المختصر المفيد – ٥٨

المختصر المفيد (٥٨)

الحلقة الثالثة:  من مقالات مرض الوسواس القهري في تحري الإخلاص !!”
هل تداول مثل هذه التغريدة عليها مسحة من نور الوحيين ؟! أو هو غلو في باب الإخلاص العظيم، ما أنزل الله به من سلطان ؟!”

وصلتني هذه الأيام رسالة يتداولها بعض الناس على الواتس، وفيها:  “إن كانَ الرجلُ ليبكي عشرينَ سنةً وامرأتُهُ لا تَعلم” محمد بن واسع ..

هل هذا الفعل -الذي عرضه صاحب رسالة الواتس في معرض الحمد والاقتداء- حث عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم ؟! وهو القائل : ” رَحِمَ اللَّهُ رَجُلا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ وَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا ، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ “صححه الألباني [صحيح الجامع (3494)] .. هذا الحديث الشريف يمكِّن المرأة أن تعلم أن زوجها يقوم الليل، وقد تسمعه يبكي من خشية الله تعالى، ويمكِّن الرجل أن يعلم أن زوجته تقوم الليل، وقد يسمعها تبكي من خشية الله تعالى !! ولم يأمر صلى الله عليه وسلم أحدا أن يخفي البكاء من خشية الله تعالى !! فكيف بإخفائه عشرين عاما ؟!

ألم يقل الله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء : ١٠٩] ..

ألم يكن يُسمع للرسول صلى الله عليه وسلم أزيز كأزيز المرجل من البكاء ؟! فعن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: “رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء” صححه الألباني [مشكاة المصابيح (959)]

أخشى أن يقع بَعضُنَا فيما وقع فيه النصارى حين تَرَكُوا ما جاء به عيسى عليه السلام، وجعلوا من جُمل يقولها بشر غير معصومين وكأنها وحي منزل ومطهر !! وهذا كثير في النصرانية !!
 
إن توجيه فكر المسلم بمثل هذه التغريدات عن محمد بن واسع رحمه الله تعالى أوغيره في باب الإخلاص -وقد سماها مُرسِل رسالة الواتس تغريدة- خروج عن منهج السلف رضوان الله عليهم ، الذين كانوا يبكون من خشية الله في صلواتهم وتلاوتهم للقرآن ، أفرادا أو مجتمعين ..

ليس الإنسان المسلم ملكا من الملائكة عليهم السلام، حتى يُراد له أن يحلق في مستوى من العبودية ليس له في هذه الحياة على هذه الأرض !!

إن إخلاص السلف رضوان الله عليهم كان قويا، ينبع من معرفتهم لله تعالى، لا يحتاج إلى غلو في باب الإخلاص، كما في كلام محمد بن واسع رحمه الله .. وأمّا ما يوسوس به الشيطان في صدورهم، رضوان الله عليهم، من رياء أو سمعة، فقد عالجه صلى الله عليه وسلم بتعليمهم أن يقولوا: (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، واستغفرك لما لا أعلم ) صححه الألباني [صحيح الجامع 3731]

بل عالج صلى الله عليه وسلم حالة، يخشى كثير من الصالحين أن تكون فيها عُجب أو رياء، وهي سرور المسلم، مثلا، من ثناء غيره عليه، على أثر عمل قدمه مخلصا لله تعالى، فعن أبي ذر – رضي الله عنه – قال: قيل لرسول الله – صلى الله عليه وسلم -: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال: “تلك عاجل بشرى المؤمن”؛ رواه مسلم.

ملاحظة: سبق وأن وفقني الله لكتابة مقالين في مرض الوسواس القهري في تحري الإخلاص، مهمة جدا، كان الأول كتوطئة مهمة في الموضوع، والثاني بعنوان: “صورة أخرى من الوسواس القهري في تحري الإخلاص: عدم التوازن بين إظهار العمل الصالح وبين إخفائه” ..
من أحب الرجوع إليهما، يجدهما في مدونتي على الرابط الذي سبق وأرسلته للقراء الكرام ..

اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل  ….

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
انشر تؤجر  .. والدال على الخير كفاعله .. ولا يحتاح خطيب الجمعة أو غيره، للاستئذان مني في طرح ما يراه مناسبا، ممّا وفقني الله لكتابته، في خطبته أو درسه ..
السبت  ‪٢٦-٤-١٤٣٩‬ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات ..
فؤاد بن علي قاضي

المختصر المفيد – ٥٧

المختصر المفيد (٥٧)

الحلقة الرابعة: بعد أن استعرضنا في الحلقات الماضية المواجهة العقدية الصحيحة في عداوة الشيطان الرجيم، وفق المنهج الرباني –حيث أننا لم نناقش بعد، المواجهة العملية في عداوته- نطرح سؤالا ملحا: ما الذي حصل في فكر بعض أبناء المسلمين من خطأ تجاه عداوة الشيطان الرجيم، حتى سقطوا صرعى مكره وكيده بهذه السهولة ؟!!

إن الفهم الخاطئ لقول الله تعالى: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}[النساء : ٧٦] هو أحد الأسباب الكبيرة وراء نجاح الشيطان الرجيم في إغواء من أغوى من المسلمين، ذلك أن بعض أبناء المسلمين لا يعرف سوى هذا الجزء الأخير من الآية: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}، ولا يحفظ الآية كاملة ولا يعرف تفسيرها، فظن –بالرغم من بيان الله تعالى لشدة كيد ومكر الشيطان الرجيم في مواضع كثيرة في القرآن الكريم- ظن أن كيده ضعيف مع كل الناس، سواء مع من عاداه من المؤمنين الصادقين، أو مع من لم يعاديه، ممن اتخذه ولياً له من دون الله تعالى !! ..

جاء في تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}: “الذين صدَقُوا في إيمانهم اعتقادًا وعملا يجاهدون في سبيل نصرة الحق وأهله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل البغي والفساد في الأرض، فقاتلوا أيها المؤمنون أهل الكفر والشرك الذين يتولَّون الشيطان، ويطيعون أمره، إن تدبير الشيطان لأوليائه كان ضعيفًا.” ..

إذن كيد الشيطان ضعيف أمام المؤمن الصادق الذي يؤمن بأنه حقيقة وواقع يجب ألا يُنسى، كالإمام أحمد بن حَنْبَل رحمه الله، كان يقول عند احتضاره: لا بعد، لا بعد..فلما سئل عن ذلك قال: الشيطان واقف عند رأسي يقول: فتني يا أحمد، وأنا أقول: لا بعد، لا بعد.[البداية والنهاية (10/375)] !!

أمّا من أناخ له القياد، وقال له اركب !! فسيكون كيدالشيطان عليه خطيرا !!

لا شك أن الإمام أحمد رحمه الله كان يتدبر ويتأمل قوله تعالى: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا {} لَّعَنَهُ اللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا {}وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا {} يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا {} أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا} [النساء : ١١٧ – ١٢١] ..

وفيما يلي نستعرض بعض الأمثلة من واقع المجتمعات المسلمة، نبين من خلالها كيف يقود الشيطان كل من استخف بكيده، ولم يتخذه عدوا، ظانا أن كيده ضعيف !! وذلك لضعف إيمانه بوجوده ووسوسته وهمزه ولمزه !!

كيف بالله يعتقد إنسان أن كيد الشيطان ضعيف، أمام ما سأذكره من تقصير من بعض المسلمين في بعض الجوانب، وما ينتج عن ذلك التقصير من خلل عظيم ؟!

