التأمل المفيد – ٢٣٠

التأمل المفيد (٢٣٠)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الحادية والتسعون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ۚ ذَٰلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} [ق : ٤٤]، قال أهل التفسير: “يوم تتصدع الأرض عن الموتى المقبورين بها، فيخرجون مسرعين إلى الداعي، ذلك الجمع في موقف الحساب علينا سهل يسير.” !!

مع أن غير المسلمين -على مر العصور- دأبوا على الاهتمام بالأحداث المستقبلية التي تمس حياتهم .. غير أن حشر الناس إلى ربهم يوم القيامة؛ لا نجده حاضرا في نفوسهم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} [الممتحنة : ١٣] !!

وأمّا المتقون من المسلمين -على مر العصور- فإنهم يحسبون لهذا الحدث العظيم -حشر الناس لرب العالمين- حسابا كبيرا، قال تعالى عن موسى وهارون عليهما السلام: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ • الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء : ٤٨-٤٩]، تأمل إشفاقهما عليهما السلام من الساعة؛ يوم يقوم الناس فيه لرب العالمين !!

ولأن حشر الناس على الله تعالى أمر يسير، قال تعالى: {ذَٰلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} !!
فدعونا نقف وقفات مع يُسر حشر الله تعالى للخلق؛ متى يشاء، وكيف يشاء سبحانه:

الوقفة الأولى: لقد كان يسيرا على خالق هذا الكون سبحانه أن يحشر جميع ذرية آدم عليه السلام، للمرة الأولى في هذه الدنيا في عرفة -وادي نعمان- قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ} [الأعراف : ١٧٢]، وعن ابن عباس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال : “أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان” يعني عرفة “فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قِبَلا فقال : (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا} الآية – إلى {بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} .. [السلسلة الصحيحة 1623] !!

الوقفة الثانية: وكذلك يسير على الله تعالى أن يحشر الخلق أجمعين يوم القيامة، فلا يترك منهم أحدا، قال تعالى: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا} [الكهف : ٤٧]، حتى الشياطين يحشرهم، قال تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا} [مريم : ٦٨]، وحتى الدواب والطير يحشرهم يوم القيامة، قال تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام : ٣٨]، قال أهل التفسير: “فيحاسب الله كلا بما عمل.” !!

الوقفة الثالثة: ويسير على الله تعالى أن يحشر المتقين إليه -وهو الرحيم بهم- وفودا مكرمين يوم القيامة، قال ذلك أهل التفسير في معنى قوله تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا} [مريم : ٨٥] !!

الوقفة الرابعة: كما هو يسير عليه سبحانه أن يحشر المجرمين زرقا، قال تعالى: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا} [طه : ١٠٢]، قال أهل التفسير: “تغيَّرت ألوانهم وعيونهم؛ من شدة الأحداث والأهوال.” !!

وأخيرا: لأن حشر الخلق يوم القيامة حدث جلل وعظيم؛ فقد اعتنى القرآن الكريم بالتذكير به بأساليب متنوعة، وفي مناسبات مختلفة !!
من ذلك: ذكره مع مواسم العبادات، ففي الحج الذي يحتشد فيه جمع كبير من المسلمين لأداء مناسكهم؛ وخاصة اجتماعهم في عرفة -المكان الذي حشر الله تعالى فيه البشرية جمعاء للمرة الأولى، كما مرت معنا النصوص الشرعية- جاء التذكير بالحشر يوم القيامة في آية من آيات أحكام الحج، قال تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [البقرة : ٢٠٣] !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله تعالى له ولوالديه وللمسلمين ..​

التأمل المفيد – ٢٢٩

التأمل المفيد (٢٢٩)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة التسعون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [لقمان : ٢٢]، قال أهل التفسير: “ومن يُخْلص عبادته لله وقصده إلى ربه تعالى، وهو محسن في أقواله، متقن لأعماله، فقد أخذ بأوثق سبب موصل إلى رضوان الله وجنته. وإلى الله وحده تصير كل الأمور، فيجازي المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته.” !!

يتسابق أهل الهمم -في عصر صار شعاره: العلم طريق النجاح- إلى نيل أعلى الدرجات العلمية، ويلتحقون لأجل ذلك بأعرق وأشهر الجامعات .. موقنين أن ذلك هو السبيل الأفضل والأميز لضمان مستقبل وظيفي آمن وكريم .. وهذا أمر جيد وحسن !!

غير أن هناك درجة شرف عليا، لا تضاهيها درجة أخرى في الشرف والعلو، يمنحها رب السماوات والأرض للمؤمن، لتكون مفتاح النجاح والسعادة له في الدنيا والآخرة !!

ولكونها أعلى درجة يمكن أن ينالها إنسان على وجه هذه الأرض؛ فقد اشترط مانح هذه الشهادة -الله تعالى جل جلاله- لمن وفقه لنيلها؛ أن يسير في هذه الدنيا وفق منهج علمي وعملي، واضح المعالم، بّين الأركان !!

