التأمل المفيد – ٢١٧

التأمل المفيد (٢١٧)

الحلقة السابعة عشرة من سلسلة الجنة والكعبة .. وتذكير الحجر الأسود لنا بالجنة -كونه منها- مرات عديدة يوميا؛ كلما اتجهنا إلى القبلة؛ في صلاة وغيرها مما شرع لنا ربنا استقبال القبلة له !!!

قال الله تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ} [ص : ٥٠] !!

لا تخلو عبادة نؤديها إلا وذِكر الجنة يعطرها، سواء من كلام ربنا العلي العظيم، أو أحاديث سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم !!

وها هو رمضان يفد علينا؛ ليكون من أعظم بشائره التي بشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فتح أبواب الجنان، وغلق أبواب جهنم، قال صلى الله عليه وسلم: (إِذا جَاءَ رَمَضَان، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجنَّة، وغُلِّقَت أَبْوَابُ النَّار)[رواه البخاري (١٨٩٨)، ومسلم (١٠٧٩)] !!

هذا وإن من لُطف الله تعالى بعباده المؤمنين أن يسر لهم -في كلامه تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم عن الجنة- يسر لهم كلمات تُعد مفاتيح للتلذذ بذكر الجنة؛ وما فيها من نعيم !!

فإذا قال تعالى لهم: {وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} [الطور : ٢٢]، فإن كلمة “يشتهون” التي ذكرها سبحانه؛ هي مفتاح التلذذ بذكر فاكهة ولحم الجنة؛ ونحن بعدُ في هذه الدنيا !!
وما على المؤمن -وهو يقرأ الآية الكريمة: {وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ}- إلا استحضار تلك الشهية؛ التي يعرفها الواحد منا للطعام في هذه الدنيا، ثم يقول في نفسه: فكيف بفاكهة ولحم الجنة ؟؟!!

وإذا قال تعالى للمؤمنين: {كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} [الدخان : ٥٤]، فإن كلمتي “بحور عين” اللتين ذكرهما سبحانه؛ هي مفتاح التلذذ بذكر نساء الجنة؛ ونحن بعدُ في هذه الدنيا !!
وما على المؤمن -وهو يقرأ الآية الكريمة -{كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ}- إلا استحضار تلك الرغبة في النكاح من الحِسان؛ التي يعرفها الواحد منا في هذه الدنيا، ثم يقول في نفسه: فكيف بحور العين في الجنة ؟؟!!

وأمّا الآية الكريمة التي هي موضع التأمل في هذا المقال -قال تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ}- فإن قول ربنا تعالى: {مُّفَتَّحَةً}، وكذلك قول رسوله صلى الله عليه وسلم: (فُتِّحَتْ)، هي مفتاح التلذذ بذكر أبواب الجنة؛ ونحن بعدُ في هذه الدنيا !!
وما على المؤمن -وهو يقرأ الآية الكريمة والحديث الشريف- إلا استحضار البهجة والسرور في النفس؛ التي تحصل له في الدنيا عند فتح أبواب القصور وما تحويه من مبان عظيمة وحدائق غناء وخدم طوافين بأشهى أنواع الطعام والشراب، ثم يقول في نفسه: فكيف بفتح أبواب خلفها جنات النعيم ؟؟!!
بل كيف إذا كان قد جاء في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على عظيم سعة هذه الأبواب؛ سعة تليق بكبر وسعة جنات النعيم، قال صلى الله عليه وسلم:(وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى) [رواه البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤)]، قال الطيبي: “المصراعان: البابان المغلقان على منفذ واحد “[شرح الطيبي على مشكاة المصابيح” (11 / 3524) ؟؟!!
والمصراعان في كلامنا اليوم هما الدرفتان للباب الواحد !!

وأخيرا: هكذا هي جنات النعيم؛ تشتاق لها نفوس المؤمنين عند تلاوة آيات الكتاب الكريم؛ وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم؛ بتأن وتمهل وتدبر !!

اللهم أعنا على صيام رمضان وقيامه ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله تعالى له ولوالديه وللمسلمين ..

التأمل المفيد – ٢١٦

التأمل المفيد (٢١٦)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الحادية والثمانون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ} [البقرة : ١٨٥] !!

نتفاعل كثيرا عند التأمل في عظيم ما خلق الله تعالى؛ من جبال، وأنهار، وأشجار، وبحار، وقِفار، وسماء، وطير، وحيتان، ودواب، وغيرها من مخلوقات الله تعالى التي لا تُعد ولا تُحصى .. ونأخذ في التسبيح والتكبير لله تعالى عند رؤيتها .. وقد نقطع المسافات الطويلة رغبة في رؤية المزيد منها !!
والتفكر في ما خلق الله تعالى أمر مهم ومطلوب، قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية : ١٣] !!

وما دمنا ننجذب بقوة إلى التأمل في عظيم ما خلق الله تعالى، ونجد متعة كبيرة فيها، وتتجلى لنا عظمة الخالق سبحانه في خلقها؛ فهلا أضفنا إلى ذلك متعة أكبر وأعظم أثرا على إيماننا: تلاوة وتدبر كتاب ربنا تعالى في كل الشهور، وخاصة في شهر رمضان المبارك الذي أُنزِل فيه القرآن، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ} [البقرة : ١٨٥]، وقال صلى الله عليه وسلم: (وعليكَ بذكرِ اللهِ وتلاوةِ كتابِهِ، فإنَّهُ نورٌ لكَ في الأرضِ، وذِكرٌ لكَ في السَّماءِ)[صححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٨٦٩)] !!