التقصير في العمل بشرع الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، سواءً على مستوى الأفراد أو المجتمعات، إلا ما رحِم ربي، واتباع خطوات الشيطان، لدرجة التقليد الأعمى لموضات وصرخات الكافرين، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: “لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه , قالوا اليهود والنصارى , قال فمن الناس ” !!! [متفق عليه]

 التقصير بالاستجابة لتحريشه بيننا نحن المسلمين، قال صلى الله عليه وسلم: “إن إبليس قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم” [رواه مسلم (7281)]، فنتقاطع ونتدابر ونتباغض ويظلم بعضنا بعضا، مع أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لنا بأن نكون إخوة متحابين كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا !!

التقصير في ذكر البعض لله تعالى !! قال تعالى {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المجادلة : ١٩] !!

الركون إلى الدنيا , والكسل عن الدعوة إلى الله تعالى، وهو ما يتمنىاه عدو الله إبليس، ففي الحديث بين صلى الله عليه وسلم كيف يقعد الشيطان للمسلم في أمر الدعوة: ” … ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال تجاهد، فهو جهد النفس والمال، فتقاتل فتُقتل، فتُنكح المرأة ويُقسم المال، فعصاه، فمن فعل ذلك كان حقاً على الله أن يدخله الجنة” صححه الألباني [صحيح الجامع (2532)]، وقد نجح عدونا اللدود في تثبيط كثير من أبناء المسلمين، فبخلوا حتى بأوقاتهم أن يبذلوها في سبيل الدعوة لهذا الدين العظيم ونصرته !!

وأنهي هذه الحلقة بآيات من كتاب الله تعالى، فيها تحذير شديد من عبادة الشيطان، قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ {} وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ{}{وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا ۖ أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ {} هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ {}اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُون} [يس : ٦٠-٦٤] ..
في الحلقة القامة، نبدأ بإذن الله تعالى في طرح المواجهة العملية لهذه العداوة الأزلية للشيطان الرجيم !!

اللهم إنَّا نعوذ بك من الشيطان وشركه ..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
انشر تؤجر .. والدال على الخير كفاعله .. ولا يحتاح خطيب الجمعة أو غيره، للاستئذان مني في طرح ما يراه مناسبا، ممّا وفقني الله لكتابته، في خطبته أو درسه ..
الخميس ٢٤-٤-١٤٣٩ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات ..
فؤاد بن علي قاضي

المختصر المفيد – ٥٦

المختصر المفيد (٥٦)

اسمع إلى ما يطلبه الجهال بالله العلي الكبير، من الرسول صلى الله عليه وسلم: { أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا} [الإسراء : ٩٢] ..  

هكذا يفعل الجهل بالله العظيم، بأصحابه -ينطقون بالمضحك والمخزي والهزيل من القول، {أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا} تأتي لنا بالله وملائكته، فنشاهدهم مقابلة وعِيانًا !! كلام لا يقوله حتى الأطفال- ولذا ليس غريبا أن يقولوا يوم القيامة -معترفين بخطئهم وهم يتنازعون في جهنم مع مَن أضلوهم-: {تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ  • إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}[الشعراء : ٩٧-٩٨]، ثم لم يجدوا تبريرا لما كانوا فيه من جهل بالله العظيم في الدنيا -حينما كانوا يسوون بينه سبحانه وبين أصنام وأحجار كانوا يعبدونها من دون الله تعالى- إلا برمي وتعليق ما أصابهم من خزي وعار وعذاب يوم القيامة على شماعة المجرمين، قال تعالى -حاكيا قولهم-: {وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ} [الشعراء : ٩٩] .. وكأنهم لم يكن لهم عقول يفقهون بها !! وصدق الله تعالى القائل في مثل هؤلاء الجهال: {قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ • مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ • مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ • ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ • ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ • ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ} [عبس : ١٧- ٢٢] ..

ثم انظر كيف انقلب كثير من الجهّال بالله العلي العظيم من كفار قريش، حينما عرفوه سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، انقلبوا إلى قادة إسلاميين عِظام، لم يعرف التاريخ لهم مثيلا !!

وهذا ما يحصل دائما لكل من كان جاهلا بالله العلي العظيم !! ما إن يتعرف على الله تعالى المعرفة الحقة، إلا وينقلب ليصبح من أكبر المؤمنين !! والسحرة في عهد فرعون مثال على هذا التغيير الذي يحدثه التعرف على الله سبحانه، قال تعالى: {قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه : ٧٢] !! مع أنهم كانوا يرجون -قبل لحظات من مقولتهم الإيمانية هذه- القرب والجاه من فرعون !!

وحتى لا تنعكس نتائج الجهل بالله تعالى الوخيمة على العالم كله اليوم -حيث إن العلم بالله تعالى هو أعظم ما يحقق الإيمان لدى غير المؤمن، وأعظم ما يبني الإيمان لدى المؤمن! لذلك لا غنى لأحد عن التذكير بهذا العلم طرفة عين !!- فقد اهتم سلفنا الصالح بالتأكيد على أهمية وضرورة هذا العلم، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: اقتضت رحمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل به معرفين، وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، إذ على هذه المعرفة تنبني مطالب الرسالة جميعها، وإن الخوف والرجاء والمحبة والطاعة والعبودية تابعة لمعرفة المرجو المخوف المحبوب المطاع المعبود .. [الصواعق المرسلة 1/150] . وقال: فالقرآن أنزل لتعريف عباده به .. [الفوائد 180]

وإننا لنجد اليوم -بسبب ضعف العلم بالله تعالى بين المسلمين- أحوالا وأقوالا، لو سمع بها سلفنا الصالح لأنكروها أشد الإنكار، من ذلك:

الضعف في معرفة أن الله تعالى هو الرزاق، أدى إلى ما نراه من خوف وهلع وخشية من الفقر والجوع عند البعض، خاصة إذا ضُيق عليهم في الرزق بسبب الذنوب والبعد عن الله تعالى !!

والضعف في معرفة أن الله هو القوي المتين، أدى إلى الخوف من أعداء الله تعالى من غير المسلمين، عند البعض، وكأن هؤلاء الأعداء بيدهم مقاليد السماوات والأرض !!

أمّا الضعف في معرفة أن الله تعالى سميع وبصير وعليم حتى بخائنة الأعين وما تخفي الصدور ، فقد أدى إلى كل ما نراه من معاص وبعد عن الله تعالى في المجتمعات المسلمة !!

هذا وإن من أجمل ما وصلني من رسائل (رب البيت) هذه الرسالة: “إن أمتنا اليوم بحاجة ماسة -أكثر من أي وقت مضى- إلى تبني مشاريع رائدة، تعنى بقضية العلم بالله تعالى، وإلى بث هذا العلم في مساجدنا، وتعزيزه في مناهجنا، وتربية أبنائنا ومن تحت أيدينا عليه في بيوتنا ومحاضننا..حمايةً لمجتمعاتنا المسلمة من داء الإلحاد، الذي بدأ يتسلل إليها !!” ..

اللهم زدنا بك علما ومعرفة ….

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
انشر تؤجر .. والدال على الخير كفاعله .. ولا يحتاح خطيب الجمعة أو غيره، للاستئذان مني في طرح ما يراه مناسبا، ممّا وفقني الله لكتابته، في خطبته أو درسه ..
الاثنين ١٤-٤-١٤٣٩ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات ..
فؤاد بن علي قاضي

المختصر المفيد – ٥٥

المختصر المفيد (٥٥)
 
الحلقة الثالثة:  بعد أن استعرضنا في الحلقة الماضية شيئا من مواجهة سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم للشيطان الرجيم، نستكمل في هذه الحلقة منهج بعض الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، ثم سلفنا الصالح رضوان الله عليهم في مواجهة الشيطان وجنده –عدو البشرية الأكبر, الذي صادقه كثير من الإنس اليوم بدلا من معاداته، فأخل بأمن الأسر والمجتمعات والدول قاطبة، إلا من رحم الله تعالى- !!
 
بين القرآن الكريم والسنة المطهرة أن الأنبياء من قبله، عليه وعليهم الصلاة والسلام, كانوا أيضا يواجهون الشيطان بجدية متناهية، مبنية على اليقين بوجوده، وشدة كيده ومكره !! فهذا نوح عليه السلام، يواجه الشيطان وحزبه ألف سنة إلا خمسين عاماً، بعد أن زين الشيطان للناس في عهده عليه السلام عبادة الأصنام، * فقد ورد في الأثر أن وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسرا: “أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسِخ العلم عبدت” [روا البخاري 4920] .. ثم جاءهم العذاب، وأغرقهم الله تعالى بالطوفان !! وما نفعتهم آلهتهم التي زينها لهم الشيطان .. *وما حصل في تلك الحقبة، إنما هو إخلال بالأمن تسبب فيه اتباع الشيطان من قبل قوم لا يأبهون به، ولا يحسبون له أي حساب !!

وأمّا نبي الله إبراهيم، خليل الله عليه الصلاة والسلام، فبالإضافة إلى تصريحه عليه السلام أن من أكبر جرائم إبليس، عصيانه لله العظيم، كما قال تعالى: { يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً} ، فقد أخذت عداوته للشيطان منحى جديدا في عهده، حيث شرع الله تعالى له، وللنبيين من بعده، عبادة تُذكِّر المسلمين خاصة، وتذكِّر البشرية عامة، بحقيقة العلاقة بينهم وبين الشيطان الرجيم، الذي جاء التحذير منه في جميع رسالات السماء: بأنها العداوة أبداً حتى يوم الدين، وأنه الرجم له ولمنهجه الخبيث، حتى يرث الله الأرض ومن عليها !! وقد جعل الله رمي الجمار شعيرة تؤدى في محفل كبير يحضره الملايين، ويسمع به جميع البشر ويعرفون تفاصيله، خاصة بوجود الفضائيات والإعلام الجديد، مما مكن العالمين أن يروا هذه العبادة، في كل عام ..
 
منهج الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح في عداوة الشيطان:
 
لا غرابة في أن ينهج الصحابة رضوان الله عليهم نهج نبيهم صلى الله عليه وسلم، ونهج أسلافه من النبيين والمرسلين عليهم السلام في عداوة إبليس، فقد كان صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم، وكانوا يقتفون أثره في كل شيء، ولذا فهم لم يهزموا الشيطان فقط، بل أصبح الشيطان يخافهم، كما بين ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، حينما قال لعمر رضي الله عنه: “لو سلكت فجا لسلك الشيطان فجا غيره” [متفق عليه] !! وأصبح الرجيم ذليلاً حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “إن المؤمن لينضي شيطانه كما ينضي أحدكم بعيره في السفر” !! [السلسلة الصحيحة 3586] ..
 
وهكذا كان سلفنا الصالح، يحذّرون من خطر عدو الله إبليس اللعين، ويصنفون في ذلك الكتب والمصنفات، ومن أنفسها ذلك السفر المسمى “تلبيس إبليس” للإمام ابن الجوزي رحمه الله، فقد نهج ابن الجوزي في كتابه نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وعلماء القرون المفضلة، في بيان خطر العدو الأكبر وتلبيسه الحق بالباطل على عباد الله في كل الأمور !!
 
 عاش ابن الجوزي رحمه الله في القرن السادس الهجري, حيث توفاه الله عام 597هـ .. يعرِض في كتابه، تلبيس  إبليس، لمعظم -إن لم تكن جميع- الانحرافات العقدية والسلوكية التي عاصرها، وبيَن تلبيس إبليس الحق بالباطل لمن اقترف تلك الانحرافات، حتى أنه رحمه الله تتبع تلبيسه على النساء: (بأن تستهين بإسقاط الحمل، ولا تدري أنها إذا أسقطت ما قد نُفِخ فيه الروح فقد قتلت مسلماً، وقد تستهين بالكفارة الواجبة عليها عند ذلك الفعل، فإنه يجب عليها أن تتوب وتؤدي ديته إلى ورثته)!! وانظر إلى جريمة الإجهاض للجنين التي تفنن الشيطان في تزيينها لغير المسلمين في هذا العصر، حتى يسهل لهم ارتكاب جريمة الزنا، التي قبحها الإسلام أشد تقبيح، حتى جعل الرجم عقابا لمرتكبيها المحصنين إذا تبث جرمهم !!
 
 وانظر ما يقوله في تسويف الشيطان لليهود والنصارى: (كم خطر على قلب يهودي ونصراني حب الإسلام، فلا يزال إبليس يثبطه ويقول: لا تعجل وتمهل في النظر، فيُسوّف حتى يموت على كفره) !! هذا وإن إقبال كثير من غير المسلمين على الإسلام، ليدل على أن أضعافهم في العدد، قد ثبطهم إبليس عن قبول الإسلام !!

هكذا اشتمل كتابه على تلبيس إبليس في أبواب العقائد والعبادات، وتلبيسه على أهل الفرق الضالة، وتلبيسه على العلماء والولاة والسلاطين، وعلى الزهاد، والعوام  !!
 
وهكذا كان تصور سلفنا الصالح، وهكذا يجب أن تكون تصورات المؤمنين على مدى تاريخ البشرية، عن عدوهم الأكبر الشيطان كما بين الله تعالى في كتبه، وبينته رسله عليهم الصلاة والسلام في نهجهم، بأنه حقيقة وواقع يجب ألا يُنسى، تماما، كما كان يقينهم بوجود الله سبحانه وتعالى، وتصريفه لملكه، ويقينهم بوجود الجنة والنار !!

نستكمل الحديث في حلقة قادمة بإذن الله تعالى، وفيه أعرض للخلل الكبير في مواجهة الشيطان الرجيم في هذا العصر !!

اللهم إنَّا نعوذ بك من الشيطان وحزبه ..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
انشر تؤجر .. والدال على الخير كفاعله .. ولا يحتاح خطيب الجمعة أو غيره، للاستئذان مني في طرح ما يراه مناسبا، ممّا وفقني الله لكتابته، في خطبته أو درسه ..
السبت ١٢-٤-١٤٣٩ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات ..
فؤاد بن علي قاضي

المختصر المفيد – ٥٤

المختصر المفيد (٥٤)
 
الحلقة الثانية : والتي سأبين فيها، بعد توفيق الله تعالى، المنهج الرباني في مواجهة العدو الأزلي ودحره -عدو البشرية الأكبر، الذي أخل، ولا يزال يخل بأمن الأسر والمجتمعات والدول قاطبة، في جو من التفرج والاستسلام وعدم المقاومة لكيده ومكره من قبل البشرية، إلا من رحم الله تعالى- !!
 
تبين لنا في الحلقة الأولى أن القرآن الكريم صريح في الإشارة إلى أن الشيطان وجنده خلف كل انحراف، وأن المواجهة يجب أن تتوجه إليه أولاً قبل أي عدو آخر من أتباعه، قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر : ٦] ..
 
وفي هذه الحلقة، أعرض -مستعينا بالله تعالى- شيئا من منهج النبي عليه الصلاة والسلام في عداوته لإبليس وجنده !!
 
حينما تكون مواجهتنا للشيطان تنبع من يقيننا بوجوده، وشدة عداوته، كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعل، حينها نكون قد استوعبنا وترسخ لدينا التصور الصحيح عن الشيطان !!
 
