المختصر المفيد – ٦٨

المختصر المفيد (٦٨)

الحلقة العاشرة –الأخيرة- من حلقات: عدو البشرية الأكبر؛ الشيطان الرجيم !!
في هذه الحلقة –بعون الله تعالى وتوفيقه- أكمل عرض المواجهة العملية الجادة المطلوبة مع العدو الأكبر للبشرية؛ الشيطان الرجيم‪ ..‬

وفق الله تعالى العلماء والدعاة إلى ابتكار أساليب دعوية تناسب هذا العصر ومستجداته؛ بما لا يتعارض مع نصوص الشرع المطهر مثل: المكاتب التعاونية وأنشطتها المختلفة، وغيرها من أساليب الدعوة الكثيرة !! غير أن هذه الوسائل لم يكن من بينها -للأسف الشديد وسائل خاصة لحرب الشيطان الرجيم وحزبه، إلا من عدد من الكتب والأشرطة حول الشيطان ! وأفضل ما رأينا جميعاً -مما يمكن تسميته وسيلة عملية لمواجهة الشيطان الرجيم- هو وجود عدد من القراء الذين يعالجون بالرقية الشرعية بعض المصابين بهجوم الشياطين المتعددة -كالأمراض النفسية- لذا بات من واجبنا ابتكار وسائل لمواجهة الشيطان وحزبه، خاصة في عصر ثورة المعلومات؛ الذي أصبح العالم فيه كقرية واحدة، والذي حاربنا فيه الشيطان بمكر كُبّار !! من هذه الوسائل المقترحة التي أرجو الله أن ينفع بها ما يلي:

أولاً : حيث إن الله تعالى اشترط لحمايتنا من الشيطان الرجيم الإيمان الصادق والاستسلام له سبحانه في كل أمر، قال تعالى:{ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ • وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ • وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا ۖ أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} [يس : ٦٠-٦٢] !! فإنني أقترح على الأمة المسلمة أن تشكل في كل بلد من بلدانها لجاناً مهمتها الوحيدة التأكد من تطبيق المجتمع -أفرادا ومؤسسات- لأوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم في الصغير والكبير، قال تعالى: { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [الأنفال : ١] و إذا ما فعلنا ذلك، فإننا نكون قد أصبنا الشيطان في مقتل، ولا يبقى سوى الاستمرار في عداوته وحربه !!

ثانياً : أن يكون من متطلبات الالتحاق بالمدارس الابتدائية -بنين وبنات- حفظ أذكار الصباح والمساء ! ومما يعين على ذلك: الوسائل الحديثة المخصصة والمحببة للأطفال لحفظ الأذكار كالأجهزة الإلكترونية !!
*كذلك يكون من متطلبات الالتحاق بالمستوى المتوسط حفظ أذكار الصباح والمساء ويضاف إليها أذكار عمل اليوم والليلة؛ الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي يقولها المسلم في أحواله المختلفة !!
أمَا بالنسبة للمستوى الثانوي: فيكون من متطلباتها حفظ الرقية الشرعية، بالإضافة إلى أذكار الصباح والمساء وأذكار عمل اليوم والليلة !!

ثالثاً : إطلاق حملة مركزة في وسائل الإعلام المسموع منها والمرئي والمقروء تستهدف الشيطان وحزبه، بما علمنا الله تعالى من وسائل يستخدمها الشيطان الرجيم، إذ لا حيلة لنا مع عدو هذا خطره إلا بالتمسك بحبل الله المتين والاستعانة بالله عليه، وأن يكون هناك برامج تلفزيونية وإذاعية ثابتة، بعضها للكبار وأخرى للصغار، وأعمدة ثابتة في الجرائد والمجلات أيضاً، كُلّها تُذكّر بخطر الشيطان ومكره، وتدعو الجميع لأخذ الحيطة والحذر منه، وتبين سُبُل إغوائه بناءً على إحصائيات مرصودة من قبل جهات متخصصة، كما سيأتي بيانه ، حيث إننا نواجه عدوا خطيرا من صفاته { إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف : ٢٧] !!
 
رابعاًً : عقد اجتماعات دورية في المساجد؛ يجتمع سكان كل حي في مسجدهم، ليتدارسوا مواجهة الحرب الضروس التي يشنها العدو الأكبر والأخطر عليهم !!ويناقشوا سُبُل غوايته المتوقعة للأحياء السكنية !! إذ لا يكل الشيطان ولا يمل عن إلهاء الناس عن صلاة الجماعة، وإضعاف صلة الجوار، حتى أصبح البعض لا يعرف عن جاره شيئا !!

خامساً :  أن يضاف إلى واجبات ومهام مكاتب الدعوة القائمة؛ مهمة رصد لأعداد المصابين بسهام الشيطان الرجيم جراء الحرب التي يشنها هذا اللعين، مع تفصيل لكل حالة، والوسيلة الشيطانية المستخدمة فيها، لنبني مواجهتنا مع هذا العدو الشرس على قاعدة معلومات فعّالة، حيث يباشر المعنيون علاج المصابين؛ الذين ظهرت عليهم أعراض الاستجابة لمكر الشيطان الرجيم !!

سادساً :  العمل على إيجاد مراكز متخصصة لحرب  الشيطان، يكون من مؤهلات منسوبيها: التخصص في الموضوعات والوسائل التي ابتكرها الشيطان في القديم والحديث، خاصة دورات في الحرب النفسية التي تمرّس الشيطان في استخدامها، والواردة في نحو قوله تعالى: { إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران : ١٧٥]، وقوله تعالى: { يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء : ١٢٠]، وقوله تعالى: { إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [المجادلة : ١٠] !! هذه المراكز لديها خطط استراتيجية لخوض حرب استباقية ضد العدو الأكبر، منها: خطة لجمع المعلومات عن تحركات الشيطان وحزبه عبر الشبكة العنكبوتية، ومن ثم تقديم الوسائل المضادة لذلك المجال !! كذلك جمع الإحصائيات في مجال إصدار الكتب التي تحمل سمومه، والتي يكتبها أولياؤه !! وكذلك جمع المعلومات في مجالات الإعلام وما هي سُبُل الشيطان فيه، حيث لم يغفل الرجيم عن أهميتها في نشر ما يدعو إليه، فجنّد كثيراً منها لحرب البشرية، وصدها عن صراط الله المستقيم !!

سابعاً : إن رُقية الملكين عليهما السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما سُحِر، وكذلك رقيته هو صلى الله عليه وسلم للحسن والحسين رضي الله عنهما، كما في صحيح البخاري (4/119) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين فيقول : (أعيذكما بكلمات الله التامة ، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامّة) !! إن هذه الآثار الثابتة وغيرها؛ ليدلان دلالة واضحة على أهمية الرقية الشرعية، ويمكن تشبيه الأمراض النفسية؛ من سحر أو مس أو اكتئاب وغيرها بالأمراض العضوية، فبعض الأمراض العضوية يسير لا يحتاج إلى طبيب، كالصداع الذي يستعمل له الإنسان دواءً معروفا، وبعضها لا نشك في حاجتها إلى مبضع الجراح، ولا يمكن للإنسان عندها أن يعالج نفسه بنفسه، إذ ليس لديه الخبرة الكافية !! وهكذا بالنسبة للأمراض النفسية، والتي كثيراً ما يكون للشيطان دوراً فيها، فبعضها يسير، يمكن للإنسان أن يرقي نفسه بنفسه، وبعضها عسير يحتاج فيها لرقية غيره له؛ من بعض القراء الصالحين الذين تخافهم الشياطين !! وبناءً على ذلك فإن وجود القراء؛ الذين يرقون الناس وفق الضوابط الشرعية؛ مهم جداً لمواجهة أذى الشياطين النفسي للبشر، فإن الدراسات تفيد أن السبب الأكبر لحالات الانتحار هو الاكتئاب؛ الذي وراءه وسوسة الشياطين ! كما ينبغي تفريغ هؤلاء القراء ودعمهم, وأن يكون عددهم كافياً !!
 
الخاتمة:
إن حلقات هذا البحث لا تخاطب بلداً معينا من البلدان، أو شريحة بعينها من الناس، كلا ! هو بحث يخاطب البشرية التي استهدفها الشيطان، يخاطبها بخطاب الله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ • إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِير} [فاطر : ٥-٦] !!
 
كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

المختصر المفيد – ٦٧

المختصر المفيد (٦٧)
 
الحلقة العاشرة: في هذه الحلقة –بعون الله تعالى وتوفيقه- أستكمل عرض المواجهة العملية الشرعية الجادة المطلوبة للشيطان الرجيم !!