فأمّا المنهج فهو في قوله تعالى: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ}؛ يتمسك به الإنسان طوال حياته؛ لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ عالما بمعناها، وعاملا بمقتضاها، إذ هو أعظم منهج يوصل إلى أعلى شهادة يتمناها البشر !!

وأمّا الشهادة التي يحصل عليها السائر على هذا المنهج القويم؛ فهي من خالق الكون سبحانه، عنوانها: {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ} !!
والعروة الوثقى: هي أعظم سبب موصل إلى رضوان الله تعالى وجنته !!

وأمّا أثر هذا الاستسلام لله رب العالمين في هذه الدنيا؛ فهنا مثال لإمام من عصرنا؛ الشيخ ابن باز رحمه الله، قال: “لما فقدت بصري وأنا صغير سمعت خالتي تقول لأمي وظنتني نائمًا: مسكين عبدالعزيز كيف سيحصل على عمل يعيش منه”[كتاب: فتاوى ومسائل في الحج لابن باز-جمع عبدالرحمن الهرفي (ص: ٢)]، وكلنا يعلم كيف عاش رحمه الله؛ مسلما وجهه لله تعالى، محسنا في قوله وعمله، غني النفس، قد رفع الله ذكره بين الناس، وأسأل الله تعالى أن يسكنه الفردوس الأعلى من الجنة !!

وحُق لنا بعد ذلك أن نتباهى فنقول: أي جامعة تعلو على جامعة القرآن الكريم والسنة المطهرة !!
وأي شهادة تعلو على شهادة الملك الديان !!

وأخيرا: من رحمة الله تعالى بالمؤمنين أن يسر لهم أزمنة شريفة يزدادون فيها استسلاما لله تعالى، وإحسانا في القول والعمل، واستمساكا بالعروة الوثقى، من ذلك عشر ذي الحجة؛ أفضل أيام الدنيا، قال صلى الله عليه وسلم: (ما مِن أيَّامٍ العمَلُ الصَّالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى اللَّهِ مِن هذهِ الأيَّامِ العَشر فقالوا يا رسولَ اللَّهِ ولا الجِهادُ في سبيلِ اللَّهِ ؟ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ولا الجِهادُ في سبيلِ اللَّهِ إلَّا رجلٌ خرجَ بنفسِهِ ومالِهِ فلم يرجِعْ من ذلِكَ بشيءٍ.) [رواه البخاري (٩٦٩)] !!

اللهم بلغنا العشر من ذي الحجة، وأحسن لنا فيها القول والعمل ..
اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله تعالى له ولوالديه وللمسلمين ..

التأمل المفيد – ٢٢٨

التأمل المفيد (٢٢٨)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة التاسعة والثمانون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} [البقرة : ١٣٨]، قال أهل التفسير: “الزموا دين الله الذي فطركم عليه، فليس هناك أحسنُ مِن فطرة الله التي فطر الناس عليها، فالزموها وقولوا نحن خاضعون مطيعون لربنا في اتباعنا ملَّة إبراهيم.” !!

في مثل عصرنا؛ الذي صورت فيه العولمة الغربية البغيضة للبشرية أن الدين شأن خاص بين العبد وربه، وأن الحياة المادية هي ميدان التسابق بين البشر، وأن الآخرة يكفيها اليسير من التفكير الخالي من تصور أحداثها العِظام؛ التي أكثر القرآن الكريم من ذِكرها، ما أدى إلى تأثر غير المسلمين بفلسفة تلك العولمة تأثرا كبيرا؛ فنبذوا أديانهم وراء ظهورهم، وعمّ الألحاد بلدانهم، وزادوا ضلالا بعيدا عمّا كانوا عليه من الضلال والشرك والبعد عن الدين الحق !!

في مثل هذا العصر؛ يتحتم على المسلمين حماية أنفسهم من العولمة وفلسفتها؛ بتعميق معاني القرآن العظيم في نفوس الناس، كقوله تعالى في الآية التي هي موضع التأمل: {صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} !!

إن اختيار العليم الحكيم لكلمة {صِبْغَةَ} في الآية الكريمة يختصر لنا ماهية هذا الدين، وأنه كالصبغة التي لا تترك في الثوب المصبوغ بقعة إلا غيرتها !!
وهكذا دين الإسلام القويم لا يترك عملا يقوم به الإنسان إلا وصبغة الإسلام -الذي هو دين الفطرة- قد وجهته الوجهة المُثلى !!

إن قول الله تعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ}؛ يعني توجيه حياة الإنسان كلها وفق منهج الله تعالى؛ منذ بلوغه وحتى يُلحد في قبره، وهذا ما يسعده في دنياه وآخرته .. ويحيا بالقرآن قلبه، ويكون له نورا يمشي به في الناس، قال تعالى: {أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} [الأنعام : ١٢٢] !!

وأخيرا: في مقابل التصور المنحرف للعولمة -الذي أشرت إليه في مقدمة المقال- نجد أن المعيار الذي وضعه سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم للنظر إلى الدنيا والآخرة هو قوله: (من كانت الدُّنيا همَّه، فرَّق اللهُ عليه أمرَه، وجعل فقرَه بين عينَيْه، ولم يأْتِه من الدُّنيا إلَّا ما كُتِب له، ومن كانت الآخرةُ نيَّتَه، جمع اللهُ له أمرَه، وجعل غناه في قلبِه، وأتته الدُّنيا وهي راغمة)[صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٩٥٠)] !!

هذا وإن من أعظم معاني قوله صلى الله عليه وسلم: (ومن كانت الآخرةُ نيَّتَه)؛ أن يكون رضا الله تعالى همّه، فينقاد لمنهجه القويم في هذه الدنيا؛ الذي يدله إلى أفضل وأعظم ما يرفعه في كل مجالاتها؛ التعبدية والاقتصادية والاجتماعية .. إلى آخره، فتأتيه الدنيا وهي راغمة، كما قال صلى الله عليه وسلم .. وهذا ما يحصل للأمة المسلمة طوال تاريخها المديد، كلما كان همُّها الآخرة؛ أتتها الدنيا وهي راغمة .. فالدنيا والآخرة ملك لله تعالى، قال تعالى: {من كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء : ١٣٤] !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله تعالى له ولوالديه وللمسلمين ..​

التأمل المفيد – ٢٢٧

التأمل المفيد (٢٢٧)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الثامنة والثمانون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ • إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ} [النجم : ٣-٤]، قال أهل التفسير: “وليس نطقه صادرًا عن هوى نفسه. ما القرآن وما السنة إلا وحي من الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.”، وقال صلى الله عليه وسلم: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)[صححه الألباني في صفة الصلاة (١٧١)] !!

من أعظم ما يملأ قلب المؤمن حبا وتصديقا لأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الصحيحة؛ هو معرفته أنها وحي أوحاه الله تعالى إليه، قال صلى الله عليه وسلم: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، قال الشيخ ابن باز في شرح الحديث: “فهذا الحديث من الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومعنى (ومثله معه) يعني: أن الله أعطاه وحياً آخر وهو السنة التي تفسر القرآن وتبين معناه”، وقال رحمه الله: “فهو صلى الله عليه وسلم أوحى الله إليه القرآن وأوحى إليه أيضاً السنة، وهي الأحاديث التي ثبتت عنه عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق بالصلاة والزكاة والصيام والحج والمعاملات وغير ذلك، فالسنة وحي ثاني أوحاه الله إليه عليه الصلاة والسلام، وهو يعبر عن ذلك بأحاديثه التي بينها للأمة، وتلاها على الأمة عليه الصلاة والسلام”، وقال رحمه الله عن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم: “فهي كلها وحي لكنها وحي بالمعنى وألفاظها ألفاظ النبي عليه الصلاة والسلام.” انتهى كلامه رحمه الله تعالى [موقع الشيخ ابن باز ، نور على الدرب، معنى قوله صلى الله عليه (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)]!!

وقد وعد الله تعالى بحفظ وحيه؛ سواء كان القرآن الكريم أو السنة المطهرة، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر : ٩] !!
وكلنا يعلم من حِفظ الله تعالى للقرآن الكريم: أن وفق تعالى أبا بكر رضي الله عنه بتكليف زيد بن ثابت رضي الله عنه بتتبع الوحي وجمعه، فجمعه زيد من الرقاع والعسب واللخاف وصدور الرجال .. إلى آخر ما جاء في كتب أهل العلم عن حِفظ الله تعالى للقرآن الكريم !!

وكذلك حِفظ الله تعالى لما أوحى سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم من السنة -التي هي وحي من الله تعالى بالمعنى وألفاظها ألفاظ النبي عليه الصلاة والسلام، كما مر معنا من كلام الشيخ ابن باز- بأن قيض تعالى لذلك علماء جهابذة كالبخاري ومسلم وغيرهم من رجال الحديث، الذين اهتموا بالحديث الشريف رواية ودراية، وهو ما يسمى بعلوم الحديث !!

أخيرا: لقد شدد القرآن الكريم والسنة المطهرة على ضرورة طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أوحاه له ربه من السنة، قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر : ٧]، وقال تعالى: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء : ٨٠]، وقال صلى الله عليه وسلم: (لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ)[صححه الألباني في صحيح الجامع (٧١٧٢)]!!

كما حذّر القرآن الكريم والسنة المطهرة من التقول والكذب على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النحل : ١٠٥]، ويدخل في الكذب على الله تعالى والتقول عليه؛ الكذبُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه لا ينطق عن الهوى، وإنما هو مبلّغ عن ربه تعالى، وقال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ كَذِبًا عليَّ ليس ككذبٍ على أحدٍ، فمن كذب عليَّ مُتعمِّدًا، فلْيتبوَّأْ مقعدَه من النَّارِ)[رواه البخاري (١٢٩١)] !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله تعالى له ولوالديه وللمسلمين ..​

التأمل المفيد – ٢٢٦

التأمل المفيد (٢٢٦)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة السابعة والثمانون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف ١٥٨] !!

البشر يفرقون بين رسول جاء من قِبَل أحد عامة الناس؛ وبين رسول جاء من قِبَل رجل من عِلية القوم !!