نبدأ بوصف رسول الله صلى الله عليه وسلم لحركة الشيطان الرجيم الدؤوبة في الإغواء، قال صلى الله عليه وسلم : (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) متفق عليه .. قال النووي في المنهاج عند شرح الحديث: “قال القاضي وغيره: قيل: هو على ظاهره، وأنَّ اللهَ جعل له قوَّة وقدرة على الجري في باطن الإنسان مجاري دمه،‪ ‬وقيل: هو على الاستعارة لكثرة إغوائه، ووسوسته فكأنَّه لا يفارق الإنسان كما لا يفارقه دمه‪.‬”.. كلا التفسيرين يشيران إلى خطر الشيطان الكبير !!

ونظرة إلى توجيهه صلى الله عليه وسلم في قضية الخلوة بالنساء، نجده صلى الله عليه وسلم يبين لنا خطورة دور الشيطان في هذا الأمر، وتزيينه للمختليين بارتكاب الفاحشة، وذلك بحضوره هذه الخلوة، قال صلى الله عليه وسلم: “لا يخلون رجل بامرأة إلا والشيطان ثالثهما” [صحيح الجامع 2546]، هذا ما يقوله محمد صلى الله عليه وسلم، رحمة بأمته أن يزلها الشيطان، قال تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا () يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء : ٢٧-٢٨] ..
 
أما ما يقوله غير المسلمين، الذين يلعبون بالنار في تعاملهم مع الشيطان، حيث لا يشغلهم أمره البتة !! وينظرون لمنع الخلوة، بأنه اتهام للناس بضعف في الشخصية، واتهام للرجل والمرأة على عدم القدرة على التحكم في غرائزهما !!

هذا هراء !! فهم هنا يكذبون مرتين، أولا: تكذيبهم لله تعالى وحكمته في تشريعه، وهو أعلم سبحانه بمن خلق !! وقد خلق الإنسان ضعيفا !! وتحريم الخلوة لا علاقة له بتهمة ضعف الشخصية، فالجنس ليس مجالا لاستعراض قوة الشخصية أو بيان ضعفها، إنما مجال قوة الشخصية وضعفها، يكون في ميادين البذل والتأثير وامتلاك النفس عند الغضب !!
كان ذلك دحضا للفرية الأولى !!
أما الثانية: فأين التحكم والسيطرة على النفس عندهم، ومجتمعات الإباحيين -من أهل الكتاب والمشركين- تشتعل ناراً من سعار الشهوة الهابط والشذوذ وجرائم الاغتصاب، وغيرها من جرائم الجنس، التي ليس لها سبب، إلا القوانين البشرية التي تمردت على منهج خالقها وموجدها، وسمحت بالسفور والخلوة بين الجنسين، زاعمين أنها المساواة ؟!! لكنها والله، المعاناة التي تعاني منها النساء قبل الرجال، في عصر ابتعد الكثير فيه عن هدي الإسلام، دين السلام الحقيقي للأفراد والمجتمعات ..
     
وكذلك من هديه صلى الله عليه وسلم في مواجهة الشيطان، توجيهه صلى الله عليه وسلم بالحفاظ على جماعة المسلمين، والتحذير من الفرقة التي جعلها من عمل الشيطان، حيث قال صلى الله عليه وسلم: “من أراد منكم بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد” .. [صحيح الجامع 2546]
ومن خبث الشيطان ومكره، أنه مع حرصه على تفريق جماعة المسلمين وشق صفهم، حريص على توحيد صف حزبه حول هدف إغواء البشرية، واسمع إلى قوله تعالى الذي يتضح فيه عمل الشياطين الجماعي، قال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ۗ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام : ١٢١] ، فالشياطين على كلمة رجل واحد، ويوحون إلى أوليائهم من الإنس كلاماً واحدا، وهذا العمل الشيطاني، يُعد من التخطيط الاستراتيجي في علم الإدارة، حيث حلل الشيطان نقاط القوة والضعف في الإنسان وبيئته، وعرف أن اجتماع المسلمين نقطة قوة يرتكزون عليها، فعمِل على إضعافها !! فليحذر المسلمون من الفرقة فإنها عذاب ووبال، وليحافظوا على اجتماعهم ففيه الرحمة، وليتذكروا خطاب الله سبحانه وتعالى لهم بصفة الجماعة،(يا أيها الذين آمنوا)، وما قال سبحانه (يا أيها المؤمن) !!

وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يفضح الشيطان باسمه -خنزب- وهو شيطان يوسوس للمصلين، وعلمهم صلى الله عليه وسلم كيف يطردونه، مما رسخ لدى الصحابة رضوان الله عليهم وجود عالم الجن والشياطين , وأنه واقع يجب التعامل معه وفق منهج الإسلام ..

 ومن ذلك تعليمه، صلى الله عليه وسلم, عند دخول الخلاء، أن نقول بسم الله، حتى نمنع الشيطان من رؤية عوراتنا، قال صلى الله عليه وسلم: “ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم ، إذا دخل أحدهم الخلاء، أن يقول بسم الله” صححه الألباني [صحيح الجامع 3611] ..

إنه فضل الله علينا، أن بعث إلينا الرسول صلى الله عليه وسلم, يعلمنا كل شيء عن عدو البشرية الأكبر، حتى نحذره ولا نتبع خطواته !!    

نستكمل الحديث في حلقة قادمة بإذن الله تعالى ..

اللهم إنَّا نعوذ بك من الشيطان وحزبه ..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
انشر تؤجر .. والدال على الخير كفاعله .. 
الثلاثاء   ٨-٤-١٤٣٩ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات ..
فؤاد بن علي قاضي

المختصر المفيد – ٥٣

المختصر المفيد (٥٣)

أنشأت الدول مراكز دراسات لكل ما يُتصور أنه قد يخل بأمنها !! ما عدا العدو الأكبر للبشرية، لم تعره ولا حتى جزءاً مما بينه الله تعالى عن عداوته الأزلية للبشرية، وعن المنهج الرباني لمواجهته !! ..

إن هذا الخبال الذي أطبق اليوم على كوكب الأرض من صنيعه !!
أقوى الناس صلة بالله تعالى -الأنبياء عليهم الصلاة والسلام- لا يفتأون يذكرون خطره على أمن الفرد والمجتمع، قال موسى عليه السلام عن هذا العدو الأكبر: {إنه عدو مضل مبين}[القصص : ١٥] ..

عدو أقسم بخالقه تعالى فقال: (وعزتك وجلالك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم)  حسنه الألباني [صحيح الجامع 1650] .. يكيد للبشرية منذ آلاف السنين، وإلى يوم يبعثون .. تراكمت لديه خبرات الإغواء، ووسائل إشعال الفتن والحروب، حتى حلت ضروب الفساد في البلد الواحد، ما كان مفرقا في غابر الزمان على جمع من البلدان ..

حزب إبليس جيش جرّار، يزيد تعداده على سبعة مليارات من الجن .. ذلك أن لكل إنسان قرينه .. يتبرأ كل منهم يوم القيامة من إضلال صاحبه : {قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} [ق : ٢٧]، تماما كما سيتبرأ قائدهم إبليس من إضلال الناس يوم القيامة، في خطبته التي سطرها لنا القرآن الكريم في سورة إبراهيم عليه السلام، حتى نحذره ونعاديه !! أضف على هذا الجيش الجرار من الجن، أتباع إبليس من أبالسة الإنس !!

عدو ؛ لديه ولجنوده من الحماس والإصرار ما لا يتصوره عقل بشر .. حماس وإصرار يدفعانه للعمل على إضلال جميع الفئات، في كل الأوقات، وعلى كافة المستويات، فهو مع الصغير من ساعة ميلاده يمسّه، وفي كل لحظات حياته المحدودة، وعند الممات، ولذا فمن المأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (… وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت)صححه الألباني [صحيح الجامع 1282] .. يبدأ بالمكر بالإنسان منذ استيقاظه، وفي أحلامه خلال نومه، ومع دخوله وخروجه، وأكله وشربه ومضاجعته لأهله .. ما سلِم منه صغير ولا كبير، ولا صحيح ولا مريض، ولا رجل ولا امرأة، ولا صائم ولا قائم !! ..

إن أسلوب المنهج الرباني، في مواجهة العدو الأكبر -الشيطان- يختلف عن أسلوبنا الضعيف كُلية، مما جعله يعلو وينتصر ويأخذ النصيب الأكبر من البشرية معه إلى النار، إذ يوم القيامة،حينما يأمر الله تعالى آدم عليه السلام أن يخرج من ذريته بعث النار، فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعا وتسعين في النار، وواحدا في الجنة !! ونحمد الله تعالى أن جعل أمة محمد عليه الصلاة والسلام أكثر من نصف أهل الجنة كما بين المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفي هذا دليل على خيرية هذه الأمة ..

المنهج القرآني صريح في الإشارة إلى أن الشيطان وجنده خلف كل انحراف، وأن المواجهة يجب أن تتوجه إليه أولاً قبل أي عدو آخر من أتباعه، وِفق المنهج الرباني الذي سيأتي بيانه في مقالات لاحقة بإذنه تعالى:
فمن ذلك عصيانه الصريح للرحمن سبحانه وتعالى ..
وكذلك إخراجه لآدم وحواء عليهما السلام من الجنة
وقوله الصريح للإنسان اكفر ..
وأنه يريد أن يضلنا ضلالاً بعيدا ..
وأنه استزل الذين تولوا يوم التقى الجمعان ..
ومن ذلك بيان القرآن أن البعض اتخذوه ولياً ..
وبيان أن الشياطين كفروا إذ يعلمون الناس السحر ..
وأنهم يتنزلون على كل أفاك أثيم ..
ومن ذلك وحيهم إلى أوليائهم من المشركين ليجادلوا الذين آمنوا ..
ومن ذلك أنه يستحوذ على الإنسان وينسيه ذكر الله ..
ومن عمله وكز موسى عليه السلام للرجل فقتله ..
وأنه يأمر بالفحشاء والمنكر
وأنه يقود الذي ينسلخ من آيات الله فيغويه ..
ومن ذلك التحريش بين المؤمنين ..
وتزيينه للخمر والميسر والأنصاب والأزلام
وتزيينه أعمال الأمم من قبلنا وصدهم عن السبيل ..

إن ما مر معنا من عداوة للشيطان , وغيره كثير في كتاب الله تعالى، يؤكد على مفهوم مهم، وهو أن الحيز الذي يشغله الشيطان من تفكيرنا واهتمامنا في عداوتنا له، يجب أن يكون كبيراً، يتناسب مع حجم مكره وهمزه ولمزه ووسوسته، هو والمليارات المتزايدة من جنده، وحاشاه سبحانه أن تكون هذه الآيات التي تحذر من خطورة الشيطان، أُنزلت للتلاوة والبركة فقط ..

اللهم إنَّا نعوذ بك من الشيطان وحزبه ..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
انشر تؤجر .. والدال على الخير كفاعله .. 
الأربعاء   ٢-٤-١٤٣٩ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات ..
فؤاد بن علي قاضي

المختصر المفيد – ٥٢

المختصر المفيد (٥٢)

ماذا نعرف عن الحنيفية السمحة ؟!

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أمّا بعد

قال تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} [النحل : ١٢٣]

الحنيفية: هي الإسلام: منهج حياة صحيح قويم، لا باطل فيه ! اختاره الله تعالى للإنسان ، ليعيش وفقه في هذه الدنيا، فيسعد سعادة لا توازيها سعادة …

وعلاقة الإنسان بخالقه -منزل هذا المنهج- خلال دنياه وآخرته، هي علاقة الكرم من الله تعالى لعباده، قال تعالى في أول ما أنزل من قرآن كريم على رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم: {اقرأ وربك الأكرم} [العلق : ٣]

يبدأ كرم ربنا، ببناء دينه ومنهجه على أركان عِظام يحتاجها الناس أشد من حاجتهم إلى الماء والهواء .. فبعد الشهادتين، أكرمه ربه بالاتصال به، في صلاته .. وأمره بالارتفاع بروحه على رغبات جسده، بصيامه .. وأوجب عليه العطف على الفقراء إذا كان موسرا، بإخراج زكاته .. وإذا استطاع، قام بحج بيته تعالى، الذي زاره الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام، تعميقا للحنيفية التي كان عليها الخليل إبراهيم -باني البيت عليه السلام- في قلب المؤمن ونفسه ..
فانظر إلى سماحة هذا الدين ويسره، وحاجة البشرية -التي جمعت بين الفقراء والموسرين، والجهال والمتعلمين- إلى هذه الأركان، قال تعالى عن دينه السمح: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} [البينة : ٥] ..

وحتى تستمر سماحة هذا الدين الحنيفي، بكرم من ربنا الأكرم، نجد أن هناك صمامات أمان لابد من الوعي بها والعمل بموجبها:

أول صمام أمان لاستمرار سماحة هذا الدين، أنه لا يحتاج إلى زيادة في العبادات، تجعل المسلم في حرج من أمره ! حيث لديه ما يشغله ويكفيه من النشاطات الخاصة .. أكل وشرب للطيبات .. وتزين باللباس وتزوج للنساء .. حيث يختلط التلذذ والاستمتاع بكل هذه الطيبات بمعنى العبادة، في منهج رباني بديع، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم عن الجماع : (وفي بضعِ أحدكم صدقةٌ) قالوا: يا رسولَ اللهِ ! أياتي أحدنا شهوتَه ويكون لهُ فيها أجرٌ؟ قال: (أرأيتم لو وضعها في حرامٍ أكان عليه فيها وزرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلالِ كان لهُ أجرًا).[رواه مسلم 1006]

كذلك لا يحتاج إلى نقصان فيما فرض عليه من عبادات، تجف معه روحه العطشى لحياة الإيمان بالله خالقه العلي الكبير !! .. ويكفي بمنهج الإسلام سماحة أن جعل الله له الأرض كلها مسجدا وطهورا .. أينما أدركته الصلاة، صلى ..

إنه المنهج الرباني السمح الذي يَدَعُ الإنسان -خارج أوقات عباداته، وخارج ساعات أخذ حقوقه وأداء واجباته- يمارس ما يحب من مختلف أنواع النشاطات الإيجابية الأخرى، التي لا تصطدم -بفضل الهدي الرباني- مع فطرته وكيانه .. نشاطات تنفعه وتنفع مجتمعه .. كان من أهمها وأعظمها: دعوة الناس إلى تفهم هذه الحنيفية -التي لا ترتاح النفس البشرية إلا بتبنيها- في رحلة الحياة القصيرة على هذه الأرض الصغيرة، حيث قد فطره الله عليها ..

ثاني صمام أمان: في علاقاته مع الغير، أن وضع له ربه الأكرم في هذا الدين السمح واجبات وحقوقا، يسعد بها الجميع .. وحذره في هذه العلاقات من أن يتجه بها نحو منهج مخلوق آخر يسمى الحيوان، قال تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} [الفرقان : ٤٤] .. فالحيوان مسموح له الاقتتال على أنثاه ، بخلاف الإنسان الذي له طريقه الراقي في الاقتران بشريكة حياته: من خطبة، ثم عقد، فزواج على سنة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ..
ولا يتطلب منه منهجه التطلع إلى الارتقاء نحو منهج مخلوق ثالث سماههم الله تعالى بالملائكة الكرام، عليهم السلام ..

فلا حياة الحيوان والغاب تصلح له .. ولا حياة الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم تصلح له ..
فلا رهبانية في الإسلام، كتلك التي ابتدعها النصارى !!
لا يصلح للإنسان، الذي كرمه الله تعالى، إلا المنهج الذي وضعه الله تعالى للإنسان، بضعفه وشهواته، وتطلعاته وآماله !!

ثالث صمام أمان لحفظ هذا المنهج الحنيفي السمح: ألا يبغي بعضهم على بعض، قال تعالى عن هذة الآفة القديمة في تاريخ الإنسانية، والتي طالما تسببت في افتراق الناس واحترابهم: {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ..}[الشورى : ١٤] ..

ثم أراد له الكريم الأكرم سبحانه بعد هذه السعادة الدنيوية اللذيذة المبهجة -وفق المنهج الحنيفي السمح- سعادة أخروية عظيمة خالدة، بالقرب منه سبحانه: خالقه ورازقه ومحييه ومميته .. قال تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية … جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه}[البينة : ٧-٨] ..

وأخيرا : فهذا حديث قدسي عظيم، يقول فيه صلى الله عليه وسلم : (يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً) رواه مسلم .. وفيه دليل على سلامة فطرة الإنسان، كما يذكرنا الحديث بأن عدو الإنسانية الأكبر والأزلي هو الشيطان الرجيم !!

اللهم ارزقنا الاتباع وجنبنا الابتداع ..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.

انشر تؤجر .. فالدال على الخير كفاعله ..
السبت   ١٤-٣-١٤٣٩ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه‫ ‬: فؤاد بن علي قاضي.

المختصر المفيد – ٥١

المختصر المفيد (٥١)

سينفر المسلم من أي زيادة في دينه أو نقصان، إذا علم أن ذلك سيحرمه من أجمل وأروع وأعظم وأفضل وألذ أمر اراده الله تعالى له في هذه الحياة الدنيا !!

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أمّا بعد ..

فإن أظلم وأبشع ما قد يصل إليه الإنسان في علاقته بربه، هو حين يبلغ به الظن، أن الغني سبحانه، المحيط بكل شيء علما، القادر على كل شيء، المحيي المميت، من له الأسماء الحسنى والصفات العُلى، لا يمكن التقرب إليه إلا ببركة إنسان مثله !! عندها يقلب هذا الإنسان حريته على هذه الأرض إلى عبودية لغير الله، في شكل من أشكال العبودية المختلفة المتعددة ..

ولذا ليس غريبا أن يستنكر بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، وبشدة، من أن يضيف المسلم ولو حرفا في كلامه، يعطي به بشرا، كائنا من كان، شيئا من خصائص من له الملك كله العلي الكبير !! فقد أنكر صلى الله عليه وسلم على من قال له: ما شاء الله وشئت، وقال مغضبا ” أجعلتني لله ندا، بل ما شاء الله وحده” !! صححه الألباني [السلسلة الصحيحة 1/266] ..
يغضب صلى الله عليه وسلم ذلك الغضب مع علمه بالمكانة التي أرادها الله له، حيث يُرفع ذكره في الأذان كل يوم خمس مرات في أرجاء المعمورة، وجعل سبحانه اتباعه صلى الله عليه وسلم علامة محبة المؤمن لله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} [آل عمران : ٣١] !!، وحينما قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك” رواه البخاري ..
.. لكنه صلى الله عليه وسلم يغضب غضبا شديدا من جعْلِهِ ندا لله تعالى، بل ويحذر من الغلو في إطرائه، خشية الانزلاق نحو المحذور ، قال صلى الله عليه وسلم : “لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم .. ” رواه البخاري، ويأمره ربه أن يقول للناس أنه لا يعلم الغيب، قال تعالى : {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون} [الأعراف : ١٨٨] !!

إنه غضب المصطفى صلى الله عليه وسلم من أن يفقد الإنسان أجمل وأروع وأعظم وأفضل وألذ أمر أراده الله له في هذه الدنيا: الصِّلة المباشرة بربه، حين يظن أنه غير مؤهل لهذه الصِّلة إلا عن طريق من هو أقرب منه -في ظنه- إلى الله تعالى !!

زيادة حرف واحد أغضبه، صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن يجعل الحرف حروفا وكلمات، نثرا وشعرا، ثم طقوسا، لتتلبد بها الغيوم، مكدرة صفو الصِّلة بالله تعالى، التي أراد الله تعالى أن يحظى بها ويفيئ إليها حتى العامي من عباده، بسيط الثقافة والكلام ؟!

لقد كان صلى الله عليه وسلم يستمتع بهذه الصِّلة في كل أحواله، ويريد لغيره أن يستمتع بها كذلك، لأنه يمارس بذلك تعظيم الله تعالى حقيقة، حين يقر ويعترف أن الله سميع بصير ، يسمع كل مخلوقاته في نفس اللحظة، بدون وسيط، ومن دون أن يختلط عليه صوت عن صوت، ويرى كل مخلوقاته في نفس اللحظة،بدون وسيط، ومن دون أن يختلط عليه مشهد عن مشهد، قال تعالى: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير} [لقمان : ٢٨] ..

وقبل أن انتقل بالقارئ الكريم إلى ظلمة أخرى من ظلمات الزيادة أو النقص في هذا الدين الحنيفي السمح، أطرح سؤالا جميلا: هل ثمّن الواحد منا قيمة لحظة من عمره، اتصل فيها برب الأرباب وملك الملوك سبحانه، بصدق ؟! فكيف وهذا الملك ذو الجلال والإكرام، هو سبحانه من يتودد إلى عباده ليتصلوا به، العمر كله، وليس لحظة واحدة، بذكره آناء الليل وأطراف النهار ؟!

وحتى تثمّن لحظة صلة بالله سبحانه -ولله المثل الأعلى- فانظر كم يدفع ويبذل البعض، في زمن العجائب الذي نحن فيه، ليلتقي بشرا مشهورا ذي جاه ومكانة كبيرة ؟! في الغالب، لا يمكنه التواصل معه طوال حياته !! ويظل يحلم برؤيته ولو لدقائق معدودات !!

ما ذكرته أعلاه ظلمة في التصور، ثم أُثني بظلمة أخرى متعلقة بالعمل، تحصل حين يختار الإنسان طريقة غير التي اختارها له ربه في مناجاته .. فقد اختار الله لنا أن نصلي في جماعة وأن نحج بالملايين، ويصوم المسلمون كلهم .. كل هذه وغيرها صور لعبادات تؤدى في جماعة .. لكنها كلها لا تكون المناجاة لله تعالى فيها إلا فردية !! .. كل مصل يناجي ربه منفردا، وكل حاج أو معتمر يناجي ربه منفردا، وكل صائم يقرأ القرآن لوحده ويدعو الله لوحده .. هكذا هي عباداتنا صورتها جماعية، ولكن المناجاة فيها فردية .. حتى يبقى أجمل وأروع وأعظم وأفضل وألذ ما أعطانا الله في هذه الدنيا كما أراده الله، صلة به مباشرة .. يتنافس فيها الناس، بدون أن يشتت أحد على أحد تركيزه، حين يناجي ربه .. والذكر من أجل العبادات التي سنها الإسلام للمسلم، يناجي من خلالها ربه سبحانه، ولا تكون المناجاة فيها ولا تصلح إلا بأن تكون فردية، ولذلك أنكر ابن مسعود رضي الله عنه على من أخذوا يناجون الله تعالى بذكر جماعي، فقال كلاما مغضبا: (ما أسرع هلكتكم يا أمة محمد ..)صححه الألباني [السلسة الصحيحة 2005]، إنه نفس الخوف الذي خافه رسوله صلى الله عليه وسلم من قبل، أن يفقدوا أجمل وأروع وأعظم وأفضل وألذ ما أعطاهم الله في هذه الدنيا: الصِّلة به سبحانه ومناجاته فرديا ..
أمّا عندما يحرص ويركز على خروج صوته متناغما مع الذاكرين معه، فسيفقد بهذه المناجاة الجماعية، التركيز على فهم المعاني التي يقولها في ذكره لله تعالى !!

والمناجاة الفردية لا تقتصر على المؤمنين فقط، بل شملت كل مخلوقات الكون، قال تعالى: {ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون} [النور : ٤١]، قال أهل التفسير: “ألم تعلم – أيها النبي – أن الله يُسَبِّح له مَن في السموات والأرض من المخلوقات، والطير صافات أجنحتها في السماء تسبح ربها؟ كل مخلوق قد أرشده الله كيف يصلي له ويسبحه. وهو سبحانه عليم، مُطَّلِع على ما يفعله كل عابدد ومسبِّح، لا يخفى عليه منها شيء، وسيجازيهم بذلك.”
إن المناجاة الفردية بين العبد وربه، تعد سدا منيعا موصدا أمام شتى أنواع البدع، وهي النتيجة الطبيعية لزيادة الصِّلة مع الله تعالى الملك القدوس ..

هذه حقيقة ديننا الكبرى التي أضاعتها كل الأديان، حتى دخلوا في ظلمات ليس فيها حتى بصيص صلة بالله تعالى ، بعد أن تبوأ البشر من أحبارهم ورهبانهم مكان الإله ، لا لشيء إلا ليأكلوا أموال الأتباع بالباطل، قال تعالى عن أهل الكتاب: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ..}[التوبة : ٣٤] ..

هكذا أرادها الله تعالى، أبوابا مفتوحة بينه وبين عباده، لا واسطة فيها، ولا حواجز !!!

فالله الله أهل الإسلام !! لا تزيدوا في دينكم شيئا ولا تنقصوا منه ، قال صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) متفق عليه، حتى يبقى أجمل وأروع وأعظم وأفضل وألذ أمر أراده الله لعباده: صِلة مباشرة به سبحانه بدون وسائط، ومناجاة فردية معه، في هذه الحياة الدنيا ..

اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا .. وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان .. واجعلنا من الراشدين ..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
انشر تؤجر .. فكثير من الناس بحاجة لاستيعاب هذا الموضوع الجلل .. والدال على الخير كفاعله .. 
السبت   ٧-٣-١٤٣٩ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه‫ ‬: فؤاد بن علي قاضي.

المختصر المفيد – ٥٠

المختصر المفيد (٥٠)

يقولون لضعيف الإيمان: ما هذا الالتزام الأجوف ؟! .. والحقيقة هي !!

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أمّا بعد ..

‏فقد وصلتني اليوم رسالة من أخ فاضل، هذا نصها العظيم: “تقوم حقيقة ذِكْر الله على استحضار العبد عظمة ربِّه في كلّ أوقاته وأحواله بلسانه نطقاً ومقالاً، وبقلبه يقيناً واعتقاداً، وبجوارحه طاعة وامتثالاً، لأمره فعلاً، ولنهيه تركاً” ..

فوجدتها تحتاج إلى مقال -ليس لشرحها، فهي كلمات مباركات يعترف بها ويعيها المسلم- لكن تحتاج إلى مقال يستحضر في صياغته مشاكل العصر، حتى تتمكن معاني هذه الرسالة العظيمة من التسلل إلى قلب القارئ، فتستقر فيه، ومن ثم يخاطب قلبُه عقله قائلا: لا تتحرك بجوارحي كلها، إلا في مرضاة العظيم سبحانه وتعالى !!..

نحن في زمن الانبهار بحضارة مادية عاتية، اجتمع بسببها في قلب البعض من المسلمين، حب الله، مع ضعف في اليقين بأنه أقرب إليهم من حبل الوريد، وأنه سبحانه يحول بين المرء وقلبه !! .. فتجده يخاف ويخشى كل شيء، إلا الله تعالى !! وفي المقابل انظر إلى يقين إبراهيم عليه السلام في الله تعالى، ماذا قال لعدوه البشري -مع أن عدوه، الذي كان يمكن أن يبطش به، لا يبعد عنه خطوات- قال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام : {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} [الأنعام : ٨١] .. الذي دفع لسان الخليل عليه السلام ليصدع أمام عدو يبعد عنه خطوات، هو قلبُه الموقن أن ربه أقرب إليه من حبل الوريد .. فمن تراه عليه السلام يخشى إذن ؟!

مثال آخر نعرض فيه طريقة البعض في التعامل مع الغفور الرحيم، شديد العقاب .. لا يتوب إليه !! .. لا لأنه لم يسمع درسا أو يقرأ مطوية عن التوبة وفضلها !! بل لأنه يتصرف كالمستغني عن الله تعالى، فهو قد بات آكلا شاربا مكسوا، -زاعما أن كل ذلك بكسب يديه، وبفضل قدراته الذاتية، التي طورها بدورات رفع الثقة بالنفس والذات !!- وفي المقابل انظر إلى هود عليه السلام -والأنبياء عليهم السلام، أعظم الخلق في طاعة الله باتخاذ الأسباب، والبعد عن سؤال الناس- كان يقين هود عليه السلام في الله تعالى يملي عليه أن ما به وبالناس من نعمة فهي من الله !! ثم يذكرهم بعقابه لو نسوا ذلك وعصوه، قال تعالى: {واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون .. أمدكم بأنعام وبنين .. وجنات وعيون .. إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} [الشعراء : ١٣٢-١٣٥]، وانظر قبل ذلك وبعده إلى كثرة استغفار النبي صلى الله عليه وسلم وتوبته في المجلس الواحد !!

ومثال ثالث محزن: حتى بعض الدعاة هداهم الله، وصل بهم الحال إلى الزهد بإلقاء كلمة في مجلس، فيها تعليم الناس الخير، وأمر بمعروف أو نهي عن منكر -مع أن الكلمة الطيبة صدقة، كما بين المصطفى صلى الله عليه وسلم، أيا كان نوعها، قصيرة أو محاضرة- وبات يؤمن بتقديم البرامج التفاعلية فقط- ومع إيماني بفائدة البرامج التفاعلية، لكن ليس على حساب إلغاء توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم بعظمة الكلمة الطيبة- وكأن هداية الخلق ليست بيد ملك الملوك سبحانه، الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء، قال تعالى: {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون} [النحل : ٩٣]، بل أقول إنّ صِدق وحرارة إيمان الداعية، وكلامه الطيب، لابد وأن تجده في أي مكان حل فيه، ولا ينتظر حتى ينتظم في برنامج تفاعلي !! لأنه داعية قبل البرنامج، وخلاله، وبعده !!

ومثال أخير، أكثر ألما على النفس من سابقيه: نسوة في مجتمعات المسلمين، قلة ولله الحمد، تركن التأسي بمريم بنت عمران عليها السلام وعائشة وخديجة رضي الله عنهما، وخرجن علينا بهاشتاقات -لا لرفع ظلم صريح مسهن – لكن ليبثوا في المجتمع، تأسيا بكافرات فاجرات في الغرب !! بأن قوامة الرجل على المرأة أمر لا يليق بهذا العصر !! -زعموا، وكأن الله تعالى لم يشرع التكامل بين الزوجين لاختلاف تكوينهما !!- هداهن الله لمعرفة عظمته وعظمة دينه ، ومعرفة كيف كرّم الإسلام المرأة، التي كانت تعُدها ثقافة الغرب -قبل مائة عام فقط- مخلوقا نجسا شريرا، تسبب، كما يزعمون، في إخراج آدم عليه السلام من الجنة !!

إن البعض لن يخرج من التعامل مع الله تعالى بهذه الطريقة الخاطئة أو تلك، إلا بالرجوع للقرآن الكريم، وتلاوته بتأن، ليفهم ويتدبر، ويعيد بهذه التلاوة المتأنية (ورتل القرآن ترتيلا) [المزمل: ٤] تصوره الصحيح لإلهه الحق !! فيجلّه ويطيعه لاعترافه بأنه خالقه وسيده، ويخشاه، فلا يظن أنه لا يطاله عقابه .. وهكذا حتى يعود بمعرفة حقيقية لربه، تجعله يقر بأنه بشر عبد، وأن ربه رب قدير، قد أحاط بكل شيء علما .. !!!

اللهم توفنا مسلمين .. وألحقنا بالصالحين .. غير خزايا ولا مفتونين ..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
انشر تؤجر .. فالدال على الخير كفاعله .. 
الخميس   ٥-٣-١٤٣٩ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه‫ ‬: فؤاد بن علي قاضي.

المختصر المفيد -٤٩

المختصر المفيد (٤٩)

(ليريهما سوآتهما) .. [الأعراف : ٢٧]

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،  أمّا بعد …

فإن من أوائل الذنوب التي حذّر الله تعالى منها البشرية -بعد الشرك به تعالى- هو إغواء الشيطان لهم بالتبرج والسفور ! فقد نادى الله تعالى الناس في آيتين: بيا بني آدم, مصرحتان بضرورة الستر باللباس الشرعي, للرجال والنساء سواء, وخطورة التبرج والسفور, قال تعالى: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون} {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون} [الأعراف : ٢٦-٢٧]

ولا عجب في هذا التحذير من خطر التبرج والسفور، من لدن العليم الحكيم، فقد عانت منه البشرية خلال تاريخها الطويل، ثم بلغت ذروة معاناتها منه في هذا العصر, حيث انتشرت الفاحشة، وانتشر الشذوذ بما لم يتصوره أحد من قبل .. وتفشت في البشرية الأمراض التي لم تكن معروفة .. بل لقد بلغ إبليس الذروة في إغواء البشرية في هذا الباب من الشر في عصرنا, حتى زين للكافرين أن يحموا الشذود الجنسي -زواج الشاذين والشاذات، التي هي الانتكاسة الصارخة عن الفطرة- بقوة القانون .. فأجازوه بتشريع يحميه النظام, وتجاهلوا عقاب الله تعالى لأمثالهم الشاذين من قوم لوط عليه السلام، بأشد العذاب, قال تعالى: {أتأتون الذكران من العالمين} {وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون} {قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين} {قال إني لعملكم من القالين} {رب نجني وأهلي مما يعملون} {فنجيناه وأهله أجمعين} {إلا عجوزا في الغابرين} {ثم دمرنا الآخرين} {وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين} [الشعراء : ١٦٥-١٧٣]

وقبل تشريع زواج المثليين بأمد بعيد, كانوا قد شرّعوا لأنفسهم استحلال فاحشة الزنا, شريطة رضى الطرفين, والعياذ بالله .. ثم ابتدعوا معه قوانين منع التحرش -الذي لا يوقف الفاحشة، في جو مشبع بسعار الجنس ولهيب الشهوة، إلا كما توقف تعليمات السلامة اشتعال الحريق في مكان مشبع بغاز سريع الاشتعال- وكان نتيجة ذلك فشل هيئات الصحة العالمية وما يتصل بها من مراكز للدراسات الطبية، في محاولاتها القضاء على خطر الأمراض الجنسية الفتاكة والمتزايدة، بالرغم من التقدم الهائل في مجالات العلوم الطبية المختلفة, وذلك للخلل الاستراتيجي الكامن في عدم النظر للأسباب الحقيقية التي كانت خلف انتشار هذه الأمراض، مع كونهم أعلم الناس بالتخطيط الاستراتيجي الفعّال, ولذا فقد ضمّن الله تعالى قرآنه الكريم، ما يحتاجه العالم اليوم كهدف استراتيجي لنجاح هيئاته الصحية، وهو ألا يقترب الإنسان من كل ما يدعو إلى الفاحشة، من تبرج وسفور وصور وأفلام خادشة للحياء : {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} [الإسراء : ٣٢] كما بين صلى الله عليه وسلم العقاب الرباني الذي ينزل على المتبجحين بإعلان الفاحشة -والذي أصبح تجارة إعلامية تروج لها الكثير من القنوات الفضائية غير المحافظة والمجلات الفاضحة، بل ونشروها في الفضاء، لتكبر بذلك جريمة إعلان الفاحشة، بتنزيل مرضى القلوب لها في جهاز اسمه الجوال- فبين صلى الله عليه وسلم العقاب: (وما ظهرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها، إلا ابتلوا بالأمراض والطواعين التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا) صححه الألباني [صحيح الجامع ٧٩٧٨]..
ولن تقل وتنحسر هذه الأمراض، ولن ينفكوا من هذا الفساد، وما ترتب عليه من عقاب رباني، إلا بعبادة ربهم واتباع ما أتاهم من بينة !!

من أفواههم نعرف حجم العقاب الذي أنزله الله تعالى عليهم لننصحهم:
في محاولة من طبيب أمريكي غير مسلم ينصح ويحذر شبابا وشابات من بني جلدته، من ممارسة الجنس غير الآمن – وهو هنا لا يتكلم عن حرمة الفاحشة، ولكنه يتكلم عن نصائح طبية تحميهم من الأمراض عند ممارستهم للفاحشة – فقال: لقد كان لدينا في الستينيات الميلادية مرضان اثنان من الأمراض الجنسية فقط، والآن لدينا في عام ٢٠١٥ خمسة وعشرون (٢٥) مرضا جنسيا، تسعة عشر منها ليس له علاج .!! فسبحان من شرّع للإنسان ما يوافق ضعفه أمام هذه الشهوات ! قال تعالى{والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما * يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} [النساء : ٢٧-٢٨]

وأخيرا : أرجو أن يلاحظ معي القارئ الكريم أن تقدم الغرب في علومهم الطبية، لم يكن سببه الأكبر حبهم للعلم، لكنه بسبب ذلك العقاب الرباني بالأمراض الخطيرة، التي تزداد ولا تقل .. فاختاروا مقاومتها بالعلاج الآني المؤقت، بدلا من اجتثاته من جذوره بالاستسلام لرب العالمين .. كما يذكرنا هذا النهج في التقدم العلمي لديهم بغيره من العلوم .. فعلوم مكافحة الجريمة -وما يتصل به من دراسات في موضوع الأدلة الجنائية- ما تقدموا فيه إلا لكثرة عدد الجرائم، نتيجة تنكبهم لمنهج العليم الحكيم، الذي جعل لنا في القصاص حياة، قال تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} [البقرة : ١٧٩] ..

اللهم إنَّا نعوذ بك من الفتن .. ما ظهر منها وما بطن .. ..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
انشر تؤجر .. فالدال على الخير كفاعله .. 
الأحد   ١-٣-١٤٣٩ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه‫ ‬: فؤاد بن علي قاضي.