فدعونا نقف وقفات لنرى أثر تلاوة كتاب الله تعالى على إيماننا:

الوقفة الأولى: نتلو كتاب الله تعالى فنهتدي به في أمورنا كلها؛ من أدنى شعب الإيمان إلى أعلاها !!
قال تعالى: {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء : ٩]، كذلك لا نضل ما دمنا متمسكين به، قال صلى الله عليه وسلم: (فإنَّ هذا القرآنَ سبَبٌ طرَفُه بيدِ اللهِ وطرَفُه بأيديكم فتمسَّكوا به فإنَّكم لنْ تضِلُّوا ولن تهلِكوا بعدَه أبدًا)[صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٧١٣)] !!

الوقفة الثانية: نتلو كتاب الله تعالى فتخشع قلوبنا لله تعالى !!
قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر : ٢٣] !!

الوقفة الثالثة: نتلو كتاب الله تعالى فتتنزل الرحمة علينا !!
قال تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف : ٢٠٤]، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمَعَ قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللَّهِ يتلونَ كتابَ اللَّهِ، ويتدارسونَهُ فيما بينَهم إلَّا نزلَت عليهِم السَّكينةُ، وغشِيَتهُمُ الرَّحمةُ، وحفَّتهُمُ الملائكَةُ، وذكرَهُمُ اللَّهُ فيمَن عندَهُ)[رواه مسلم (٢٦٩٩)]!!

الوقفة الرابعة: نتلو كتاب الله تعالى فنفوز ونربح !!
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ … إلى قوله تعالى .. يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} [فاطر : ٢٩]، بل حتى الظالم لنفسه -من الموحدين- يرجو الفضل الكبير من الله تعالى كونه من ورثة كتاب الله العظيم، قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر : ٣٢] !!

الوقفة الخامسة: نتلو كتاب الله تعالى فنتعلم العلم النافع في الدنيا والآخرة !!
قال تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت : ٤٩]، قال أهل التفسير: “بل القرآن آيات بينات واضحة في الدلالة على الحق يحفظه العلماء”، وقال صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلَّمَ القرآنَ وعلَّمَه) [صحيح البخاري (٥٠٢٧)] !!

الوقفة السادسة: نتلو كتاب الله تعالى فنشفى !!
قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء : ٨٢]، قال أهل التفسير: “وننزل من آيات القرآن العظيم ما يشفي القلوب مِنَ الأمراض، كالشك والنفاق والجهالة، وما يشفي الأبدان برُقْيتها به” !!

الوقفة السابعة: نتلو كتاب الله تعالى فنجد حديث خالق الكون عن الجنة والنار، فنسأله تعالى الجنة، ونتعوذ به من النار !!
قال تعالى: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران : ١٨٥]، ذلك أن الجنة قريبة من الإنسان، والنار كذلك، قال صلى الله عليه وسلم: (الجنَّةُ أقربُ إلى أحدِكم من شِراكِ نعلِه، والنَّارُ مثلُ ذلِكَ)[رواه البخاري (٦٤٨٨)] !!

أخيرا: إن من أجمل ما ينبغي أن ينتبه له قارئ كتاب الله تعالى: أن جمال الآيات القرآنية -التي تصف عظيم ما خلق الله سبحانه- أعظم في الوصف من رؤيتها على الطبيعة، كقوله تعالى عن الجبال: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل : ٨٨]، وغيرها كثير في كتاب الله تعالى !!
فيندفع المسلم -لجمال وصف الآيات القرآنية لعظيم ما خلق الله تعالى- بقوة إلى تلاوة كتاب الله تعالى !!

اللهم بلغنا رمضان .. وبارك لنا فيه ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله تعالى له ولوالديه وللمسلمين ..

التأمل المفيد – ٢١٥

التأمل المفيد (٢١٥)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الثمانون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة : ١٧٩]

وقعت خلال شهر مارس الماضي مذبحة مروعة في متجر في مدينة بولدر في ولاية كولورادو بالولايات المتحدة الأمريكية؛ راح ضحيتها عشرة أشخاص، وكان منفذ المذبحة شخصا واحدا !!
وسبق ذلك بأسبوع وقوع مذبحة في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا؛ راح ضحيتها ثمانية أشخاص، وكان منفذ المذبحة كذلك شخصا واحدا !!
تقع هذه المذابح بشكل متكرر في كل عام، ليعود بعدها -إلى الساحة الإعلامية هناك- الجدل القديم الجديد بين:
الحزب الجمهوري؛ الذي يرفض وضع أي قيود على شراء الأفراد للأسلحة والذخائر أو الرقابة عليها !!
والحزب الديمقراطي؛ الذي يطالب بضرورة وضع قيود من قبل الحكومة على بيع وشراء الأسلحة، وخاصة بيع الأسلحة للمدنيين مثل: (RA15)، وهي شبيهة بالتي يستعملها الجيش في الحروب؛ كونها أشد فتكا من المسدسات !!
وكلا الحزبين يرى أن لديه الحل الأمثل لهذه المذابح !!
وإنني لأجدها فرصة سانحة -خاصة وأنا ممن درس في أمريكا، في مدينة نيويورك في السبعينات الميلادية، وسمعت بهذه المذابح والجدل حولها عن قُرب- أجدها فرصة لأطرح سؤالا تعقيبا على هذه المذابح والجدل الذي يدور حولها في أمريكا هذه الأيام:
من هم هؤلاء البشر؛ حتى يظنوا أنهم قادرون على وضع حل لمشكلة هذه المذابح ؟؟!!
وفي المقابل -واقتداء بأسلوب من أساليب القرآن الكريم في التعريف بالله تعالى عن طريق السؤال، قال تعالى: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [المؤمنون : ٨٦]- نسأل: من هو الله تعالى -جل جلاله- الذي يستحق العبادة والتشريع؛ من ذلك التشريع لمواجهة جريمة القتل بغير حق ؟؟!!