ولله المثل الأعلى .. فكيف برسول الله صلى الله عليه وسلم المُرسل ممّن له ملك السماوات والأرض، قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ} ؟؟!!

لذلك فإن من أعظم طرق تعظيم الرسل عليهم السلام -وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم- ازدياد معرفة المؤمن بمُرسِل الرسل -الله العلي العظيم- لتعلو بذلك مكانة الرسل في نفوس المؤمنين !!

فدعونا نقف وقفتين مع كتاب الله تعالى لنرى تعظيم الله تعالى لذاته العلية؛ التي أعقبت الحديث عن إرسال الرسل عليهم السلام:

الوقفة الأولى:
أعظم أمر عظّم الله تعالى به نفسه هو وحدانيته سبحانه؛ وألّا إله غيره .. وقد ورد في القرآن الكريم ذكر وحدانية الله تعالى عند ذكر الرسل عليهم السلام، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء : ٢٥]، فيالله ما أرفع مكانة من اختاره الإله الواحد الأحد ليكون رسولا للناس !!

كما بين لنا القرآن الكريم -في آيات متتاليات من سورة الدخان- أن الرسل عليهم السلام مرسلون من الرحمن، السميع العليم، رب السماوات والأرض، الذي يحيي ويميت، رب البشر أجمعين، قال تعالى: {أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ • رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ • رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ • لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} [الدخان : ٥-٨]

الوقفة الثانية:
بين لنا القرآن الكريم أنه حتى مكذبي الرسل يقولون: بأن مكانة الرسل عليهم السلام ستعلو في نفوسهم، وسيصدقونهم إذا ما جاء رسولهم بآية إعجازية من المُرسِل سبحانه -وصدقوا في ذلك، وإن كانوا كاذبين لنكوصهم عن قولهم عند مجيئ الآيات-، حكى لنا القرآن الكريم قول المكذبين: {مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الشعراء : ١٥٤] !!

ولذلك نجد القرآن الكريم يحدثنا عن الآيات التي أعطاها الله تعالى لرسله عليهم السلام -حتى يعلم الناس عظمة الخالق سبحانه؛ ولتزداد بذلك مكانة الرسل عليهم السلام في نفوس العباد- قال تعالى عن موسى عليه السلام: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [المؤمنون : ٤٥]، وكذلك تحدث القرآن الكريم عن معجزات عيسى وصالح وغيرهم من الرسل عليهم السلام !!

وكذلك خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام -سيد الأولين والآخرين- أعطاه الله تعالى من دلائل النبوة؛ من المعجزات الشيء الكثير .. غير أن أعظم معجزاته صلى الله عليه وسلم هو القرآن الكريم، قال صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنَ الأنبياء مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْياً أَوْحَى الله إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[متفق عليه]، لتعلو بذلك مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم في نفوس الناس !!

وقد حصل أن ارتفعت مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم في نفوس الناس؛ حتى من غير المسلمين في هذا العصر، فهذا مايكل هارت يجعل الرسول صلى الله عليه وسلم على رأس الخالدين المائه في كتابه: “الخالدون المائة”، وما ذاك إلا للمكانة العالية التي حظي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في النفوس بفضل القرآن الكريم؛ المعجزة الخالدة !!

وأخيرا: الرسل عليهم السلام مرسلون من الله تعالى ذي الأسماء الحسنى، قال صلى الله عليه وسلم: (للهِ تبارَك وتعالى تِسعةٌ وتسعونَ اسمًا مَن أحصاها دخَل الجنَّةَ)[متفق عليه] .. فبقدر ما يزداد المؤمنون معرفة لهذه الأسماء الحسنى لله تعالى -مُرسِل الرسل سبحانه، الذي اختارهم واصطفاهم عليهم السلام بعلم وحكمة وهو السميع البصير، قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}[الحج : ٧٥]- بقدر ما يزداد المؤمن معرفة لهذه الأسماء الحسنى التسعة والتسعين؛ بقدر ما ترتفع مكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلبه !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله تعالى له ولوالديه وللمسلمين ..

التأمل المفيد – ٢٢٥

التأمل المفيد (٢٢٥)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة السادسة والثمانون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ} [القصص : ٥٠] !!

أدرك مثقفو البشر وعامتهم أن مواجهة أي مرض جسدي عُضال؛ لا يكون بأخذ الإنسان ما تهواه نفسه من علاج، ولا يكون كذلك برفض ما يقرره له المختصون من ممارسات تحفظ له -بإذن الله تعالى- صحته !!

وكذا من أراد تشييد مبنى -وهو لا يعرف شيئا عن الهندسة، ومواصفات ومقادير مواد البناء- لا ينبغي له مباشرة بناء منشأته على هواه؛ وإلا فإن المبنى يوشك أن يخر ساقطا عليه !!

ولله المثل الأعلى .. فكيف عساه يكون خطر اتباع المسلم هواه؛ أو هوى غيره -فيما جاء في ديننا عن إصلاح الفرد نفسه، أو أسرته، أو مجتمعه- الذي بين القرآن الكريم ألّا ضلال بعده، قال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ} ؟؟!!، ذلك أن صلاح الفرد والأسرة والمجتمع أمر تُبنى عليه سعادة الدنيا والآخرة، قال ذلك رب العالمين: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ • نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [فصلت : ٣٠-٣١]، ويا سعد من تولاه الله تعالى في الدنيا والآخرة !!

وقد حذّر القرآن الكريم والسنة المطهرة من اتباع الهوى:

أولا: القرآن الكريم:
قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الجاثية : ١٨]، قال أهل التفسير: “ثم جعلناك -أيها الرسول- على منهاج واضح من أمر الدين، فاتبع الشريعة التي جعلناك عليها، ولا تتبع أهواء الجاهلين بشرع الله الذين لا يعلمون الحق. وفي الآية دلالة عظيمة على كمال هذا الدين وشرفه، ووجوب الانقياد لحكمه، وعدم الميل إلى أهواء الكفرة والملحدين.” !!
وقال تعالى: {فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء : ١٣٥] !!

ثانيا: السنة المطهرة:
شدة غضب النبي صلى الله عليه وسلم لمن أفتى من الصحابة -رضوان الله عليهم- من عند أنفسهم؛ للرجل المحتلم؛ حتى مات بسبب فتواهم، فقال: (قتَلوه، قتَلَهم اللهُ، ألَا سألوا إذ لم يَعْلَموا؛ فإنَّما شِفاءُ العِيِّ السؤالُ، إنَّما كان يَكْفيه أنْ يتيَمَّمَ ويَعْصِرَ أو يعصِبَ -شكَّ موسى- على جُرْحِه خِرْقةً، ثمَّ يمسَحَ عليها، ويغسِلَ سائرَ جسَدِه.) [رواه أبو داود، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٣٣٧)] !!

وأخيرا: سؤال يطرح نفسه: ما هو علاج مرض اتباع الهوى ؟!
الجواب: العلم -الذي يرجو المؤمن من ورائه رضى الله تعالى- أو سؤال أهل العلم إن كان لا يعلم !!

ولذا فقد عظّم الإسلام من أمر العلم الشرعي وتعلُّمه وتعليمه، جاء ذلك في كثير من آي الكتاب الحكيم؛ وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم !!

أولا: القرآن الكريم:
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الجمعة : ٢]، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} [التوبة : ١٢٢]، وقال تعالى: {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} [مريم : ٤٣]، وغيرها كثير !!

وكذلك وجه القرآن الكريم بسؤال أهل العلم؛ إذا لم يعلم أحدنا مسألته، قال تعالى: {ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل : ٤٣] !!

ثانيا: السنة المطهرة:
قال صلى الله عليه وسلم في تعظيم شأن العلم: (منْ سَلَكَ طَريقًا يَبْتَغِي فِيهِ علْمًا سهَّل اللَّه لَه طَريقًا إِلَى الجنةِ) [رواه مسلم (٢٦٩٩)]، وقال صلى الله عليه وسلم: (مَن يُرِدِ اللَّهُ به خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ)[متفق عليه] !!

وكذلك وجه صلى الله عليه وسلم المسلم -كما مر معنا آنفا- بالسؤال إذا لم يعلم، قال صلى الله عليه وسلم: (قتَلوه، قتَلَهم اللهُ، ألَا سألوا إذ لم يَعْلَموا؛ فإنَّما شِفاءُ العِيِّ السؤالُ) !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله تعالى له ولوالديه وللمسلمين ..

التأمل المفيد – ٢٢٤

التأمل المفيد (٢٢٤)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الخامسة والثمانون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا} [الكهف : ١٠٠]، قال أهل التفسير: “وعرضنا جهنم للكافرين، وأبرزناها لهم لنريهم سوء عاقبتهم.” !!

إن دعاء المؤمن ربه تعالى أن يعتقه من النار؛ يعني كذلك دعاءه أن يعتقه من تلك المواقف الشنيعة- التي تمر بأهل النار قبل رميهم فيها- التي حكاها لنا القرآن الكريم !!
وذِكر النار وأهلها المخلدون فيها؛ فيه تخويف للمؤمنين ليتقوه سبحانه، قال تعالى: {لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ۚ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ} [الزمر : ١٦]، وتدفعهم إلى مزيد من إحسان العمل حتى يرضى الله تعالى عنهم، ويسلِّمهم منها !!

فدعونا نقف وقفتين، نستعرض بعض هذه المواقف؛ التي سيقفها أصحاب النار قبل ورودهم فيها، لعلّها تحدث في نفوسنا الخوف منها !!

الوقفة الأولى:
الحالة النفسية المهينة التي يكون عليها أصحاب النار قبل رميهم فيها !!

تُعرض جهنم على الكافرين قبل أن يُلقوا فيها، قال تعالى: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا} [الكهف : ١٠٠]، ويُقال لهم حينها: {هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [يس : ٦٣]، ليروا المكان المخيف الأليم الذي سيُخلدون فيه إلى أبد الآبدين؛ وقد بلغت نفوسهم من الخوف والضيق والحزن منتهاه؛ لهول مطلع جهنم !!

كذلك يُوبخون أثناء هذا العرض المهين على استحبابهم الدنيا على الآخرة : {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا} [الأحقاف : ٢٠] !!

كما يُذكّرون -وهم يرون النار- كيف أنهم كانوا يكذِّبون بالرسل عليهم السلام، قال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [الزمر : ٧١] !!

ومع هذا العرض لجهنم على الكافرين؛ وما يقال لهم من كلمات التأنيب والتبكيت؛ بات مُستيقنا لديهم أنهم واقعون فيها لا محالة: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا} [الكهف : ٥٣] !!

الوقفة الثانية:
الهيئة الجسدية البغيضة التي يكون عليها أصحاب النار قبل رميهم فيها !!

أمًا الوجوه؛ فهي مسودة، قال تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ۚ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ}[الزمر ٦٠] !!
ويُسحبون على هذه الوجوه المسودة إلى جهنم سحبا، قال تعالى: {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان : ٣٤] !!

وأمّا الأعين؛ فإنهم ينظرون بها إلى النار من طرف ذليل ضعيف من الخوف والهوان، قال تعالى: {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشورى : ٤٥] !!

قد صُفِدت أعناقهم بالسلاسل والأغلال، قال تعالى: {إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ}[غافر ٧١] .. يُساقون بهذه الأغلال إلى النار سوقا شديدا مُشاة عِطاشا، قال تعالى: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا} [مريم : ٨٦]، ويُدفَعُون دفعًا بعنف ومَهانة، قال تعالى: {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} [الطور : ١٣] !!

وأخيرا: فإن من شدة بُغض الله تعالى للكافرين؛ أن جعل النار تُعرض عليهم حتى في قبورهم؛ غدوا وعشيا، ثم يدخلهم فيها يوم القيامة، قال تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر : ٤٦]، قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ أحَدَكُمْ إذَا مَاتَ عُرِضَ عليه مَقْعَدُهُ بالغَدَاةِ والعَشِيِّ، إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النَّارِ فَمِنْ أهْلِ النَّارِ، فيُقَالُ: هذا مَقْعَدُكَ حتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَومَ القِيَامَةِ)[متفق عليه] !!

اللهم نعوذ بك من عذاب النار ومن عذاب القبر !!
اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله تعالى له ولوالديه وللمسلمين ..

التأمل المفيد – ٢٢٣

التأمل المفيد (٢٢٣ )

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الرابعة والثمانون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف : ٢٠١]، قال أهل التفسير: “إن الذين اتقوا الله مِن خلقه، فخافوا عقابه بأداء فرائضه واجتناب نواهيه، إذا أصابهم عارض من وسوسة الشيطان تذكَّروا ما أوجب الله عليهم من طاعته، والتوبة إليه، فإذا هم منتهون عن معصية الله على بصيرة، آخذون بأمر الله، عاصون للشيطان.” !!

ليس غريبا أن ينتبه المتقون -إذا حصل منهم تقصير في أداء واجب، أو الوقوع في منهي من ‏المنهيات- ويعودوا ويتوبوا إلى الله تعالى من قريب !!
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف حاز هؤلاء المتقون على صفة التقوى ؟ وكيف صاروا بهذه اليقظة والانتباه حتى قال الله تعالى فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} ؟

وقبل الجواب على السؤال فإنني ألفت انتباه القارئ الكريم إلى موضوع يكاد يعرفه كل الناس: “أولادنا والتحصيل العلمي” فإن فيه طرفا من الجواب !!

لقد نجحت مؤسسات التعليم ومعهم الوالدان -مشكورين- في غرس معايير النجاح والفشل في التحصيل العلمي في نفوس الأبناء -ليحرص الأبناء على تحقيق معايير النجاح، ويربأوا بأنفسهم عن الوقوع في الفشل- وذلك على مدى ليس باليسير من العمر .. إذ يبدأ من مرحلة الطفولة؛ ويمتد حتى سني الجامعة .. وقد تُوِّج ذلك كله بمعايير للقياس؛ كاختبار القدرات واختبار التحصيل قبيل انتهاء فترة الثانوية، ناهيك عن اختبارات ومقابلات القبول في الجامعات !!

هذا الغرس الممنهج الممتد لأكثر من عقدين في نفوس الأبناء لمعايير النجاح أو الفشل في التحصيل العلمي؛ أحدث في نفوس الطلاب في جميع مراحل التعليم؛ حرصا على تحقيق النجاح الدراسي، مستحضرين مرارة الفشل حتى قبل الوقوع فيه !!
أمّا إذا حصل وأخفق الطالب فإن ألم هذا الإخفاق لا يقتصر عليه فقط، بل يتألم لذلك والداه وإخوانه .. ويتخذ الطالب وذووه كل الإجراءات التصحيحية لهذا الفشل !!

أظن أن القارئ الحصيف انتبه لما أرمي إليه بإيراد موضوع “أولادنا والتحصيل العلمي” عند التأمل في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} !!

إن تحقيق معايير النجاح في التحصيل العلمي يشكل جزءا من موضوع كلي أعظم وأكبر، له معايير نجاح وفشل وضعها خالق الكون سبحانه، ألا وهو الحياة على هذه الأرض وفق منهج الله تعالى؛ لنيل محبته ‏ورضاه، والبعد عن سخطه سبحانه !!

أخيرا: أن نكون ممّن قال الله تعالى فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} -نحن ومن استرعانا الله تعالى- عالمين بأحكام الله تعالى في عباداتنا، وعالمين بأحكامه سبحانه فيما نأتي ونذر في معاملاتنا، مدركين لأهمية ذِكر الله تعالى قياما وقعودا وعلى جنوبنا؛ لهو أعظم مشروع علمي وعملي؛ يحتاج من الأمة المسلمة؛ أفرادا ومجتمعات -بعد توفيق الله تعالى- العناية به فهما وتطبيقا على مدى العمر كله، قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر : ٩٩] !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله تعالى له ولوالديه وللمسلمين ..

التأمل المفيد – ٢٢٢

التأمل المفيد (٢٢٢)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الثالثة والثمانون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [المائدة : ٧٢] !!
هذه الآية الكريمة تكشف لنا جانبا من جوانب موضوعات الدعوة التي انتهجها الأنبياء عليهم السلام -بوحي من الله تعالى- في دعوة غير المسلمين، وهو أن نبين لهم حِرمانهم من دخول الجنة؛ إذا ماتوا على شركهم وتكذيبهم !!

ولذلك كان من أعظم وأجل أعمال نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم -الذي هو أعلم البشرية بنعيم الجنة- دعوة غير المسلمين، لإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومن الحِرمان من دخول الجنة إلى أن يكونوا من أهلها؛ إذا هم أسلموا لله رب العالمين، قال صلى الله عليه وسلم: (فو اللَّهِ لأنْ يهْدِيَ اللَّه بِكَ رجُلًا واحِدًا خَيْرٌ لكَ من حُمْرِ النَّعم)[متفق عليه]، وقال صلى الله عليه وسلم: (ألا رجل يحملني إلى قومه ؟ فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي)[صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٩٤٧)]، وقال صلى الله عليه وسلم: (اللهم اهد دوسًا وأتِ بهم)[متفق عليه] !!

ومن قبله صلى الله عليه وسلم نهج الرسل عليهم السلام ذات النهج، فهذا عيسى عليه السلام -في الآية التي هي موضع التأمل- يخوف بني إسرائيل من الشرك؛ الذي بسببه يُحرم المشرك من دخول الجنة، قال تعالى: {وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}، وبنو إسرائيل منهم من كذّب عيسى عليه السلام؛ وهم اليهود المغضوب عليهم، ومنهم من جعل عيسى إلها؛ وهم النصارى الضالون !!

ونحن على خُطى سيد المرسلين -عليه الصلاة والسلام- ندرك أن النصوص القرآنية التي حرّم الله تعالى فيها الجنة على غير المسلمين؛ تهدف إلى إيصال مرارة هذا الحِرمان إلى نفوسهم؛ متى ما سمعوا أو قرأوا هذه الآيات، وهي مرارة حقيقية يحسون بها في الدنيا؛ غير أنهم يخفونها عنا، قال تعالى: {بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ} [الأنعام : ٢٨]، قال أهل التفسير: “ليس الأمر كذلك، بل ظهر لهم يوم القيامة ما كانوا يعلمونه من أنفسهم من صدق ما جاءت به الرسل في الدنيا، وإن كانوا يظهرون لأتباعه خلافه” !!

ولتقريب المعنى: نحن في هذه الدنيا نحزن ونأسف وتضيق صدورنا؛ إذا مُنِعنا من دخول ما نطمع في رؤيته من الأماكن والمنشآت العظيمة الجميلة .. فكيف بأسى وحزن وحسرة من حرّم الله تعالى عليهم -في الآخرة- دخول جنات النعيم، وكتب عليهم الخلود في نار الجحيم ؟؟!!
فدعونا نقف وقفتين مع بعض الآيات الكريمات التي تُبين لنا حِرمان المكذبين بآيات الله تعالى؛ المستكبرين عنها من دخول الجنة، لعلّ هذه الوقفات تدفعنا إلى دعوة غير المسلمين؛ وهم بعدُ في هذه الدنيا:

الوقفة الأولى: استحالة دخول غير المسلمين الجنة -إذا ماتوا على كفرهم وتكذيبهم- قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} [الأعراف : ٤٠] !!

الوقفة الثانية: لو جاء غير المسلم -يوم القيامة- بستة بليون تريليون طن من الذهب -وهو وزن الأرض كما يقول أهل الاختصاص- لم تعتقه من دخول النار والخلود فيها، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ} [آل عمران : ٩١] !!

ومع إدراكنا بأن الخطاب القرآني الكريم موجه للعالمين؛ وليس للمؤمنين فقط؛ فإن السؤال الذي يطرح نفسه: هل سمع غير المسلمين بهذه الآيات؛ وشبيهاتها ؟؟!!
الجواب: في الغالب أنهم لم يسمعوها !!

فهلا أوصلنا لغير المسلمين؛ ترجمة معاني القرآن العظيم؛ ليمروا عند قراءته على هذه الآيات العظيمة -التي تأملناها في هذا المقال- علّهم ينتبهوا من غفلتهم، ويعودوا لدين الفطرة، ويسلموا لله رب العالمين، وينضموا إلى قافلة الموحدين لله تعالى الموعودين بجنات النعيم !!

ومن أعظم الآثار الإيجابية لدعوة غير المسلمين: أن مجتمعاتهم ستتغير ديموغرافيا لصالح الإسلام والمسلمين؛ كلما دخل فيها مسلمون جدد .. وهو فتح فيه شيء من الشبه من نوع الفتح الذي حصل في صلح الحديبية؛ حيث دخل الكثير في الإسلام في تلك الهدنة، وسماه الله فتحا مبينا، قال تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح : ١] !!

كذلك من الآثار الإيجابية لدعوة غير المسلمين: إظهار عظمة قيم هذا الدين؛ الذي يُرغِّب أتباعه في إخراج المكذبين بهذا الدين -حتى لو كانوا اليهود الغاصبين- من الظلمات إلى النور، ومن الحرمان من دخول جنات النعيم؛ إلى الفوز بها مع الفائزين !!

وأخيرا: لو سأل سائل كيف أدعو غير المسلمين في هذا العصر ؟!
فإنني أنصح -لمن صعُب عليه دعوتهم مباشرة- أنصحه بدعم الجهات الدعوية التي تُعنى بدعوتهم عن طريق الشبكة العنكبوتية؛ كجمعية ركن الحوار الأهلية، وكذلك كثير من المكاتب التعاونية التي لها عناية بدعوة غير المسلمين، وخاصة مع سهولة دعم المكاتب التعاونية عن طريق تطبيق الراجحي !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله تعالى له ولوالديه وللمسلمين ..​

التأمل المفيد – ٢٢١

التأمل المفيد (٢٢١)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الثانية والثمانون].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

قال الله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان : ٦٣]، قال أهل التفسير: “وعباد الرحمن الصالحون يمشون على الأرض بسكينة متواضعين” !!

سبحان الذي ميز مِشية عباد الرحمن بالسكينة والتواضع !!
والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هي دلالات هذه المشية التي يحبها الله تعالى ؟!

الجواب: أول دلالاتها: قوة الصلة بالقرآن الكريم !! فالعبد المؤمن يعلم -لقوة صلته بالقرآن الكريم- أن الله تعالى يبغض مِشية التكبر والخيلاء؛ فيتجنبها، قال تعالى: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} [الإسراء : ٣٧]، وقال تعالى: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان : ١٨]، وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: (بيْنما رجلٌ يمشِي في حُلَّةٍ تُعجِبُهُ نفسُهُ ، مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ ، إذْ خسَفَ اللهُ بهِ الأرْضَ ، فهو يتجلْجَلُ فيها إلى يومِ القيامَةِ) [رواه البخاري (٥٧٨٩)، ومسلم (٢٠٨٨)] !!

الدلالة الثانية: مِشية السكينة تدل على شدة مراقبة عباد الرحمن لله تعالى، مما يجعلهم يضبطون كلامهم -حتى وهم يمشون- فلا يجهلون على من يجهل عليهم، قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان : ٦٣]، قال أهل التفسير: “وعباد الرحمن الصالحون يمشون على الأرض بسكينة متواضعين، وإذا خاطبهم الجهلة السفهاء بالأذى أجابوهم بالمعروف من القول، وخاطبوهم خطابًا يَسْلَمون فيه من الإثم، ومن مقابلة الجاهل بجهله.” !!

الدلالة الثالثة: شمولية منهج الإسلام في توجيه جميع جوارح الإنسان نحو السلوك الأفضل !!
فكما وجه الإسلام المؤمن للمِشية السوية -كما مر معنا في الآية الكريمة التي هي موضع التأمل في هذا المقال- كذلك وجه الإسلام السمع والبصر والفؤاد، قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء : ٣٦] !!
ووجه اللسان، قال تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} [الإسراء : ٥٣]، وقال تعالى: {وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان : ١٩] !!
ووجه أيدي الإنسان بألا يسرق بهما ولا يبطش، قال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة : ٣٨] !!

وليس ذلك فحسب؛ بل يمتد أثر ما تعمله جوارحنا إلى يوم القيامة، حيث تشهد علينا بما عملناه في هذه الدنيا، قال تعالى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور : ٢٤]، وقال تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [فصلت : ٢٠] !!

وأخيرا: ممّا ينبغي التنبه له: أن العبد المؤمن الذي يمشي على الأرض هونا؛ لا يعني أن يتماوت في مِشيته، فقد وصف علي رضي الله عنه مِشية الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: “إذا مشى تَكفَّأَ كأنَّما ينحدِرُ من صبَبٍ”[صححه الألباني في صحيح الترمذي (٣٦٣٧)]، لقوة مشيته صلى الله عليه وسلم؛ لكنها مِشية بسكينة تخلو من التكبر والخيلاء !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله تعالى له ولوالديه وللمسلمين ..