بعد إنشاء مراكز الدراسات المقترحة في الحلقة الماضية عند حديثي عن المواجهة العقدية، المعنية بنشر علم معرفة الله تعالى؛ وتربية الناس عليه، وكذلك المراكز المعنية بفضح الطاغوت الأكبر -الشيطان- يجب أن يتزامن مع عمل هذه المراكز ومشاريعها؛ أهم مواجهة عملية لدحر الشيطان والنصر عليه، وهي:
التمسك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في بلاد المسلمين -أفرادا ومجتمعات- تمسكا جادا يرضي الله تعالى؛ حتى يغير سبحانه أحوال المسلمين ممّا هم فيه من ضعف وتشرذم إلى العزة والنصر والريادة ..

والأمثلة التي تبين أن وراء ضعف المسلمين على مدار التاريخ -على مستوى الأفراد والمجتمعات- هو تزيين الشيطان لهم؛ لينهجوا نهجا غير نهج الله تعالى..الأمثلة التي تبين ذلك لا تحصى:
فبالنسبة للأفراد، فإن في قصة عابد بني إسرائيل، الذي ائتمنه الإخوة الثلاثة على أختهم؛ لما أرادوا السفر ما يُبين لنا خطورة عصيان الله وعدم الاستسلام له، وأن هذا العصيان ما حصل إلا بعد تزيين الشيطان، حتى وقع في الحرام، فعصى الله تعالى بجلوسه معها في البيت، وقد كان يضع لها الطعام ثم يعود لصومعته ، مما يؤكد لنا أن الخطوة الأولى لحرب الشيطان هي التمسك بشرع الله والانقياد له ظاهراً وباطناً .. وأن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم تحفظنا من أن نقع في تزيين إبليس؛ الذي لا ندري كيف ومن أي طريق يأتي؛ ننشغل بطاعة الله تعالى حتى لا يشغلنا الشيطان الرجيم بتزيينه !! (قصة عابد بني إسرائيل) ذكرها الذهبي في سير أعلام النبلاء (48/5).

وأمّا على مستوى المجتمعات فقد ذكر لنا القرآن الكريم تزيين إبليس لبلقيس وقومها؛ في قوله تعالى: { وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ} [النمل : ٢٤]، وكذلك تزيين إبليس لعاد وثمود، قال تعالى: { وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ ۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} [العنكبوت : ٣٨].

وحتى يكون تمسكنا بديننا صحيحا، وحتى نتجنب ما زينه الشيطان لبعض الأفراد وكذلك لبعض المجتمعات من أن الدين يعنى بأمور العبادات فقط؛ دون باقي جوانب حياة الإنسان، فإن في كتاب الله تعالى آية عظيمة في سورة الزمر كفيلة -عند فهمها- أن يعي المسلم أن السعادة كل السعادة في التمسك بدين الإسلام كله، ورفض ونبذ فصل الدين عن الحياة !!
لنقرأ بتأن الآية الكريمة التي يُبين الله تعالى فيها أنه السيد الواحد الأحد، والذي يجب أن يُطاع في كل أمر .. قال تعالى:{ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر : ٢٩] .. هذه الآية الكريمة تستخدم مثالا غاية في الوضوح : (العبيد والسادة) .. فلو أن هناك عبدا له سيد واحد .. هكذا تقول الآية: (رَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ ) .. وعبدا آخر له أكثر من سيد: (رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ) .. كلنا يعلم أي هذين العبدين حياته أفضل ونفسيته أهدأ وأهنأ ..
لا شك أنه العبد الذي له سيد واحد .. بخلاف من كان له أكثر من سيد .. خمسة أو أكثر من السادة مثلا .. كل واحد منهم يريد منه شيئا ويلقي عليه أمرا .. حتى باتت نفسه ممزقة بينهم ..

هكذا يُبين الله لنا في آية واحدة بمثال واحد سهل ميسر ما معنى التوحيد .. لأن التوحيد لا يعني أن الله واحد فقط .. فحتى إبليس يقول إن الله واحد .. لكن توحيد الله يعني أن الله واحد سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العليا، ويعني كذلك -كما في الآية السابقة- أنه السيد الواحد الذي يجب أن يُطاع .. وأنه لا شركاء ولا آلهة يأمرون عباده معه .. وأنه المُشرِّع للبشرية في كل جوانب الحياة .. في الأمور التعبدية والاجتماعية والاقتصادية .. وباقي جوانب الحياة ..

فكما تأخذ أيها المسلم العبادات وكيفية أدائها من الكتاب والسنة .. فكذلك:
خذ تشريعات حياتك الاجتماعية من الكتاب والسنة ..
وخذ تشريعات اقتصادك من الكتاب والسنة ..
وخذ لباقي جوانب حياتك تشريعاتها من الكتاب والسنة ..

كرر الآية مرة واثنين وثلاثة { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} .. كررها حتى تستيقن أنه ليس لك إلا سيد واحد، هو الله تعالى .. وليس معه شركاء يُملون عليك آراءهم لتدير بها حياتك؛ كضغوط البيئة وضغوط المجتمع .. وسِحر وأثر الإعلام غير المحافظ على تشكيل ثقافة الإنسان .. والذوبان في الانفتاح والعولمة، التي جعلت بعض المسلمين يتبنى نمط الحياة الغربية منبهرا به، مع أنه يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله .. قد جعل له سيدا آخر مع الله يدير جوانب من حياته !!

أواصل في المقال القادم -بعون الله تعالى وتوفيقه- خطوات أخرى في المواجهة الجادة والعداوة الصحيحة للشيطان الرجيم في جانبها العملي؛ في عصرنا الحاضر !!

اللهم إنَّا نعوذ بك من الشيطان وشركه ..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
انشر تؤجر .. والدال على الخير كفاعله .. ولا يحتاج خطيب الجمعة أو غيره؛ للاستئذان مني في طرح ما يراه مناسبا -ممّا وفقني الله لكتابته- في خطبته أو درسه ..
الثلاثاء ١-٨-١٤٣٩ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات ..
فؤاد بن علي قاضي

المختصر المفيد – ٦٦

المختصر المفيد (٦٦)

الحلقة الرابعة من مقالات في موضوع الإخلاص لله تعالى، حتى نبتعد به عن المرض المقابل لمرض الوسواس القهري في تحري الإخلاص -الذي وصفت بعض أعراضه وعلاجها في الحلقات السابقة- : في هذه الحلقة –بعون الله تعالى وتوفيقه- أبدأ في الحديث عن العلاقة الطردية بين النية الصالحة والعمل الصالح !!
 
الإخلاص طاقة !! فكيف فرط البعض فيها ؟!!
الإخلاص طاقة تدفع المسلم دفعاً عظيماً لا مثيل له لتقديم المزيد من البذل والعطاء في سبيل مرضاة الله سبحانه وتعالى !! لقد كان الإخلاص المبني على العقيدة الصحيحة من الإيمان بالله العظيم وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى، ومنها أنه سبحانه سميع بصير، ورقيب شهيد، كان هذا الإخلاص -والذي هو قصد وجه الله تعالى عند كل عمل، والمبني على مثل هذه العقيدة، وليس على عقيدة الإرجاء البدعية الخبيثة التي تسببت في استخفاف بعض المسلمين بالعمل الصالح- كان هذا الإخلاص وقوداً يفجر في نفوس الصحابة رضوان الله عليهم طاقة عظيمة، أحالت خواطرهم إلى خطط وبرامج عظيمة !! وأقوالهم إلى أعمال كبار !! وفكرهم الإسلامي إلى مبادئ وقيم ثابتة !! تخور أمامها قزامة وضحالة الفكر الجاهلي !! ويذوب في وهج وحرارة إخلاصها باطل المبطلين الباهت البارد !!
لقد فجرت طاقة الإخلاص العظيمة مكامن الإبداع في عقول سلفنا الصالح، فكانت تلك القفزات الهائلة في مجالات العلم والعمل المختلفة، التي لولا أنها كانت واقعا يُعاش، لظننا أنها ضرب من الخيال الحالم في عالم المثالية الجميل !!
ولقد وصف الله تعالى طاقة الإيمان والاخلاص العظيمة -والتي غطت الدنيا بوهج نورها الساطع- وصفها الله تعالى بوصف غاية في البلاغة والتأثير، قال تعالى:{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ • تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا}[إبراهيم : ٢٤-٢٥] وهي صورة معبرة لارتباط الأعمال وكثرتها بعمق الإيمان والإخلاص في القلوب، فكلما رأى المؤمن شجرة باسقة مثمرة، أيقن أن لها جذورا ضاربة في أعماق الأرض تقوم بدورها الكبير في مد هذه الشجرة بالغذاء اللازم لهذا النماء العظيم !! وتذكر معها الآية الكريمة وما تؤدي إليه كلمة التوحيد وقوة الإخلاص لله تعالى من أعمال صالحة كبيرة وكثيرة !!

ولا أدل على ارتباط قوة الإخلاص بكثرة الأعمال من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي كان أعلم الناس بأهمية البذل والعطاء !! حتى يُمكَّن لهذا الدين في الأرض !! وإن أعظم حديث يستدل به على أهمية ربط الإخلاص بالعمل، هو حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، والذي كان السلف الصالح رحمهم الله يصدّرون به كتبهم !! حديث أبي حفص رضي الله عنه عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)[رواه البخاري ومسلم] !! ياله من حديث عظيم يصف ارتباط الأعمال بالنيات !! حتى فرق فيه النبي صلى الله عليه وسلم بين من يهاجر لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ومن يهاجر للدنيا وشهواتها !! إن هذا الحديث الشريف دليل واضح على أن الإخلاص نيات صالحات مع مختلف الأعمال !! لا أن الإخلاص لا يحصل سوى في عبادة واحدة أو عمل واحد فقط، ثم يبقى مع صاحبه لا ينفك عنه أبدا ولا حاجة لتكراره !! كلا ! إن الإخلاص يجب ممارسته دائما، وهو نيات صالحات يزداد أجرها ودرجتها مع نوع العمل ونفعه !!
وفي حديث آخر يؤكد صلى الله عليه وسلم على العلاقة بين النية والعمل فيقول: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) [رواه مسلم (33)]، حقاً إنها القلوب والأعمال، وهذا الارتباط الوثيق بينهما !! ولذلك قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: (إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي) !! [جامع العلوم والحكم 2/192] .

صحيح أنه قد تكون هناك نوايا طيبة للإنسان بدون عمل -وهذا أمر طيب ويُجازَى الإنسان عليه- ولكن هذا ليس موضوع حديثي !! موضوع المقال يتعلق بالأمر الذي ينهض بأمة الإسلام !! وهو ارتباط أداء الأعمال الصالحة الكبيرة والكثيرة بالإخلاص في علاقة طردية، يزيد فيها الإخلاص كلما زاد وكبر العمل الصالح، وينقص كلما نقص، خلافا لمن فرط في الأعمال الصالحة، لفصله الإيمان عن العمل، وخلافا كذلك لمن يخيف الناس من كثرة الأعمال الصالحة بكابوس ومرض الوسواس القهري في تحري الإخلاص، الذي يسلطه الشيطان على همم المشمرين عن ساعد الجد والإبداع !!

وهذا الارتباط بين النية والعمل مطلوب شرعاً وعقلاً، وهو رغبة النفوس ذوات الفطر السليمة !! ولذلك يعمل المنهج الإسلامي العظيم بطرق ربانية، للدفع بهذه العلاقة الطردية بين العمل والإخلاص إلى الوضوح !! إذ كلما أمعن المسلم الفكر في مقاصد الإسلام العظيمة وراء حث أتباعه لبذل مزيد من الجهد لرفع راية الإسلام في الأرض، لإسعاد البشرية بشرع الله تعالى، كلما رأى بوضوح حقيقة هذه العلاقة !! وخاصة مع علم المسلم أن الأعمال الكبيرة والكثيرة المطلوبة لخدمة هذا الدين ونصرته يترتب عليها الأجر العظيم والمنزلة الأعلى والأرفع في عليين !! عندها سيختار العاقل طريق الإخلاص وإصلاح النيات لئلا يضيع هذا الأجر العظيم برياء أو سمعة !! وسيراقب الله في جميع أعماله !! وسيصبح متمرساً في اختيار وتنويع الطاعات، وخاصة ذوات الأجر الكبير !! مصاحبا لكل عمل نية صالحة، راجيا أن يكون من المتقين حتى يتقبل الله تعالى عمله !!

إن علينا إذا تكلمنا عن أهمية النية الصالحة أن نقرنها بالحديث عن أهمية العمل الصالح، ونؤكد على ارتباطهما معا كما مر معنا !! ولمزيد من التوضيح والتأكيد على ارتباط الإخلاص بالعمل أضرب هذا المثال: إن الكثير من عوام المسلين -فضلا عن مثقفيهم- يفهمون بداهة عند الحديث عن مجالات العمل المعروفة كالطب أو الهندسة، عن ارتباط الإخلاص بالإنجاز وجودة العمل !! فإذا ما تناقل الناس عن طبيب بأنه مخلص، أو مهندس بأنه مخلص، صُرِف هذا الإخلاص إلى إنتاجهما المميز، وإبداعهما العظيم، وتفانيهما في العمل، وليس لنيتهما الحسنة فقط !!

غير أن هذا الأمر يختلف كثيرا إذا كان الحديث عن الداعية المخلص !! فإخلاصه ينصرف عند الكثير إلى أنه إنسان طيب، محب للخير !! أمّا أوقاته، كيف يستثمرها ؟! ومواهبه وقدراته، كيف يوجهها ويوظفها ؟! وهل رأيناه جادا في طلب العلم مثابرا على ذلك ؟! وهل وجدناه عاكفا على مشاريع دعوية كبيرة يدرسها ويناقشها مع إخوانه الدعاة لدراسة إمكانية تنفيذها ثم متابعتها ؟! وهل كان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ؟!.. أم أنا تركنا كل هذه المعايير المهمة !! ووصفناه بالداعية المخلص لإكثاره الحديث عن الإخلاص !! فهل أوحي إلينا بأنه مخلص ؟! أم هل كشفنا عن قلبه فعرفنا أنه من المخلصين ؟! وصدق عمر رضي الله عنه حينما قال (إن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم)[رواه البخاري] ..

أواصل في المقال القادم -بعون الله تعالى وتوفيقه- الحديث عن العلاقة بين الإخلاص والعمل !!

اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل ..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
انشر تؤجر .. والدال على الخير كفاعله .. ولا يحتاج خطيب الجمعة أو غيره، للاستئذان مني في طرح ما يراه مناسبا، ممّا وفقني الله لكتابته، في خطبته أو درسه ..
السبت ٢٩-٦-١٤٣٩ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات ..
فؤاد بن قاضي

المختصر المفيد – ٦٥

المختصر المفيد (٦٥)
 
الحلقة التاسعة: في هذه الحلقة –بعون الله تعالى وتوفيقه- سأبدأ بما فتح الله تعالى علي من عرض المواجهة العملية الشرعية الجادة المطلوبة للشيطان الرجيم !!
 
في البداية دعونا نستحضر -قبل الحديث عن المواجهة العملية الجادة مع إبليس وجنده- دعونا نستحضر مواجهة سلفنا الصالح لأعداء الإسلام من المشركين: ألم يعدوا لهم من القوة ما استطاعوا -قال تعالى: { وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ}[الأنفال : ٦٠] ؟!- بلى؛ مع يقينهم أن النصر إنما يأتي من عند الله تعالى !!

والسؤال الذي يطرح نفسه: لو قدّر الله تعالى ونهجت أجيال الأمة المسلمة ذات النسق من الإيمان الصادق والبذل الكبير لنصرة الدين ودحر أعدائه، الذي كان عليه سلف هذه الأمة !! فهل سيواجهون أعداء الإسلام بالسلاح الأبيض ممتطين ظهور الخيل !! في زمن الطائرات والبارجات والغواصات والدبابات ؟!! الجواب: لا بكل تأكيد !! بل سيقومون بالإعداد المناسب من القوة، كما أمرهم ربهم تعالى، موقنين كإيقان سلفهم الصالح؛ أن النصر إنما هو من عند الله تعالى القوي العزيز !!
 
كان ذلك ما احتاجه السلف، وهو ما ينبغي أن يكون عليه الخلف في مواجهة أعداء الإسلام من البشر !!
فكيف عساها كانت مواجهة سلفنا لأكبر الأعداء –إبليس الرجيم وجنده- حتى هزموهم قبل وبعد هزيمتهم لأعداء الإسلام من البشر ؟!!
وكيف ستكون مواجهة خَلَفِهم الصادقين لإبليس وجنده، في عصرنا -بتعقيداته في شتى المجالات !!- لا شك أنها ستكون مواجهة جادة حاسمة، مبنية عل فهم من كتاب ربهم سبحانه وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ناظرة إلى واقع العالم المعاصر وتعقيداته، مستفيدة من الوسائل المتاحة والمناسبة لهذا الواقع، حتى ينقلب بسببها الشيطان -بعد توفيق الله سبحانه- فزعا خائفا من المسلم، كما كان يفرق من عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه في غابر الزمان !!
 
أولا قبل طرح أوجه المواجهة العملية الشرعية لإبليس وجنده في هذا العصر، علينا أن نصطحب في عقولنا ومشاعرنا -على الدوام- جولات القرآن المكثفة لفضح إبليس وجنده، مؤمنين أنه ليس هناك حتى حرف واحد زائد لا حاجة له في كتاب الله تعالى !! فكيف بعشرات الآيات التي حذرت من الشيطان وحزبه ؟!! هذا الاستحضار مطلوب، حتى تستقر حقيقة وشدة عداوته في نفوسنا، وحتى لا ننساه فنعامله وكأنه لا وجود له، مما جعل البعض لا يتحصن بالأذكار الشرعية الثابتة، فضلا عن قيامه بأوجه العداوة العظيمة التي ساذكرها بإذن الله تعالى في هذه السلسلة !!

المواجهة العملية الجادة مع إبليس وجنده !!

أولا: الجانب العقدي !!

من أعظم مقاصد إبليس الرجيم؛ عمله على تجهيل الناس في محورين: أولا: تجهيل قلوب الناس برب العالمين، حتى بلغ تجهيل الناس بربهم مداه، فأمرهم بالكفر به سبحانه، قال تعالى: { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الحشر : ١٦]، والمحور الثاني: تجهيلهم كذلك بخطره وكيده ومكره، وزعمه أنه من الناصحين !! قال تعالى: { وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف : ٢١] !!

يمارس عدو الله إبليس هذا التجهيل المزدوج بطرق كثيرة وأساليب متعددة، مما دفع سلفنا الصالح رضوان الله عليهم -في زمن ازدهار الإسلام وقوته- أن يعتنوا بهذين الجانبين؛ من شهادة التوحيد؛ الإيمان الحق بالله تعالى !! والكفر بالطاغوت !! ولا شك أن الشيطان هو أكبر طاغوت يجب فضحه والكفر به !!

قام السلف رضوان الله عليهم بواجبهم تجاه ركني شهادة لا إله إلا الله، من نفي العبودية لغير الله تعالى، وإثباتها له وحده سبحانه، في عصر لم يبلغ من التعقيد وتداخل الحضارات وتواصل الناس وثورة المعلومات؛ كهذا العصر !!
ولمزيد من التوضيح؛ فيما ينبغي علينا فعله لمواجهة تجهيل إبليس الناس بربهم، وتجهيله لهم بطرق كيده ومكره، أبسّط الموضوع للقارئ الكريم بمثال:
أخرج ابن الجوزي رحمه الله كتابه المشهور “تلبيس إبليس”؛ الذي تتبع فيه مكر وكيد إبليس في عصره !! أفلا نحتاج نحن في عصرنا إلى عشرات العلماء من أمثال ابن الجوزي لفضح خطة التنسية والتلهية التي ينفذها الرجيم -إذا جاز لنا التعبير- والتي من خلالها عمِل إبليس على تنسيتنا خطره، كي نستهين به ولا نحاربه، وغيّب عنا حجم الفساد الذي بلغته البشرية هذا القرن، ثم أخذ مع خطة التتسية -بكيده ومكره- في إلهاء البشرية بشتى أنواع الملهيات، ممّا تصنعه هوليود وغيرها من منتجات إعلامية ؟!! ورضوا منه بالوعود والأوهام وسعادة الأحلام، قال تعالى: { يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء : 120] !!

إن الواجب على المسلمين في هذا العصر مواجهة إبليس في تجهيل الناس بربهم وفي تجهيلهم بطرق كيده ومكره، بإقامة مراكز دراسات كبيرة وعديدة في كل بلد إسلامي وغير إسلامي، لكل محور من المحورين الآنفي الذكر، هذان وصفهما !!:

أولا: مراكز دراسات ينبثق عنها مشاريع وبرامج تعنى بنشر العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وتربية الناس عليه !! على غرار ما كتبه السلف في هذا العلم الشريف، وذلك لمواجهة سعي إبليس الحثيث لتجهيل العباد بربهم العظيم !!

ثانيا: مراكز دراسات ينبثق عنها مشاريع وبرامج تعنى بتتبع مكر وكيد إبليس في عصرنا !! على غرار ما كتبه ابن الجوزي في عصره في كتابه العظيم “تلبيس إبليس” !! لفضح الشرور التي لا تعد ولا تحصى، والتي لَبّس فيها اللعين على خلق الله !! حتى بلغ الشر مبلغا خياليا، لم تبلغه البشرية، ولا معشاره من قبل !!

إن مراكز الدراسات هذه -المطلوب إنشاؤها وانطلاقها في أقرب فرصة ممكنة- لن تخدم المسلمين فقط !! بل هي خدمة للبشرية جمعاء !! لأنه مطلوب منا أهل الإسلام أن نعلن للبشرية عن عدوها الأكبر -إبليس- كما علينا أن نعرفهم بإله الحق سبحانه وتعالى !! وهذا هو نهج القرآن الكريم ونهج سنة النبي صلى الله عليه وسلم !!

أواصل في المقال القادم -بعون الله تعالى وتوفيقه- المواجهة الجادة والعداوة الصحيحة للشيطان الرجيم في جانبها العملي، في عصرنا الحاضر !!

اللهم إنَّا نعوذ بك من الشيطان وشركه ..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
انشر تؤجر .. والدال على الخير كفاعله .. ولا يحتاج خطيب الجمعة أو غيره، للاستئذان مني في طرح ما يراه مناسبا، ممّا وفقني الله لكتابته، في خطبته أو درسه ..
الثلاثاء ١٨-٦-١٤٣٩ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات ..
فؤاد بن قاضي

المختصر المفيد – ٦٤

المختصر المفيد (٦٤)

أهلنا في الغوطة، وغيرهم من المسلمين المظلومين في شتى بقاع الأرض، يتطلعون إلى رجحان كفة الميزان !!

أمّا الميزان فيقول الله تعالى عنه: { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء : ٤٧] ..

وأمّا ما يملأ كفتي الميزان؛ فكفة تثقلها الأعمال الصالحة المؤدية إلى خيرية هذه الأمة وتكاتفها، الذي وصفه المصطفى صلى الله عليه وسلم فقال: (مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى)[متفق عليه] .. والكفة الأخرى تثقلها كثرة الذنوب المؤدية إلى سلبية الأمة وتفرقها !!

ولكل مسلم في الأرض دور في ترجيح كفة ميزانه نحو النصر والعزة للمسلمين المظلومين في كل مكان!! بعمله الصالح !! حتى لو كان عمله الصالح قدر حبة من خردل !! فالمسؤولية فردية كما نصت الآية الكريمة: {فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ}ٍ !! فكيف بالأعمال الصالحة الكبيرة ؟!

وأوضح وأقوى مثال على ارتفاع الخيرية في الأمة بعمل صالح واحد؛ هو إقامة الصلاة من قبل كل مسلم؛ إقامة ترضي الله تعالى!! إقامة؛ يفقهون بها معنى التكبير الذي يرددونه في صلاتهم في الركعة الواحدة كثيرا !!

ولتوضيح الصورة: تقول الإحصائيات إن للمسلمين اليوم في العالم قرابة ثلاثة مليون ونصف جامع ومسجد ! فلو دخل المصلون إلى هذه الملايين من المساجد؛ وهم يستشعرون أنهم يقفون بين يدي الله الكبير سبحانه .. الذي هو أكبر من كل شيء، وأعظم، وأجلّ، وأعلى، من كلِّ شيء سبحانه !! –فقد بين الله تعالى أن السماوات والأرض صغيرة وضئيلة بجانب كرسيه، قال تعالى: { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [البقرة : ٢٥٥]، وقال تعالى: { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر : ٦٧]، فكيف بعرش الرحمن، الذي بين لنا صلى الله عليه وسلم فيه؛ أن الكرسي بجانب العرش كحلقة ملقاة في فلاة ؟!! [السلسلة الصحيحة (109)] .. مع إيماننا أن الله تعالى مستو على عرشه استواء يليق بجلاله، من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل !! ثم مع إيماننا بأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، قال تعالى: { إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت : ٤٥]– فلو دخل المصلون إلى هذه الملايين من المساجد؛ وهم يستشعرون أنهم يقفون بين يدي الله الكبير سبحانه؛ فلنا بعد ذلك أن نتصور كيف ستثقل كفة ميزان العمل الصالح على كفة الذنوب، لقرابة ملياري مسلم من المصلين !! وترتفع على أثر ذلك خيرية الأمة، ونصر الله لها، وتبديلها بعد خوفها، أمنا وتمكينا !!

هذه الصلاة الخاشعة بين يدي الكبير سبحانه، التي تنهى عن الفحشاء والمنكر !!ستدفع أكثر من مليار مسلم بعد تقللهم من الذنوب، إلى استشعار معنى الأخوة بين أهل الإسلام، التي ماتت عند البعض، أو كادت أن تموت !! !! فترتفع بذلك خيرية الأمة نحو نصرة إخواننا المستضعفين !!

هذه الصلاة الخاشعة ستكف أكثر من مليار مسلم عن هدر أوقاتهم وأموالهم إلا فيما يرضي الله تعالى !! وإلا فيما ينصر دين الله وعباده المستضعفين !!

أرأيت أخي المسلم .. أختي المسلمة .. أن لنا أثرا إيجابيا في نصرة المستضعفين حتى ونحن في بلادنا !! وأن لكل واحد منا وزن في رفع خيرية الأمة وتكاتفها .. سنحاسب عليه حين يضع الله تعالى الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا !!

اللهم اجعلنا هداة مهديين .. غير ضالين ولا مضلين ..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
انشر تؤجر .. والدال على الخير كفاعله .. ولا يحتاج خطيب الجمعة أو غيره، للاستئذان مني في طرح ما يراه مناسبا، ممّا وفقني الله لكتابته، في خطبته أو درسه ..
الثلاثاء ١١-٦-١٤٣٩ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات ..
فؤاد بن علي قاضي

المختصر المفيد – ٦٣

المختصر المفيد (٦٣)
 
الحلقة الثامنة: في هذه الحلقة –بعون الله تعالى وتوفيقه- سأستكمل بما فتح الله تعالى به علي من عرض المواجهة الجادة والعداوة المطلوبة للشيطان الرجيم في جانبها التوعوي، خاصة في هذا العصر !!
 
سؤال: هل لنا أن نتصور الكيفية التي يدير بها إبليس عملياته الإضلالية الإفسادية الخطيرة؛ لبني آدم في هذا العصر ؟!! مسترشدين في ذلك بالنصوص الشرعية !!

 أولا: جانب اجتماعاته التي يعقدها مع جنده من الجن بغرض التخطيط الإبليسي لإضلال البشرية !!
أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن اجتماع إبليس مع جنده، فقال: “إن الشيطان يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة، يجيء أحدهم فيقول ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا، فيقول إبليس، لا والله ما صنعت شيئا، ويجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله، قال فيقربه ويدنيه ويقول نعم أنت” !! [رواه مسلم (٦٧)]

إذن هناك اجتماعات يعقدها إبليس مع جنده منذ الأزل !! ولأمر خطير للغاية .. هدم الأسرة !!

واختياره لهدم الأسرة له دلالاته !! منها أنه يعكس خطورة هدفه؛ الذي سطره القرآن الكريم: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص : ٨٢]، وقال “وعزتك وجلالك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم” كما بين المصطفى صلى الله عليه وسلم .. حسنه الألباني [السلسلة الصحيحة (١٠٤)] .. فهدم الأُسر كفيل بإغواء الناس أجمعين!!

والدلالة الثانية لاختياره لهدم الأسرة هو أن الرجيم يستخدم أداة التحليل ليعرف نقاط ضعف الإنسان [شهوة وحب للمال وعجلة وبخل وطمع وجزع ويأس وغيرها]، وليعرف نقاط قوته [من إيمان وعبادة وأخلاق فاضلة وغيرها] !! بل لم يكتف بتحليل نقاط الضعف والقوة لدى الإنسان !! حتى انتقل إلى تحليل بيئة الإنسان ليعرف نقاط ضعفها [أماكن الرذيلة ومعازف الشياطين وصحبة السوء والمواقع الإباحية وغيرها]، وعرف أن قوة بيئة الإنسان تكمن في [التمسك بالجماعة والمساجد والأسرة المتماسكة ومراكز العلم والصحبة الصالحة وغيرها] !!

ومن ثم وظف نتائج تحليله في رسم خططه وبرامجه، مقوياً لنقاط الضعف كحب الخلود قال تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ} [طه : ١٢٠]، وموهناً لنقاط القوة كما أوهن دور أحد المساجد، فجعله مسجد ضرار، وكما أوهن دور الأسرة، وخاصة في هذا العصر -وإن المسلم ليتعجب من ارتفاع نسبة الطلاق حتى في المجتمعات المسلمة- هذه الخطط وآليات العمل؛ فصلها الله لنا في القرآن الكريم، وفصلها رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، وأجملها الله في قوله سبحانه: {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف : ١٧] ..

فكيف عساها تكون اجتماعاته في هذا العصر، خاصة مع أعداد البشرية المتزايدة ؟!! لابد أنها مُعدة إعدادا لا مثيل له من الاتقان!! فالتقارير المطلوبة للموضوعات المطروحة للنقاش شاملة، بحيث تغطي القارات كلها !! منها تقرير مفصل عن أنواع الفساد الذي بلغته البشرية حتى تاريخ الاجتماع، وأي هذه الأنواع من الفساد أشد فتكاً، وأيها الهزيل الذي يجب استبداله !! وتقرير آخر عن أسماء المرشحين من البشر للإيحاء لهم عن طريق الوسوسة أو مباشرة؛ بالتشكل على صورة إنسان، كما مر معنا في الحلقة السادسة من هذه السلسلة .. كذلك فإن نتائج هذه الاجتماعات لابد وأن تتمخض عن توصيات خطيرة، هي أساس كل التوصيات الشريرة التي نسمعها من أوليائه الذين أوحى بها إليهم !! كأن يكون من توصيات هذه الاجتماعات الشيطانية تشريعات جديدة للبشرية تزيدهم خبالاً !! أو لم نسمع قول الله تعالى عن الشيطان أنه يأمر وينهى، ليشرع للبشرية ما يفسدها ؟؟!! قال تعالى: {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا} [النساء : ١١٩] ..

أو يُزين لهم أن يخترعوا وسائل حديثة، من شأنها أن تدمر البشرية في تفكيرها وسلوكها إذا ما استُخدمت في سبيل الشيطان وإنفاذ مكره !!

أو يوحي لأوليائه بشن حرب شاملة على الإسلام والمسلمين، كما حصل ويحصل في جميع العصور !!
 
ثانيا: إدارته التي يدير بها عملياته التشغيلية:
بعد الاجتماعات والتخطيط؛ يأتي دور التنفيذ، والتي أقل ما توصف به، أنها إدارة فائقة السرعة في التنفيذ، خاصة مع علمنا بما مكن الله به الجن من السرعة والقوة. قال تعالى: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل : ٣٩]”، فهل نتصور أن التوصيات التي تتمخض عن اجتماعات إبليس وجنده لن تصل إلى العاملين لديه؛ في مدن وقرى وهِجر القارات المختلفة، أو أنها ستصل ولكن متأخرة، كما هو الحال في خدمات الاتصالات البشرية، التي يستخدمها البشر لتبليغ توصيات اجتماعاتهم لمن يعنيه الأمر من العاملين !! كلا، إنهم سريعون وأقوياء في نفس الوقت، فأحدهم كاد أن يحمل قصر بلقيس بسرعة فائقة، وبناء على هذه السرعة وهذه القوة؛ لنا أن نتصور خطورة وسرعة التنفيذ لما يوصي به إبليس الرجيم، وهذا ما يفسر لنا تسارع أحداث الشر والفساد في عالم اليوم، لدرجة صعُب على الإنسان متابعة القليل منها، فكيف بالتصدي لها؛ بدون التصدي أولاً للشيطان الرجيم، وِفق المنهج الرباني الحكيم ؟! ..
 
إن إبليس يكيد للبشرية منذ آلاف السنين وإلى يوم يبعثون؛ يوم الوقت المعلوم، فتتكدس لديه خبرات الإغواء وسُبُل الضلال وطرق الفجور والفساد، وهذا ما يراه الجميع في هذا العصر، عصر فساد الزمان، إبداعات، لكن في أبواب الفساد، تتسم بالشمولية، حتى اجتمعت ضروب الفساد في البلد الواحد، مما كان مفرقاً في غابر الزمان على جمع من البلدان !!
ولا سبيل إلى دحر الرجيم وهزيمته عمليا -بعد أن عرضت لما وفق الله إليه من جانب الوعي المطلوب تجاهه- لا سبيل إلى دحره عمليا إلا بمنهج من الله تعالى العزيز الحكيم !! وهذا ما سأشرع -مستعينا بالله- بكتابته في الحلقة القادمة، إن شاء الله تعالى ..

اللهم إنَّا نعوذ بك من الشيطان وشركه ..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
انشر تؤجر .. والدال على الخير كفاعله .. ولا يحتاج خطيب الجمعة أو غيره، للاستئذان مني في طرح ما يراه مناسبا، ممّا وفقني الله لكتابته، في خطبته أو درسه ..
الخميس ٦-٦-١٤٣٩ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات ..
فؤاد بن علي قاضي

المختصر المفيد – ٦٢

المختصر المفيد (٦٢)

الحلقة السابعة: في هذه الحلقة والتي بعدها – بعون الله تعالى وتوفيقه – سأستعرض المواجهة الجادة والعداوة المطلوبة للشيطان الرجيم في جانبها التوعوي، خاصة في هذا العصر !!

كل ما مر معنا في الحلقات السابقة، إنما هو أساس من العلم الشرعي، وجّه الله تعالى، ووجّه رسوله صلى الله عليه وسلم جيل الصحابة رضوان الله عليهم إليه، لمعرفة هذا العدو الأكبر-الشيطان الرجيم- !! فأثمرت تلك المعرفة في نفوسهم، حتى أضحى الشيطان يخاف ويفرق من بعضهم !! كما بين ذلك صلى الله عليه وسلم لعمر الفاروق رضي الله عنه فقال: “إِيهٍ ابْنَ الْخَطَّابِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلا سَلَكَ غَيْرَ فَجِّكَ‪ ” …‬ !! [متفق عليه] ..

ولكننا نعيش في عصر قد سخر الشيطان الرجيم جيشا جرارا من المؤسسات الإعلامية الفعّالة والمؤثرة، التي لا سابق لها ولا مثيل في تاريخ البشرية كله !! أخذت تروج لشرور زينها الرجيم لأوليائه من شياطين الإنس، فأبدعوا في إخراجها في أرض الواقع كيانات إمبراطورية قائمة تنفث سمومها في الناس –كهوليوود وغيرها من إمبراطوريات الفساد والإفساد- مع إطباق عالمي بتجاهل دور الشيطان في تخبط البشرية والخبال والضياع والدمار الذي مسها !! قال تعالى عن دور الشيطان في أحد مجالات الدمار التي مسها: اقتصاد العالم: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [سورة البقرة: ٢٧٥]!!

الكثير من أهل الخير والصلاح لا يكل ولا يمل من فضح أعداء الإسلام من البشر، سواء كانوا من غير المسلمين أو المنافقين –وهذا ضروري ومطلوب- لكنه يغفل أو يجهل أن ذلك الفضح لأعداء الإسلام من البشر لا يجدي ولا ينفع مع ترك رأس الشر –الشيطان الرجيم- بمنأى عن هذا الفضح والمقاومة !! .. وأسوق هنا ما رواه ابن اسحاق عن ابن عباس رضي الله عنه بما يشير إلى مستوى الوعي الذي وصل إليه الصحابة عن عدو البشرية الأكبر –الشيطان الرجيم- في توجيهه لجنده من جن وإنس ، وتصويبه أو تخطئته لهم عند التنفيذ، وتقييمه لهم، وعدم تركهم لاجتهاداتهم الشخصية التي لا ترقى لمستوى مكره !! فإن الرجيم إبليس يتصرف كقائد متمرس، حيث لا يفوض القيادة لغيره أو يتنازل عنها !! بل على العكس من ذلك، فهو يمارس التوجيه بنفسه !! روى ابن إسحاق عن ابن عباس رضي الله عنه “أن نفراً من قريش من أشراف كل قبيلة اعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، قال: سمعت ما اجتمعتم له فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم مني رأي ونصح.  قالوا أجل … أجل، ودخل معهم دار الندوة فقال انظروا في شأن هذا الرجل فوالله ليوشكن أن يواتيكم من أمره بأمره، فقال قائل احبسوه في وثاق ثم تربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء زهير النابغة فإنما هو كأحدهم، فقال عدو الله والله ما هذا لكم برأي، والله ليخرجن رأيه في محبسه إلى أصحابه فليوشكن أن يثبوا عليكم حتى يأخذوه من أيديكم، ثم يمنعوكم منه، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم، فانظروا في غير هذا الرأي، فقال قائل فأخرجوه من بين أظهركم فاستريحوا منه، فإنه إن خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع إذا غاب عنكم أذاه، فاسترحتم وكان أمره في غيركم ، فقال الشيخ عدو الله، ما هذا لكم برأي ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه وأخذه للقلوب بما يستمع من حديث، والله لئن فعلتم ثم اعترض العرب، ليجتمعُن إليه، ثم يسيرون إليكم حتى يخرجوكم من دياركم ويقيل أشرافكم، فقالوا صدق والله، فانظروا رأياً غير هذا، فقال أبو جهل والله لأشيرن عليكم برأي ما أرى أبصرتموه بعد، ما أرى غيره قالوا وما هو، قال نأخذ من كل قبيلة غلاماً وسطاً شاباً لهذا، ثم يُعطى كل غلام منهم سيفاً صارماً ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فقال الشيخ عدو الله هذا والله هو الرأي، القول ما قال الفتى ” !!

نعم هذا ما يصنعه إبليس مع العاملين معه من تصحيح للمسار !! حتى حينما يكونوا بشرا !! والشياطين تتشكل في صورة البشر كما ثبت في السيرة في الحديث عن غزوة بدر عندما قال الله تعالى عن الشيطان أنه نكص على عقبيه، قال تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ}[الأنفال : ٤٨]، في تفسير ابن كثير قال، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين، معه رايته، في صورة رجل من بني مدلج في صورة سراقة بن مالك بن جعثم فقال الشيطان للمشركين: “لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم” فلما اصطف الناس أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين فولوا مدبرين، وأقبل جبريل عليه السلام إلى إبليس، فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين، انتزع يده ثم ولى وشيعته، فقال الرجل يا سراقة أتزعم أنك لنا جار، فقال: إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله والله شديد العقاب، وذلك حين رأى الملائكة !!

ولنا بعد ذلك أن نتصور خطورة تشكله بصورة إنسان في زمننا هذا، هو وجُنوده من الجن، ليوجهوا أولياءهم من الكافرين في حرب الإسلام وأهله، إننا مهما حلّق بنا الخيال في الكيفية التي يوجه الشيطان بها أولياءه، فسنظل مقصرين في استيعاب جميتع طُرقه، وذلك لأنه كما قال تعالى: {ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ}[الأعراف : ٢٧]، فلا غرابة أن الشرور تنبعث في هذا العصر كالبركان الثائر، وهي كما وصفها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم “فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافراً ويمسي مؤمنا ويصبح كافراً” !! [رواه مسلم (١١٨)] ..

ولعل من هذه الفتن توجيهه مباشرة أو عن طريق الوسوسة لأولياءه باستخدام المواقع المفسدة فكرياً أو خُلُقياً، لسهولة وصول هذا الفساد للعالم أجمعين !!

 ومن ذلك أيضاً توجيهه لأولياءه أن يضيقوا الخناق على المسلمين في تعلم ضروب التقنية والصناعات المتقدمة، بطرق شيطانية إبليسيه، حتى يبقى المسلمون في حاجتهم أبد الدهر !!

ومن ذلك توجيهه لأصحاب الفكر، من علماء الجامعات،  نظريات تقود المجتمعات إلى الإلحاد، كما وسوس لدارون نظريته الدارونية، ولفرويد نظريته الجنسية، ولدوركايم في نظريته البهيمية، والتي أسماها زوراً نظرية اجتماعية !!

أواصل في المقال القادم -بعون الله تعالى وتوفيقه- المواجهة الجادة والعداوة الصحيحة للشيطان الرجيم في جانبها التوعوي، في عصرنا الحاضر !!

اللهم إنَّا نعوذ بك من الشيطان وشركه ..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
انشر تؤجر .. والدال على الخير كفاعله .. ولا يحتاج خطيب الجمعة أو غيره، للاستئذان مني في طرح ما يراه مناسبا، ممّا وفقني الله لكتابته، في خطبته أو درسه ..
الخميس ٢٢-٥-١٤٣٩ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات ..
فؤاد بن علي قاضي

المختصر المفيد – ٦١

المختصر المفيد (٦١)

الحلقة السادسة: في هذه الحلقة -بعون الله تعالى وتوفيقه- سأستعرض أثر ضعف نصحنا لغير المسلمين بألا يعبدوا الشيطان، على واقع مجتمعاتهم، كما حثت الآية الكريمة البشرية، قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [يس : ٦٠] !!

مر معنا في الحلقة الرابعة الحديث عن ما آلت إليه كثير من مجتمعات المسلمين، حينما أرخوا الزمام للشيطان، فجاس تشويها في فكر بعض المسلمين وتصوراتهم، وتخريبا لسلوكهم وممارساتهم !!
لكن الأدهى من ذلك كله، هو الضلال البعيد الذي أصاب مجتمعات غير المسلمين، من جراء عدم إبرازنا -نحن أهل الإسلام-الشيطان، كعدو أزلي للبشرية !! بل طغى الحديث -عند كثير من رواد الفكر منا- حول مخططات أعداءنا من البشر ومكرهم، على الحديث عن عداوة الشيطان وكيده، بل لا يكاد يُذكر الشيطان البتة في معظم -إن لم تكن جميع- تحليلاتهم لواقع العالم المعاصر البئيس !!

الضلال البعيد، هو الوصف القرآني الواضح المبين للمستوى الذي يطمح الشيطان أن يوصل البشرية إليه، قال تعالى: {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا}[النساء : ٦٠] ..
ونظرة تأمل إلى واقع مجتمعات غير المسلمين اليوم، تفسر لنا كيف يكون الضلال بعيدا، كما يريد الشيطان أن يكون !!

نبدأ بالشرك بالله تعالى: ونسأل: هل بلغت الإنسانيه ضلالا أبعد من وجود معابد للشيطان الرجيم -الذي تتقزز النفوس السليمة حتى من ذكر اسمه- يُعبد فيها ؟!!
والضلال البعيد في باب الشرك بالله تعالى لا يمكن حصره في مقال قصير، لكنها إشارات فقط، فمن الشرك العجيب بالله تعالى عبادة بعض الناس للفئران !!
وأمّا اتخاذ الهوى إلها من دون الله تعالى فقد بلغ به الشيطان في الضلال مبلغه، حيث سمى لهم الأشياء بغير اسمها، وأعظمها اللادين، الذي هو زيادة في الكفر، زينه الشيطان لأوليائه، فأسموه حرية، يُُضِلون بها الناس عن صراط الله المستقيم !!

جريمة القتل عندهم: التي غالباً ما تقع من الكبار البالغين، أضحت في ثوبها الجديد وضلالها البعيد، في ديار الكافرين: قتل الأطفال لبعضهم البعض في المدارس، وهم لا يتجاوزون الثانية عشرة من العمر، وهي لا شك من عمل الشيطان ووسوسته حيث زين لأطفالهم اللهو بالسلاح، وحبب إليهم أفلام وألعاب العنف. فآتت علقمها وأحزانها بعد حين !! وفي كتاب صدر عام ألفين ميلادي في الولايات المتحدة الأمريكية عن موضوع قتل الأطفال لبعضهم البعض، أصاب الناس هناك بالذعر والهلع، حيث أبان فيه الكاتب أن معدل قتل الأطفال في المدارس في كل أمريكا: مقتل طفل كل ساعتين !!! الكتاب للدكتور جيمس شو، وعنوانه: “لماذا ارتكب جاك وجل جريمة القتل” !! وذكر في كتابه أنه قام بزيارات ميدانية وقابل بعض القتلة من الأطفال في السجون !!

وكذلك أضحى الزنا: -الذي حده الله تعالى بالرجم، إذا كان الفاعل أو الفاعلة من المحصنين !! والتي أمرنا الله تعالى بعدم الاقتراب منه، قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء : ٣٢]، – أضحى يسمى بالعلاقة الحميمية، وبات أكثر من نصف مجتمعاتهم يعيش الرجل مع صديقته بالحرام تحت سقف واحد وبدون زواج قانوني، حتى يستمتعوا -كما زين لهم الشيطان- بحياة زوجية بلا قيود أو مسؤوليات !! إنه الضلال البعيد !!
.
كما طور لهم نمطاً من البغاء، كان يقع في الجاهلية قبل الإسلام، ليرث المولود النجابة -زعموا- حيث كان الرجل يسمح بمضاجعة زوجته للغريب النجيب!! فأتى لهم الشيطان بنسخة مطورة في هذا العصر، وبأسلوب أضل مما كانت عليه قريش، وذلك باختيار مواصفات النجابة أو لون البشرة أو طول أو قصر قامة الجنين، من مني المتبرعين، المتوفر للشراء، لتلقيح بويضة المرأة به !! إنه الضلال البعيد !!

وحتى يصرف الشيطان عنهم شعور الحنين للأطفال والتفكير في إنجابهم -والأطفال عادة ما يملؤون البيوت فرحة وبهجة، زين لهم الرجيم تبني الحيوانات كالكلاب وغيرها، عوضاً عن الأطفال، فاستسهلوا تحديد الإنجاب أو منعه كليةً، أو بإجهاض الجنين إذا لزم الأمر !!

ولو استطردنا في تتبع الضلال البعيد، الذي حاكه إبليس لغير المسلمين في هذا العصر لرأينا عجبا، ولطال بنا الكلام، غير أنني أضيف إلى ما سبق ذكره من الضلالات ضلالا خطيرا، وهو إصرار الشيطان على أن تشارك المرأة الرجال في جميع الأعمال، حتى ما لا يتناسب مع خلقتها وطبيعتها، من ذلك خوض الحروب، وغيرها من الأعمال التي لا تناسب إلا الرجال، لدرجة أن يختلط الأمر على الإنسان، فلا يدري أرجل أمامه أم امرأة ؟؟!! وهذا ضلال بعيد وأي ضلال، ولهذا شدد الإسلام في هذا الموضوع حتى لا يقع هذا الضلال البعيد عندنا، فطرد رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء، طردهم من رحمة الله، وذلك بلعنهم كما صح عنه صلى الله عليه وسلم !! [البخاري (5885)] ..

سأستعرض في المقال القادم -بعون الله تعالى وتوفيقه- المواجهة الجادة والعداوة الصحيحة للشيطان الرجيم، بجانبيها التوعوي والعملي في عصرنا الحاضر !!

اللهم إنَّا نعوذ بك من الشيطان وشركه ..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
انشر تؤجر .. والدال على الخير كفاعله .. ولا يحتاج خطيب الجمعة أو غيره، للاستئذان مني في طرح ما يراه مناسبا، ممّا وفقني الله لكتابته، في خطبته أو درسه ..
الأربعاء ١٤-٥-١٤٣٩ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات ..
فؤاد بن علي قاضي

المختصر المفيد – ٦٠

المختصر المفيد (٦٠)

الحلقة الخامسة: بعد أن استعرضنا في الحلقات الماضية المواجهة العقدية الصحيحة في عداوة الشيطان الرجيم، وفق المنهج الرباني العظيم، ثم استعرضنا بعد ذلك الفهم الخاطئ لدى البعض لقوله تعالى: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء : ٧٦]، مما أدى إلى اتباعهم له !! أبين في مقال اليوم- مستعينا بالله تعالى- الحكمة البالغة من وجود الشيطان الرجيم !! حكمة يجب ألا تغيب عن بال المؤمن أبدا، لأن بها فلاحه ونجاحه !!

يقول ابن القيم رحمه الله في الحكمة من وجود إبليس: “فمنها أن يكمل لأنبيائه وأوليائه مراتب العبودية بمجاهدة عدو الله وحزبه، ومخالفته ومراغمته في الله، وإغاظته وإغاظة أوليائه، والاستعاذة به منه، واللجوء إليه أن يعيذهم من شرّه وكيده، فيترتب على ذلك من المصالح الدنيوية والأخروية ما لم يحصل بدونه”. [شفاء العليل (ص: 322)] ..

كان إبليس الرجيم يسكن الجنة، دل على ذلك قوله تعالى: {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأعراف : ١٨]، وكان مخيرا بين أن يعبد ربه تعالى، وينعم في سعادة أبدية، تحفها رحمة الله تعالى ورضوانه، وبين الشقاء إن هو عصى واستكبر !! كما كان الرجيم يعرف الله تعالى، ويعرف عظمته وجلاله، بل ويكلمه سبحانه، قال تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف : ١٢]، فاختار الرجيم عصيان جبار السماوات والأرض بالرغم من معرفته له.. ثم لم يستغفر ولَم يتب بعد استكباره.. بل بدأ طريقه المعوج باتهام الله تعالى أنه هو من أغواه، {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر : ٣٩]، وربنا تعالى إنما أمره بالسجود لآدم عليه السلام، لكن الرجيم هو من اختار الغواية والضلال والعصيان والاستكبار !!

فكانت نتيجة هذا الاستكبار والتعالي أن طرده الله تعالى من الجنة، كما طرده من رحمته بلعنه، قال تعالى: {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ • وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ} [الحجر : ٣٤-٣٥]

وقد أخبرنا الله تعالى بما حصل من إبليس من عصيان واستكبار !! وأنه صار أنموذجا للتمرد عليه سبحانه، حيث استمر بعد استكباره يخاطب الله تعالى بتحد واستعلاء، وهو سبحانه الذي يقول للشيء كن فيكون: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء : ٦٢]

ثم شرع الرجيم بعد ذلك في حربه الضروس وعداوته الأزلية لآدم عليه السلام وَذُرِّيَّتِهِ، وأخذ يأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ومن فوقهم ومن تحتهم، حتى لا يكونوا من الشاكرين !!

وجه الله تعالى آدم وذرّيته -وهم الذين فضلهم سبحانه على كثير ممن خلق تفضيلا، وأودع فيهم من الطاقات ما لا يعلمها إلا هو سبحانه، ليعمروا هذه الأرض بالحياة الطيبة وفق منهج الله تعالى- وجههم إلى طاعته سبحانه وعبادته، كما حذرهم من الشيطان وحزبه وكيده ومكره !!

فمن استجاب من بني آدم لتوجيه ربه، واتخذ الشيطان عدوا -متذكرًا ذلك العصيان والاستكبار من الرجيم لخالقه، وما تَبِع ذلك من طرده ولعنه- صار يقظا حذرا مراغما للشيطان، مستنفرا كل ما يملك من طاقات -وكأنه في حالة التأهب والاستعداد القصوى، التي يكون عليها الجند حين يواجهون العدو في ساحات القتال- منتجاً فاعلاً لكل ما ينفعه في دنياه وآخرته !! عندها يكون قد أصاب الحكمة من وجود الشيطان التي ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى !!

نعم حينما يجتمع الأمران , منهج الله تعالى، ومسلمون يقظون وحذرون من عدوهم الأكبر إبليس, إذا اجتمع هذان الأمران فانتظر النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة !!

والعكس صحيح، فإن العبد الذي لا يتخذ الشيطان عدواً، فكأنما قد حكم على نفسه بالعيش في ظلمات بعضها فوق بعض، ومن لم يجعل الله له نورا، فماله من نور !!! ومن ثم يصبح صيداً سهلاً للشيطان الرجيم، يُضله ويعده ويمنيه، وما يعده الشيطان إلا غرورا !! قال تعالى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء : ١٢] .. ويكون بذلك قد اختار طريق التمرد على الله تعالى، مواليا للشيطان الرجيم، قال تعالى: {يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا • يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم : ٤٤-٤٥] ..

وأخيرا: فإن من أشقى الناس من يموت على غير ملة الإسلام، حيث يكون وليا للشيطان في الدنيا، ورفيقا له في جهنم وبئس القرار !!

اللهم إنَّا نعوذ بك من الشيطان وشركه ..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
انشر تؤجر .. والدال على الخير كفاعله .. ولا يحتاح خطيب الجمعة أو غيره، للاستئذان مني في طرح ما يراه مناسبا، ممّا وفقني الله لكتابته، في خطبته أو درسه ..
الجمعة ٢-٥-١٤٣٩ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات ..
فؤاد بن علي قاضي

المختصر المفيد – ٥٩

المختصر المفيد (٥٩)

يا أمة الاسلام !! من الذي ينزل عليه العذاب الشديد في الدنيا والآخرة، على مدار تاريخ البشرية، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ؟!

يظن بعض المسلمين -بسبب ضعف الأمة المسلمة المادي المعاصر- أن عذاب الله تعالى نازل عليهم !! فيقول لك انظر: دول مسلمة تشتكي الفقر، وأخرى أنهكها الاختلاف ومزقتها الفرقة، وثالثة ضيعها التبذير والإسراف في اقتراف ما يغضب الله تعالى !! ثم يؤشر لك في المقابل إلى الرفاهية التي يعيشها غير المسلمين !! وقوة العتاد والتقدم المادي الرهيب !!

وبالرغم من معرفة الكثير منا لواقع الأمة المسلمة المعاصر المرير ، لكنه ليس مبررا للجهل بسنة الله التي لا تتغير ولا تتبدل في إنزاله سبحانه العذاب الشديد على الكافرين في الدنيا وفي الآخرة !! قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ} [آل عمران : ٥٦]، وما العذاب الشديد من أعاصير وزلازل مدمرة -مما يسميه بعض ضِعاف الإيمان كوارث طبيعية- إلا مصداقا لقوله تعالى: {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ}[الرعد : ٣١] ..

والمشكلة تتفاقم حينما ينصرف معنى العذاب النازل على الكافرين عند البعض إلى أن يكون عذابا استئصاليا، لا يبقى للكافرين بعده أثر، في حين أننا نرى ألوانا من العذاب يصبها رب العالمين على الكافرين صبا !! 

وأكبر عذاب نزل عليهم في عصرنا هو عبادتهم للمال -الاقتصاد- حتى ذاقوا بسبب هذا الصنم الويلات، حينما أخذ يوجه نمط حياتهم الوجهة التعيسة !! قال صلى الله عليه وسلم: (تعس عبدالدينار والدرهم والقطيفة والخميصة) رواه البخاري .. وجههم صنم الاقتصاد إلى الغرق في الشهوات، والاحتراق وحرق غيرهم في الحروب الظالمة المفتعلة !! ناهيك عن الانهيارات الاقتصادية التي سببها جرم الربا العظيم !!

ولون آخر من ألوان العذاب النازل على الكافرين هو تسليط الله تعالى عليهم الطواعين والأمراض، قال صلى الله عليه وسلم : (ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لمً تكن في أسلافهم الذين مضوا) صححه الألباني [صحيح الترغيب (2187)]، أمراض لا يمكن إيقاف نزولها بسبب التقدم المهيل في علوم الطب !! بل هي في ازدياد، وليس لظاهرة ازديادها علاج إلا بالاستسلام لرب العالمين وترك الفاحشة التي أوغلوا فيها !!

ثم نتج من تهجين ألوان العذاب المختلفة عذاب وليد جديد خطير ينذر بانهيار حضارتهم المادية، ألا وهو تفكك الأسر وتقطع علائقها حتى لم يجد الوالدين مكانا -بالرغم من وجود الأولاد البالغين- سوى دار العجزة البئيس الموحش !! وقد قوض الله بنيان من مكر من قبلهم من الأمم على رؤوسهم، قال تعالى: {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} [النحل : ٢٦] ..

ثم تفاقمت المشكلة مرة ثانية -وتلاشى من أذهان الكثير مفهوم أن العذاب الشديد نازل على الكافرين في هذه الدنيا، شدة لا تقارن أبدا بالابتلاءات التي يبتلي الله بها المؤمنين بشيء من خوف وجوع ونقص في الأموال والثمرات، حتى يعودوا لدينهم- حينما خَفَتَ وبهت وضعف الحديث عن الشرط الذي اشترطه الله تعالى لتمكين الأمة المسلمة التمكين الكبير وهو: عبادته بدون شرك: قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور : 55]، خفت الحديث عن شرط الله في التمكين، وارتفعت نبرة غلو في اتخاذ الأسباب – التي هي أصلا مطلب معروف في ديننا، حسب الاستطاعة- للحاق بالتقدم المادي التقني الذي وصل إليه غير المسلمين، وكأنه هو الشرط الذي اشترطه الله علينا، مما أضعف في حس الكثيرين أن العذاب الشديد نازل على الكافرين !! بل وصل الحال عند بعض الكتاب أن يجعل اتخاذ الأسباب سنة كونية وكأنه يقول: لن يزول الكفار إلا بقوة مادية تكافئهم، وكأنه ليس للكون إله يبغض الكفار ويسميهم شر البرية، وينزل عليهم عذابه الشديد في هذه الدنيا وفي الآخرة !!

وأخيرا: فقد احتجت للكتابة في هذا الموضوع، لأنه ضمن منظومة من المفاهيم التي من شأنها أن تعيد للمؤمن اعتزازه بدينه، وتجذبه إليه ، بدلا من الهروب الذي نجده من شباب اليوم من التمسك بدينهم العظيم !! كذلك يعالج الموضوع خطر الانبهار بالحضارة المادية التي شرِق بها البعض، فكدرت عليهم صفاء عقيدتهم !!

وأرجو الله تعالى أن ييسر قريبا للكتابة عن مفهوم الأمة القوية، حتى يعرف المسلم أن الأمة المسلمة هي الأقوى على مر العصور، وإلى اليوم، وستبقى كذلك إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها !!

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
انشر تؤجر .. والدال على الخير كفاعله .. ولا يحتاح خطيب الجمعة أو غيره، للاستئذان مني في طرح ما يراه مناسبا، ممّا وفقني الله لكتابته، في خطبته أو درسه ..
الثلاثاء ٢٩-٤-١٤٣٩ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات ..
فؤاد بن علي قاضي