الجواب:
أمّا البشر .. فهم خلق من خلق الله تعالى .. يريدون -بالرغم من ضعفهم وقصورهم واتباعهم لأهوائهم؛ كميل السياسيين لأجندة أحزابهم في موضوع السلاح في أمريكا- يريدون أن يقدموا لبشر مثلهم حلولا لمشكلة من أكبر وأخطر المشاكل في هذه الدنيا؛ قتل النفس البشرية بغير حق !!

أولئك هم البشر .. أمّا الله تعالى المستحق للعبادة والتشريع:

فهو سبحانه من له الأسماء الحسنى والصفات العليا، قال تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ} [طه : ٨] !!، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة)[متفق عليه]!!

هو الله تعالى خالق الإنسان ورازقه ومميته ومحييه بعد الموت، قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۖ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيْءٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الروم : ٤٠] !!

هو الله تعالى الذي لم يترك الخلق سُدى وهملا بعد خلْقِهم، بل أنزل لهم -بعلمه وحكمته- شريعة يهتدون بها، قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الجاثية : ١٨] .. كذلك حصر سبحانه وتعالى التشريع فيه، قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ} [الشورى : ٢١] !!

هو الله تعالى الذي حرّم على الإنسان أن يغتاب الإنسان، فكيف بقتله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا} [الحجرات : ١٢] ؟!

هو الله تعالى الذي جمع في شرعه الحكيم لمواجهة جرائم القتل بغير حق بين أمرين :
الردع الدنيوي: تشريع رباني؛ كان قد شُرِع لبني إسرائيل، وهو شرع لنا -كما نص على ذلك أهل العلم- قال تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ} [المائدة : ٤٥] !!
وبين الردع الأخروي: وعيد رباني، قال تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء : ٩٣] .. وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: (لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ في فُسْحَةٍ مِن دِينِهِ، ما لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا)[رواه البخاري (٦٨٦٢)] !!

وأخيرا: إنني لا أشك لحظة أن مفكري الحضارة المادية يسمعون عن أحكام القصاص في الإسلام، لذا أقول:

متى ينتبه هؤلاء الغافلون -الذين يريدون وضع حلول من عند أنفسهم لأعظم جريمة من جرائم البشر؛ قتل النفس بغير حق- متى ينتبهوا إلى معنى قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ؟؟!!

بل متى ينتبه هؤلاء الغافلون إلى أن الإله الذي يعبده أهل السماء ويطيعونه؛ هو نفسه سبحانه الإله الذي يجب أن يعبده أهل الأرض ويطيعونه، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} [الزخرف : ٨٤] !!

نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله تعالى له ولوالديه وللمسلمين ..

التأمل المفيد – ٢١٤

التأمل المفيد (٢١٤)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة التاسعة والسبعون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة : ٢]، وقال تعالى: {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚوَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور : ٥٤]، وقال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران : ٩٦] !!

إن المتأمل في الآيات الكريمات الثلاث يجد أن “الهُدى” هو الموضوع الجلل العظيم المشترك بين القرآن الكريم والسنة المطهرة والبيت الحرام .. وكيف لا يكون الهُدى بهذه الأهمية والمسلم يدعو ربه تعالى -اهدنا الصراط المستقيم- سبع عشرة مرة في الفروض من صلاته؛ على أقل تقدير ؟! فكيف بمن زاد بصلاة السنن الرواتب والضحى وركعات في جوف الليل؛ إذن لازداد دعاء ربه بأن يهديه ؟!

ولذا؛ فإنني سأقف وقفات لأبين -بمشيئة الله تعالى- كيف أن القرآن الكريم والسنة المطهرة والبيت الحرام؛ اشتركوا في أمور كبيرة تصب جميعها في تعظيم موضوع الهُدى الكبير !!

الوقفة الأولى: حِفظُ الله تعالى لمنابع الهُدى الثلاثة -القرآن الكريم والسنة المطهرة والبيت الحرام- إلى آخر الزمان !!
فالقرآن الكريم محفوظ بنص الآية الكريمة: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر : ٩] !!
والسنة المطهرة حفظها الله تعالى بما قيض لها من رجال الحديث والأثر !!
كذلك سيحفظ الله تعالى بيته الحرام إلى آخر الزمان !! دل على ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا)[رواه مسلم (١٢٥٢)]، وعيسى عليه السلام لا ينزل إلا في آخر الزمان !!
ومن شأن هذا الحِفظ؛ استمرار تذكير العالمين بموضوع الهُدى إلى آخر الزمان !!

الوقفة الثانية: ارتباط هُدى القرآن الكريم وهُدى السنة المطهرة وهُدى البيت الحرام بعضه ببعض !!
ففي الصلاة -الركن الثاني من أركان الإسلام- يتوجه المصلي فيها إلى “القبلة” !!
تاليا “لكتاب ربه” !!
مؤديا أركان الصلاة وواجباتها ومستحباتها “وفق سنة نبيه صلى الله عليه وسلم” !!
ومن شأن هذا الارتباط أن يجعل موضوع الهُدى أعظم ظهورا في العالمين !!

الوقفة الثالثة: التذكير بالجنة:
يعلم كل مسلم أن نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة يذكران بالجنة !!
وكذلك الكعبة تذكرنا بالجنة .. فالحجر الأسود حجر من الجنة !!
ومن شأن تذكير القرآن الكريم والسنة المطهرة والبيت الحرام بالجنة؛ أن ينشدّ الناس إلى طلب الهُدى والاستزادة منه؛ حين بستيقنون أنه لا يدخل الجنة ويتلذذ بنعيمها -الذي قال الله تعالى فيه: {يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ ۖ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الزخرف : ٧١]- لا يدخلها إلا نفس قد اهتدت إلى الإسلام، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ)[متفق عليه] !!

الوقفة الرابعة: القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم يشفعان يوم القيامة، وكذلك الحجر الأسود يشهد لمن استلمه بحق !!
قال صلى الله عليه وسلم عن شفاعة القرآن الكريم: (اقْرَؤُوا القُرْآنَ فإنَّه يَأْتي يَومَ القِيامَةِ شَفِيعًا لأَصْحابِهِ)[رواه مسلم (٨٠٤)]!!
وقال صلى الله عليه وسلم عن شفاعته: (أتاني آتٍ من عندِ ربي، فخيَّرني بينَ أن يدخلَ نصفُ أمتي الجنةَ وبينَ الشفاعةِ، فاخترتُ الشفاعةَ؛ وهي لمن ماتَ لا يشركُ باللهِ شيئًا)[صححه الألباني في صحيح الجامع (٥٦)] !!
وقال صلى الله عليه وسلم عن الحجر الأسود: (إنَّ لهذا الحجرِ لسانًا وشفتَينِ يشهدُ لمن استلمَه يومَ القيامةِ بحقٍّ) [صححه الألباني في صحيح الجامع (٩٦٩)] !!
ومن شأن هذه الشفاعات -التي يحتاجها المسلم يوم القيامة- أن تزيد المسلم تعظيما لمنابع الهُدى: القرآن الكريم والسنة المطهرة والبلد الحرام؛ بما شُرِع لنا من تعظيم؛ علّه يحظى بهذه الشفاعات !!

وأخيرا: بقي أن نعرف كيف يعظِّم المسلم منابع الهُدى .. كتاب ربه تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وبيته الحرام ؟؟!!
الجواب: أمّا تعظيم القرآن الكريم والسنة المطهرة فيكون بالإقبال عليهما قراءة وتدبرا وعملا !!
وأمّا تعظيم بيت الله الحرام؛ فيكون بقصده للحج والعمرة لمن استطاع إليه سبيلا، واستقباله في الصلاة، وفي الدعاء، وعند ذبح الذبائح، وعند دفن الموتى .. وعدم استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة، وعدم التفل تجاه القبلة، قال صلى الله عليه وسلم: (من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة تفله بين عينيه)[صححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٨٤)]!!

هذا؛ وإن من لطيف ما جاء في تعظيم القبلة؛ أن جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المجالس -وهو كل مكان يجلس فيه الناس من بيوت وغيرها- جعله ما كان قُبالة القبلة، قال صلى الله عليه وسلم: (إن لكل شيء سيدا وإن سيد المجالس قُبالة القبلة )[حسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٠٨٥)]، ولذا فإن صدر المجلس -وهو المُسمى الدارج على ألسنة الناس اليوم- يُستحب أن نجعله قُبالة القبلة !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله تعالى له ولوالديه وللمسلمين ..​

التأمل المفيد- ٢١٣

التأمل المفيد (٢١٣)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الثامنة والسبعون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت : ٤٠] !!

بينت -بتوفيق الله تعالى- في المقال السابق كيف يُخرِّب غير المسلمين حضارتهم بأيديهم؛ بأقوالهم وأفعالهم !!
وسأبين في هذا المقال -بمشيئة الله تعالى- أنواع العذاب الكبير والعظيم؛ الذي لا يمكن للبشر تصوره؛ من شدته وعظمته وقوته، والذي توعد الله تعالى به المكذبين له سبحانه ولرسوله عليه الصلاة والسلام في هذه الدنيا !!

والمقال يعالج من جهة أخرى ما يقع لبعض المسلمين من انبهار؛ نتيجة ما يرون لدى غير المسلمين من صناعات وعتاد وسلاح، وكأن لسان حال المنبهر يقول: من يقدر على هؤلاء ؟؟!!

وإذا كان بعض المسلمين قد انبهر بما لدى الحضارة الغربية من صناعات؛ فإن الأدهى والأمر من ذلك: ظن غير المسلمين أنهم تمكنوا من هذه الأرض؛ يفعلون فيها ما يشاؤون، قال تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا} [يونس : ٢٤] .. وقد سمعت من يقول من أهل الحضارة الغربية: “لا يوجد شيء لا نستطيع فعله” -{كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا}- بل الله تعالى هو وحده القادر على كل شيء !!

ومع أن عذاب الله تعالى للمكذبين به تعالى وبرسوله عليه الصلاة والسلام -في هذه الدنيا- لا يقتصر على أنواع محددة العدد والكيف من العذاب -كما في آية سورة العنكبوت التي هي موضع التأمل في هذا المقال .. ذلك أن الله تعالى له جنود السماوات والأرض، قال تعالى: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [الفتح : ٧] !!- إلا أن ما جاء في آية سورة العنكبوت هو أنواع من العذاب المعروف وصفه للناس، أمّا شدته وحجمه وخطره؛ فلا عِلم للبشر به إلا بعد وقوعه، ولذا حين رأى قوم شدة عذاب الله تعالى -حين خُسِف بقارون- لم يقولوا أنه كارثة طبيعية، بل قالوا كما في الآية الكريمة: {لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [القصص : ٨٢]!!
فدعونا نقف وقفات مع هذه الأنواع الأربعة من عذاب الله تعالى للمكذبين به تعالى وبرسوله عليه الصلاة والسلام:

النوع الأول: {فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا} !!
إذا كنا قد رأينا في عصرنا ما تحمله عاصفة رملية من غبار يكاد يعدم الرؤية !! فكيف بحجارة من طين منضود؛ تنزل على المكذبين، قال تعالى: {أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا}، وقال تعالى: {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} [الحجر : ٧٤]، قال أهل التفسير: “وأمطرنا عليهم حجارة من طين متصلب متين.” ؟!!

النوع الثاني: {وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ} !!
وإذا كان صوت بعض الطائرات الحربية يصمّ الآذان .. فكيف بصوت الصواعق التي يرسلها الله تعالى على الأمم المكذبة، قال تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة : ١٩]، وقال تعالى: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ} [الرعد : ١٣]، فضلا عمّا تحمله الصواعق من تدمير، وقد رأينا مقاطع لحوادث فتكت فيها الصواعق بالناس والمنشآت ؟!!

النوع الثالث: {وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ} !!
وإذا كان الناس يفزعون من مقاطع منتشرة؛ تعرض خسفا بسيطا: عبارة عن حدوث شقوق في أماكن مختلفة في هذه الأرض .. فكيف بالخسف الذي يهلك الله تعالى به الأمم المكذبة، قال تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} [الملك : ١٦]، قال أهل التفسير: “فإذا هي تضطرب بكم حتى تهلكوا” ؟!!

النوع الرابع: {وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا} !!
وإذا كان سونامي قد أثار فزع البشرية .. فكيف بالغرق الذي يهلك الله تعالى به الأمم المكذبة، قال تعالى: {فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [الزخرف : ٥٥]، وقال تعالى: {فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ} [الإسراء : ٦٩] ؟!

وأخيرا: بقي أن نعرف أن لعذاب الله تعالى أجلا لا يتقدم عن وقته لرغبة المستضعفين؛ ولا لتمادي المكذبين .. بل يأتيهم بغتة في الأجل المعلوم، قال تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ ۚ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [العنكبوت : ٥٣] !!
كما أن هذا العذاب العظيم الذي يصيب الله به الأمم المكذبة في هذه الدنيا؛ مهما بلغت شدته -قال تعالى: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [النمل : ٥٢]- فهو لا شيء مقابل عذاب الآخرة، قال تعالى: {كَذَٰلِكَ الْعَذَابُ ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [القلم : ٣٣] !!
وعليه؛ فإن أوجب الواجبات على أهل الإسلام أن يحملوا الرحمة في قلوبهم للأمم المكذبة؛ فيكونوا لهم مبشرين ومنذرين؛ يبشرونهم بالجنة إن تابوا، وينذرونهم من عذاب جهنم إن هم أبوا وأعرضوا !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله تعالى له ولوالديه وللمسلمين ..

التأمل المفيد – ٢١٢

التأمل المفيد (٢١٢)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة السابعة والسبعون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر : ٢] !!

نعتقد نحن أهل الإسلام بأن غير المسلمين لا يزدادون -بتمردهم على الله تعالى وتكذيبهم لرسوله صلى الله عليه وسلم- إلا مقتا من الله تعالى وخسرانا في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا} [فاطر : ٣٩] !!
ومع ذلك فقد استوقفني قول الله تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ}، وطرحت على نفسي السؤال التالي: إذا كان يهود بني النضير خربوا بيوتهم بأيديهم؛ وهي بيوت وحصون كانوا يعتدون بها: فما هو الأمر الذي تعتد به الحضارة الغربية في هذا العصر؛ والذي يخربون به حضارتهم ؟

الجواب: لم أجد قوة تمتلكها وتعتد بها الحضارة الغربية -في هذا العصر- أعظم من قوة علوم الإدارة وتطبيقاتها في إدارة كافة مجالات الحياة !!
وبما أن الإبداع والتقدم الإداري سلاح ذو حدين:
حيث يكون إيجابيا ومُبهِرا؛ إذا وُظِّف في مجال من مجالات الحياة؛ شريطة أن يكون هذا المجال منقادا لشرع الله تعالى !!
ويكون سلبيا مدوي السقوط إذا وُظِّف في مجال من مجالات الحياة؛ التي لا يتبنى أهلها شرع الله تعالى !!
* فقد أيقنت عندها أنهم يخربون بيوتهم بهذا التقدم الإداري غير المسبوق !!*
فالحضارة الغربية المادية؛ التي لا تجني بمخالفتها لشريعة الله تعالى؛ وتبنيها ما يغضبه في مجالات الحياة إلا النتائج السلبية: فإنهم بإدارتهم الإبداعية الفائقة يسرِّعون عجلة تحقيق هذه النتائج السلبية؛ لتهوي بهم إلى دركات الجحيم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ}، إنه السقوط الذي وصفه الله تعالى فقال: {وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج : ٣١] !!

وفي مثل هذا المقال القصير سأتطرق إلى ثلاث مجالات فقط: الاقتصاد، والمرأة والإجهاض، والشذوذ المخالف للفطرة؛ فيها يتضح كيف يخربون ويسقطون حضارتهم بأيديهم:

أولا: الاقتصاد: نرى فيه مصداق قول الله تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ} .. أزمات اقتصادية سريعة وماحقة؛ سببها إدارة مؤسساتهم المالية -التي لا تتبنى ما شرعه الله تعالى في معاملاتها- بإدارة عالية فائقة؛ تسارعت بسببها عجلة تحقيق النتائج السلبية؛ حتى أصبح الدَّين العام لأعظم دولة في الحضارة الغربية نحو ثلاثين تريليونا من الدولارات !!

ثانيا: المرأة والإجهاض: نرى فيه كذلك مصداق قول الله تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ} !!
الإجهاض أمر يُغضب الله تعالى، قال تعالى: {وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ} [الممتحنة : ١٢]، قال أهل التفسير: “ولا يقتلن أولادهن بعد الولادة أو قبلها” !!
وبتوظيف الغرب الإدارة الإبداعية الفائقة في مجال عمليات الإجهاض؛ تسارعت بسببها عجلة تحقيق النتائج السلبية، إذ انتقلوا بالإجهاض من بساطته حين يقع في الأسابيع الأولى من الحمل؛ إلى القيام بإجهاض الجنين حتى وهو في شهره السابع والثامن، بل والتاسع، وذلك بحقن الجنين في رأسه -وهو حي يتحرك في بطن أمه- بمحلول يتسبب في سكتة قلبية فورية للجنين؛ يموت بها .. ثم يستخرجوه بطريقة مقززة فظيعة لا أرى داع لذكرها هنا !!
إن من أكبر دوافع الإجهاض لديهم هو الحمل خارج الزوجية؛ بالفاحشة التي استحلوها .. ثم زادوا على فاحشة الزنا أن قتلوا الأجنة .. ولذلك يصح القول فيهم بأنهم قتلة للجنس البشري !!

ثالثا: الشذوذ المخالف للفطرة: نرى فيه كذلك مصداق قول الله تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ} !! فقد أهوى إبداعهم الإداري به إلى دركات سحيقة، حيث تسارعت عجلة تحقيق النتائج السلبية، فانتقلوا بالشذوذ خلال بضعة عقود معدودة -بخطط استراتيجية أحكمها الشاذون- انتقلوا به من امتعاض المجتمع من وجوده؛ إلى تقنينه وحمايته بقوة القانون !!

ولا يفوتني أن أنوه أن هناك من يحارب الإجهاض والشذوذ في الغرب؛ ممن أسموا أنفسهم بالمحافظين .. غير أن المحافظين نسوا أنهم قد أغضبوا الله تعالى بعبادة عيسى -عليه السلام- وغيره من الآلهة المدعاة؛ فاكتسحهم العلمانيون اللادينيون اكتساحا كبيرا !!

وأخيرا: فقد رأى المسلمون في القرن الأول -الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: (خيرُ القرونِ قرْني)[متفق عليه]- رأوا هوان حضارتي فارس والروم على الله تعالى؛ وسقوطهما وتهاويهما !! وقد تزامن هذا السقوط مع صعود أمة الإسلام؛ التي ما حصل لها من الخير والقوة والمنعة إلا باجتماع الأمرين: شريعة ربانية وإدارة إبداعية محمدية -على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم- أبدعت في إنجاز كل عمل بإدارة فائقة؛ عنوانها الإتقان، قال صلى الله عليه وسلم: (إِنّ اللَّهَ تَعَالى يُحِبّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ) [صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١١١٣)] !!

ثم امتدت الأمة المسلمة؛ شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، على مر التاريخ وإلى عصرنا الحاضر؛ لا تجد عزها وقوتها إلا في التمسك بشرع الله تعالى، مع إتقان عملها الإداري !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله تعالى له ولوالديه وللمسلمين ..

التأمل المفيد – ٢١١

التأمل المفيد (٢١١)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة السادسة والسبعون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلناسِ..} إلى قوله تعالى {ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المائدة : ٩٧]، قال أهل التفسير: “امتنَّ الله على عباده بأن جعل الكعبة البيت الحرام صلاحًا لدينهم، وأمنًا لحياتهم” !!

يختم الله تعالى كثيرا من آيات القرآن الكريم باسم أو اسمين من أسمائه الحسنى، أو بصفة من صفاته العلا؛ كما في الآية الكريمة التي هي موضع التأمل في هذا المقال، حيث ختمها الله تعالى بصفة العلم، قال تعالى: {ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} !!
يكون لهذا الختم -لآيات القرآن الكريم- بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا معانٍ عظيمة؛ إذا تدبرنا الآية بأكملها !!

دعونا نقف مع البلد الحرام والبيت الحرام ثلاث وقفات؛ حتى نرسِّخ في نفوسنا صفة العلم لله تعالى التي ختم الله تعالى بها آية سورة المائدة:

الوقفة الأولى: عِلم الله تعالى السابق لحاجة البشرية إلى البلد الحرام !!
لم يُحرِّم الله تعالى البلد الحرام بسبب قتال وقع بين فئتين مختصمتين في مكة؛ فأوحى عندها سبحانه إلى نبي من أنبيائه عليهم السلام بتحريم البلد الحرام !!
كلا .. إن الله تعالى -لعلمه السابق سبحانه بحاجة الناس إلى البلد الحرام- حرّم مكة قبل خلق البشر .. حرّمها يوم خلق السماوات والأرض، قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ؛ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا، وَلا يُخْتَلَى خَلاهُ)[متفق عليه]، فأضحت أم القرى -بما خصها الله تعالى من أحكام- أطهر بقاع الأرض !!

الوقفة الثانية: عِلم الله تعالى السابق لحاجة البشرية إلى هدى البيت الحرام، قال تعالى عن بيته الحرام: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران : ٩٦]، ومن بين هدى البيت الحرام: الطواف؛ منذ آلاف السنين، وعلى مدار الليل والنهار !!
والطواف صورة من صور التوحيد الخالص لله تعالى؛ فيه هدى للمؤمنين !!
وهو هدى للعالمين .. حيث ترى مجتمعات غير المسلمين من خلاله طُهر مجتمعاتنا المسلمة .. إذ يخلو الطواف بالبيت الحرام -بالرغم من الاختلاط بين الجنسين والزحام- يخلو من كل ما يكدر صفو طُهرِه من الأذى والنظر الحرام، يحصل ذلك لاستشعارهم رقابة الله تعالى عليهم !!
ولا أشك أبدا في أن منظر الطواف يعكس لدى غير المسلمين طُهر المجتمعات المسلمة، حيث يؤكد منظر الطواف لهم أن المسلمين يتعاملون في بيوتهم وفي مجتمعهم وفق شريعة ربهم، مستشعرين رقابته سبحانه عليهم !!
وقد يهدي الله تعالى الباحثين عن الحق من غير المسلمين إلى الإسلام بسبب منظر الطواف المهيب !!

الوقفة الثالثة: عِلم الله تعالى السابق لحاجة البشرية إلى الأمن، حيث جعل الله تعالى لبلده الحرام خصائص عِظاما؛ منها: خصيصة الأمن؛ لتغدو مكة المكرمة منارة في الأمن للعالمين، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا} [البقرة : ١٢٦]، وقال تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا} [القصص : ٥٧]، وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت : ٦٧]، وقال تعالى: {وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} [التين : ٣]!!

أخيرا: تكرر اسم الله تعالى العليم؛ وصفة العلم لله تعالى كثيرا في كتاب الله الكريم !! وكل آية ختمها الله تعالى باسمه العليم؛ أو بصفة العلم له؛ لو تدبرها المسلم لوجد فيها معانٍ عظيمة؛ كما مر معنا -بتوفيق الله- في تدبر آية المائدة في هذا المقال !!
وهكذا الحال مع باقي أسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلا !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي​

التأمل المفيد – ٢١٠

التأمل المفيد (٢١٠)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الخامسة والسبعون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ..} [التوبة : ٢٨]، قال أهل التفسير: “يا معشر المؤمنين إنما المشركون رِجْس وخَبَث فلا تمكنوهم من الاقتراب من الحرم بعد هذا العام التاسع من الهجرة.” !!

عرف الناس في هذا العصر قضية عدم السماح لشخص بدخول دولة من الدول؛ بسبب انحراف في فكره وسلوكياته !! وعندها يبدأ الشخص الممنوع بالبحث عن سبب منعه؛ علّه يتغير ويرفع عن نفسه هذا الحظر؛ بتفادي أسباب المنع !!

ولله تعالى المثل الأعلى .. الله تعالى الحكيم العليم حرّم على المشركين دخول البلد الحرام؛ علّهم يتفكروا في سبب هذا التحريم -وهو تحريم بعثه الإسلام من جديد؛ حين طهّر الرسول صلى الله عليه وسلم البلد الحرام من الشرك والمشركين، وأعاده إلى الحنيفية السمحة؛ ملة أبينا إبراهيم عليه السلام، ونزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ..}- علّهم يتفكروا في سبب هذا التحريم فيهتدوا إلى الإسلام !! وإذا استسلموا لله تعالى ارتفع عنهم من الحُرمات ما هو أشد وأعظم من حُرمة دخولهم البلد الحرام، ولبيان ذلك أسوق هذين المثالين:

الأول: استسلامهم لله تعالى لا يعني فقط السماح لهم بدخول البلد الحرام !! بل ويمنحهم سبحانه الأمن -في هذه الدنيا- الذي حرّمه على المشركين، قال تعالى: {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ • الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام : ٨١-٨٢]، والظلم في الآية الكريمة هو الشرك كما قال أهل التفسير .. فانظر كيف يُحرَم المشركون نعمة الأمن بسبب شركهم، فضلا عن حِرمانهم من دخول البلد الحرام ؟؟!!

الثاني: استسلامهم لله تعالى لا يعني فقط السماح لهم بدخول البلد الحرام !! بل ويدخلون الجنة التي حرّمها الله تعالى على المشركين، قال تعالى: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [المائدة : ٧٢]، فانظر كيف يُحرَم المشركون الجنة بسبب شركهم، فضلا عن حِرمانهم من دخول البلد الحرام ؟؟!!

وأخيرا: انظر إلى الفلاح العظيم الذي حازه من حرّم الله عليه دخول البلد الحرام؛ فتفكر في سبب منعه؛ فاهتدى إلى الإسلام وإلى سعادة الدنيا والآخرة، قال تعالى، {فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا} [آل عمران : ٢٠] !!
ثم انظر كم هي خسارة من يعلم من المشركين أن الله تعالى حرّم عليه دخول البلد الحرام؛ ثم هو لا يبحث ولا يقرأ عن سبب هذا المنع، قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران : ٨٥] ؟؟!!
و ما ذكرته في هذا المقال من حِرمان يقع على المشركين إنما هو غيض من فيض من أنواع الحِرمان، ولولا خوف الإطالة لذكرت أمثلة أخرى !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ٢٠٩

التأمل المفيد (٢٠٩)

الحلقة السادسة عشرة من سلسلة الجنة والكعبة .. وتذكير الحجر الأسود لنا بالجنة -كونه منها- مرات عديدة يوميا؛ كلما اتجهنا إلى القبلة؛ في صلاة وغيرها مما شرع لنا ربنا استقبال القبلة له !!!

قال الله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} [التحريم : ١١] !!

يتمنى كثير من المسلمين أن يمتلك بيتا في هذه الدنيا؛ ليضع عن كاهله كابوس رسوم الإيجار التي تقض مضجعه وتؤرقه وتشغله بالتفكير ليلا ونهارا !!
وبعضهم إذا تملك دارا؛ أخذت نفسه تتوق لامتلاك آخر؛ أوسع وأرحب .. وهذا كله مشروع ومحمود، قال صلى الله عليه وسلم: (أربعٌ من السعادة: المرأةُ الصالحة، والمسكنُ الواسِع، والجارُ الصالح، والمَرْكَب الهنيء)[صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٨٢)] !!

لكن الأهم من ذلك؛ سؤال الله تعالى بإلحاح بأن يكرمه بيتا في الجنة؛ كما قالت امرأة فرعون رضي الله عنها -{رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ}- فلم تنسها لذة الإيمان بالله تعالى؛ قصور فرعون فقط، بل أنستها حتى شدة تعذيب فرعون لها، وصار حلمها الكبير بيت في الجنة !!

وبما أن الحياة في هذا العصر قد غلب عليها الجانب المادي -حتى صار البعض من المسلمين لا يذكر الجنة إلا إذا ذُكِّر بها- فالسؤال الذي يطرح نفسه: كم من المفروض أن تشغل الجنة من حيز تفكيرنا اليومي ؟!

الجواب: التفكير في الجنة والعمل لها يجب أن يتناسب مع عظمة جنة الخلد بالنسبة للدنيا الفانية !!
هذا وإن أعظم من يبين لنا هذا التناسب بين الدنيا وجنة الخلد هو ربنا سبحانه وتعالى ورسولنا صلى الله عليه وسلم !!

قال الله تعالى مخاطبا الصحابة رضوان الله عليهم: {أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة : ٣٨]، ومع أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم تفتح عليهم الدنيا كما هي عليه في هذا العصر، إلا أن بيان حقيقة الدنيا وأنها متاع قليل زائل، وأن متاع الآخرة كثير دائم؛ كان لابد وأن يُرسّخ في نفوسهم رضوان الله تعالى عليهم !!

وأمّا السُنّة فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لَوْ كَانَت الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّه جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْها شَرْبَةَ مَاءٍ) [صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٦٨٦)]، وبما أن الله تعالى أعطى غير المسلمين أكثر من شربة الماء؛ فهذا يدل على أن الدنيا لا تعدل عند الله تعالى حتى ولا جناح بعوضة !!

أخيرا: إن ممّا يعين المسلم -الذي يقوم بواجباته في هذه الدنيا تجاه نفسه وأهله ومجتمعه- ممّا يعينه على أن يديم إلحاحه على ربه ببيت في الجنة؛ ما سنه لنا رسول الهدى صلى الله عليه وسلم حيث قال: (مَن صلَّى اثنتَي عشرةَ ركعةً في يومٍ وليلةٍ؛ بُنِي له بهن بيتٌ في الجنة) [رواه مسلم (٧٢٨)]، فلا يفتأ المحافظ على السنن الرواتب يذكر أمنيته؛ بيتا في الجنة؛ كلما صلى سنة راتبة !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ٢٠٨

التأمل المفيد (٢٠٨)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الرابعة والسبعون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية : ١٣] !!
سبق الكلام في المقال السابق عن تسخير الدواب من الله تعالى للناس !! وأخصص هذا المقال عن تسخير الجمادات والنباتات وموجات الأثير -الموجات الكهرومغناطيسية- من الله تعالى للناس؛ وكيف تعامل الناس معها !!

الحديد معدن من مجموعة من المعادن؛ سخرها الله تعالى للناس، قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}[الحديد : ٢٥]؛ استخدمه الناس -مسلمون وغيرهم- فيما ينفعهم كصناعة المحركات، وأعمال البناء، وغير ذلك من الاستخدامات الكثيرة النافعة !! غير أن البعض من غير المسلمين خرج عن دائرة الاستخدامات النافعه للحديد؛ إلى استخدامات شركية؛ فصنعوا منه الأصنام؛ يعبدونها من دون الله تعالى، قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} [الفرقان : 3] !!

والأشجار التي سخرها الله تعالى للناس، كما قال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ} [يس : ٨٠]، وقال تعالى: {يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل : ١١]؛ استخدمها الناس -المسلمون وغيرهم- فيما ينفعهم كإنتاج الطاقة وصناعة الورق والأثاث وغير ذلك من الاستخدامات الكثيرة النافعة، غير أن البعض من غير المسلمين خرج عن دائرة الاستخدامات النافعه للأشجار؛ إلى استخدامات خاطئة؛ فصنعوا من أقمشة النباتات -كالقطن والكتان- أنواعا من الألبسة الخادشة للحياء، وقد بين الله تعالى أن من أهداف الشيطان الكبيرة تعرية البشرية من اللباس الساتر، قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا} [الأعراف : ٢٧] !!
وصنعوا من بعض الفواكه الخمور، قال صلى الله عليه وسلم: (اجتنِبوا الخمرَ؛ فإنَّها مِفتاحُ كلِّ شرٍّ) [السلسلة الصحيحة (٢٧٩٨)] !!

أما موجات الأثير التي سخرها الله تعالى للناس -وهي غير منظورة للعين المجردة، وداخلة في قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ • وَمَا لَا تُبْصِرُونَ} [الحاقة : ٣٨-٣٩]، قال الشيخ السعدي في تفسيرها: “أقسم تعالى بما يبصر الخلق من جميع الأشياء وما لا يبصرونه”- موجات الأثير استخدمها المسلمون وغيرهم فيما ينفعهم من التواصل الإيجابي ونشر الخير عن طريق المذياع والتلفاز والشبكة العنكبوتية !! غير أن البعض من غير المسلمين خرج عن دائرة الاستخدامات النافعه لموجات الأثير؛ إلى استخدامات خاطئة؛ كنشر المعتقدات الباطلة والإلحاد والإباحية وترويج الفساد !!

وأخيرا: فإن الناس لو أرادوا الإفادة المُثلى مما سخره الله تعالى لهم؛ ممّا خلق في السماوات والأرض -{وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ}- وأن يتجنبوا عواقب الاستخدام الخاطئ لها؛ فلا يكون ذلك إلا بالاستسلام لله تعالى والانقياد لشرعه؛ الذي أبان فيه الخبيث من الطيب، قال تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف : ١٥٧] !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي