهم حتى بالعلوم المادية؛ في وقت ازدهرت فيه حضارة الإسلام العظيمة شرقا وغربا في كافة المجالات !!

لكن الغريب أن يغيب عن أبناء الأمة المسلمة إدراك اهتمام الإسلام بموضوع الفئة القليلة ذات النوعية المتميزة المؤثرة؛ الذي قرره القرآن الكريم والسنة المطهرة، وهو موضوع عرفه رسل الله عليهم السلام منذ القِدم، وطبقوه بتفرد، كما سيأتي بيان ذلك في هذا المقال !!

قال الله تعالى في تقرير أهمية موضوع الفئة القليلة ذات النوعية المتميزة: { كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة : ٢٤٩] !! نلاحظ أن الإسلام جعل الإنسان مدار موضوع الفئة القليلة ذات النوعية المتميزة المؤثرة؛ لأن الأعمال تصدر منه، سواء كان التخطيط ووضع الأهداف، أو التنفيذ !!

لكن الإسلام لم يكتف بإقرار موضوع القلة النوعية المؤثرة؛ وأن مداره الإنسان، بل تفرد ببيان ثلاثة محاور لإنجاح هذا الموضوع المهم:

المحور الأول: ضرورة إعداد القلة المؤثرة حتى تنجح في إحداث الأثر المطلوب، قال الله تعالى في نفس الآية: { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ}، والتربية -التدريب بمصطلح الإداريين- ضرورة ومطلب حتمي لإعداد القلة النوعية المتميزة !! وهذا ما قام به نبي الله تعالى طالوت عليه السلام مع أصحابه في مسألة الشرب من النهر، لتخلص له بعد ذلك القلة النوعية المتميزة؛ الذين أجرى الله تعالى النصر على أيديهم !!

المحور الثاني: استمداد واستنزال الفئة القليلة المؤثرة توفيقها من خالقها العليم القدير !! وهذا ممّا تفرد به الإسلام أيضا في موضوع القلة النوعية، قال تعالى: { كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ}، فالقلة النوعية المتميزة؛ هي كذلك مؤمنة بأنه لا تتحرك ذرة في هذا الكون الفسيح إلا بعلم وتقدير من خالقها سبحانه !!

المحور الثالث: ضرورة استمرار القلة النوعية المتميزة في أداء عملها بالصبر عليه، قال تعالى: { كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}، وقال صلى الله عليه وسلم حينما سئل: أي العمل أحب إلى الله قال: (أدومه وإن قل) [رواه مسلم (216)] !! فلا ينفع الإسلام كثيرا أن تأتي قلة متميزة لتعمل عملا مميزا واحدا ثم تختفي !! إذ لابد من استمرار العمل المميز من القلة النوعية المميزة، والصبر على ذلك، حتى تكون الثمرة كبيرة وجلية ومميزة !!

ولعلنا في الحلقة القادمة نعرض -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- للتطبيقات العملية من تاريخ الأمة المسلمة لموضوع القلة المتميزة !!

اللهم ارزقنا الفقه في الدين ..

كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .