التأمل المفيد – ١٤٧

التأمل المفيد (١٤٧)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الثالثة عشرة].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة التي تتحدث عن السماوات والأرض وما بينهما !!

قال الله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا • لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا • تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} [مريم : ٨٨-٩٠]، قال أهل التفسير: “تكاد السماوات يتشقَّقْنَ مِن فظاعة ذلكم القول، وتتصدع الأرض، وتسقط الجبال سقوطًا شديدًا غضبًا لله لِنِسْبَتِهم له الولد. تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.” !!

حينما يرتب البشر الأقوال القبيحة والشنيعة التي تصدر منهم؛ ترتيبا تصاعديا -بدون الرجوع إلى الشرع الحنيف- فإنهم يحصرونها في الأقوال التي تصدر تجاه بعضهم البعض فقط !! حيث يكون أقلها -على سبيل المثال وليس الحصر- ما يؤدي إلى جرح المشاعر، ثم تزداد قبحا متى ما أدت إلى القطيعة، ثم منها ما يؤدي إلى الشجار ومن ثم القتال والاحتراب !!

أمّا أن تصل شناعة بعض الأقوال -التي تخرج من أفواه المليارات من البشر في هذا العصر- أن تصل شناعتها إلى أن السماوات ومجراتها تكاد أن تتشقق منها، وتتصدع الأرض، وتسقط الجبال؛ فهذا ما يجب أن يعرفه الناس أجمعون !!

إن أقبح وأشنع الأقوال هو ما كان فيه انتقاص لله تعالى؛ لأسمائه الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الجليلة !!
وقد خَص الله تعالى من هذه الأقوال؛ انتقاص أكثر من مليارين من البشر اسم الله تعالى (الأحد)، يلحدون فيه؛ فينسبون له الولد -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- خص الله تعالى هذا القول الشنيع بأن السماوات تكاد تتشقق مِن فظاعة ذلكم القول، وتتصدع الأرض، وتسقط الجبال !!

وهناك العشرات من الأقوال الشنيعة التي يطلقها الذين يلحدون في أسماء الله تعالى، يدخلون في الوعيد الذي جاء في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف : ١٨٠]، من ذلك انتقاص الكثير من البشر في هذا العصر؛ اسمي الله (العليم والحكيم)، يلحدون فيها؛ بقولهم: إن أحكام الدين لا تناسب العصر !!

أمّا المؤمنون الموحدون فإنهم أولا: يعلمون من كتاب ربهم الترتيب الصحيح لأشنع الأقوال التي تصدر من البشر، قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان : ٦٨]، رتبت الآية الكريمة الأقوال الشنيعة، فجعلت الشرك بدعوة غير الله؛ أول وأشنع الأقوال!!

ثانيا: إذا نظروا إلى السماء -متأملين في آيات الكتاب الكريم التي تبين لهم تعظيم السماوات والأرض والجبال لخالقها العظيم، قال تعالى: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} [مريم : ٩٠]، وقال تعالى: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنّ} [الشورى : ٥]، وقال تعالى: {السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ ۚ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا} [المزمل : ١٨]- فإنهم يزدادون بهذا التأمل تعظيما لله تعالى، وتقديرا له سبحانه حق قدره !!

وأخيرا: إن التأمل في الآيات الكريمات؛ التي تبين تعظيم السماوات والأرض لخالقها، وغضبها الشديد من الأقوال الشنيعة المنتقصة له سبحانه؛ تدفع أهل التوحيد إلى تكثيف الجهد الدعوي لإخراج هؤلاء المنتقصين من الظلمات إلى النور !! فالدعوة إلى التوحيد فيها من التعظيم لله تعالى وتنزيهه الشيء الكثير والكبير !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ١٤٦

التأمل المفيد (١٤٦)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الثانية عشرة].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة التي تتحدث عن السماوات والأرض وما بينهما !!

قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} [الأنبياء : ١٦] !!

هل من المنطق والمعقول أن يندهش الإنسان لمنظر مبنى بطابقين، ثم يلتفت في نفس اللحظة إلى ناطحة سحاب؛ بطول ميل في السماء؛ فلا يندهش لها أبدا، وكأنها مبنى من طابق واحد، أو كأنها خيمة ؟!! لا شك أن عدم الاندهاش لرؤية ناطحة السحاب؛ مقارنة بالاندهاش الكبير تجاه المبنى ذي الطابقين لا يمت إلى المنطق بصلة أبدا !!

هذا ما يحصل لبعض الناس، تراه مندهشا عند تجواله في أحياء مدينة قد اشتهرت بجمالها وجمال طرقها وأبنيتها ! وحوله السماء بمجراتها وأفلاكها وشمسها وقمرها وكأنها ليست موجودة، قد غفِل القلب عن عظمتها !!

حينما يلفت القرآن الكريم أنظارنا -في نحو أكثر من مائة وأربعين آية- إلى خلق السماوات والأرض وما بينهما؛ فلا يشك عاقل بأن أمر السماوات والأرض عظيم، وأن الله تعالى لم يخلقهما عبثا وباطلا، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} !!
ولنقف وقفتين فقط أمام خلق السماوات والأرض:

الوقفة الأولى: هب أنك وقفت أمام مبنى وزارة من الوزارات، من الوهلة الأولى سيخطر على بالك وجود وزير في هذا المبنى، ومئات الموظفين ومكاتب وتجهيزات لا حصر لها !! كل هذا يخطر على بال الإنسان لحظة وقوفه أمام وزارة من الوزارات !!
ولله المثل الأعلى، تذكر كلما نظرت في السماوات؛ أن الله تعالى مستو على عرشه، فوق هذه السماوات -استواء يليق بجلاله سبحانه- وأن هذه السماوات تعج بالملائكة الكرام الصافين والمسبحين، قال تعالى: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ • وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ • وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} [الصافات : ١٦٤-١٦٦] !! ولو تمعن الواحد منا في معراج النبي صلى الله عليه وسلم -حيث مر بالسماوات السبع؛ سماء بعد سماء، حتى انتهى صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى، حيث قدّر ربنا تعالى فرض الصلاة بالقرب من الحضرة الإلهية- لو تمعنا في حادثة المعراج لحصل في نفوسنا تقدير عظيم لله تعالى حين ننظر إلى السماوات !!حديث المعراج [أخرجه البخاري (3342) واللفظ له، ومسلم (163)] ..

الوقفة الثانية: بعد استحضار عظمة ربنا سبحانه -حين ينظر الواحد منا إلى السماء- وأنه سبحانه مستو على عرشه – استواء يليق بجلاله- بعد ذلك تفكر في أفعال ربنا سبحانه وهو مستو على عرشه، قال تعالى: {يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن : ٢٩] !! لنتذكر أنه ليس البشر من يسأل ربنا سبحانه حاجاته فقط، بل العوالم كلها؛ ممن عرفنا؛ كعالم الملائكة والجن، وأمم أمثالنا، متجانسة في الخلق من الدواب والطير، وكذلك ما لم نعلم من الخلائق !! فقد بين سبحانه أن كل ما في السماوات والأرض يسأله !!

وحتى يتصور الواحد منا كثرة من في السماوات والأرض الذين يسألون خالقهم سبحانه؛ جاءت آية سورة لقمان التي قال الله فيها: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان : ٢٧]، لتبين لنا كما قال أهل التفسير: “ولو أن أشجار الأرض كلها بُريت أقلامًا والبحر مداد لها، ويُمَد بسبعة أبحر أخرى، وكُتِب بتلك الأقلام وذلك المداد كلمات الله، لتكسرت تلك الأقلام، ولنفِد ذلك المداد، ولم تنفد كلمات الله التامة التي لا يحيط بها أحد” !!

وقد أبدع ابن القيم رحمه الله تعالى في الحديث عمّا يخص البشر فقط من قوله تعالى: {يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}، فقال: “يغفر ذنباً، ويُفرِج هماً، ويكشف كرباً، ويجبر كسيراً، ويُغني فقيراً، ويُعلِّم جاهلاً، ويهدي ضالاً، ويُرشِد حيران، ويغيث لهفان، ويفك عانياً، ويُشبِع جائعاً، ويكسو عارياً، ويشفي مريضاً، ويعافي مبتلى، ويقبل تائباً، ويجزي محسناً، وينصر مظلوماً، ويقصم جباراً، ويُقيل عثرة، ويستر عورة، ويُؤمِّن روعة، ويرفع أقواماً، ويضع آخرين” !! [الوابل الصيب (72)] ..
فكيف بسؤال باقي الخلائق مما نعلم ومما لا نعلم ؟؟!! ذلك غيب لا يعلمه إلا الذي أحصى كل شيء عددا سبحانه !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ١٤٥

التأمل المفيد (١٤٥)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الحادية عشرة].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة !!

آية قرآنية عظيمة تكشف سببا مهما من أسباب انحراف غير المسلمين نحو الشرك؛ وعدم تقدير الله تعالى حق قدره، قال الله تعالى: {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد : ١٦]، قال أهل التفسير: “أم أن أولياءهم الذين جعلوهم شركاء لله يخلقون مثل خَلْقه، فتشابه عليهم خَلْق الشركاء بخلق الله، فاعتقدوا استحقاقهم للعبادة ؟

هذه الآية العظيمة تجيب على سؤال لطالما خطر على بال المسلم: كيف لا يرى غير المسلمين قدرة الله تعالى على خلق كل شيء، خاصة في هذا العصر الذي أراهم الله تعالى فيه آياته في الكون وفي أنفسهم؛ دلالة على وحدانيته سبحانه، وأنه هو المستحق للعبادة وحده ؟؟!!

الجواب: حينما يزداد عُجب الناس بما صنعوا وأبدعوا، ويرون أنهم جاءوا بما يدهش العقول -من أبنية تناطح السحاب وأنفاق تشق حتى البحار، وأسلحة ذات دمار شامل، وغيرها من الصناعات- حتى ظنوا أنهم أوجدوا وصنعوا شيئا شبيها في العظمة بما يخلق الله تعالى -{أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ}- عندها يشرك المفتونون بِما صنعوا -شعروا أم لم يشعروا- مع الله تعالى إلها آخر؛ ينقادون إليه في كل صغيرة وكبيرة في مجالات حياتهم كلها، وليس في مجال الصناعة فقط، بل سلموا لهذا الإله وأطاعوه وانقادوا إليه في أمور الإنسان؛ الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية وغيرها، نابذين وحي الله تعالى وراء ظهورهم !! هذا الإله الذي اتخذوه شريكا مع الله تعالى هو “العلم المادي” !! فسقطوا بذلك الانقياد لهذا العلم؛ الذي خلا من هدى الله تعالى -{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص : ٥٠]- سقطوا في حمئة الجنس والإباحية، بما أباح لهم هذا العلم المادي من استحلال للزنا والشذوذ، وتفاقمت أنواع الجرائم المختلفة، وتفككت الأسر، فحق عليهم قول الله تعالى في كل من يشرك بالله تعالى: {فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [الزمر : ٢٦] !!

والأمثلة على هذا الانحراف في هذا العصر كثيرة، منها :
ينسى غير المسلمين عظمة البحار التي خلقها الله تعالى -وأنها بالإضافة إلى حملها للسفن ! فهي كذلك جند من جنده، أغرق بها قوم نوح؛ وفي هذا العصر أهلك تسونامي واحد مئات الألوف من البشر- ينسون عظمة ما خلق الله تعالى من بحار !! في الوقت الذي يندهشون فيه غاية الإندهاش لما صنعوا من حاملات للطائرات؛ يزيد تعداد طاقم الواحدة منها على خمسة آلاف بحّار !! فيقعوا في ذلك المزلق الذي تحدثت عنه الآية الكريمة، ويروا أن العلم المادي شريك مع الله تعالى، حيث مكنهم من صنع أشياء عظيمة؛ تشبه في عظمتها ما يخلق الإله سبحانه: {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} !! وليس صناعة حاملات الطائرات فقط هو ما فتنهم ! بل شيدوا أبنية ناطحات للسحاب، وفي عالم التقنية الرقمية صنعوا الروبوتات، كما شقوا الأنفاق التي تشق البحار، وغير ذلك من الصناعات الكبيرة !!

هذه الآية العظيمة -{أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ}- أول من خُوطِب بها كفار قريش ! غير أنهم لم يكن لديهم القدرة آنذاك على صناعة ما يبهر العقول كما صنع غير المسلمين في هذا العصر !! فكان أن تأثر كفار قريش بهذه الآية وهذه الحجة القرآنية، وتبين لهم سخافة عبادتهم للأصنام؛ التي يصنعوا بعضها من التمر، فإذا ما جاعوا أكلوها، فهي لا تضر ولا تنفع !! فترك كثير منهم الشرك، ودخلوا في دين الله أفواجا !!
بخلاف غير المسلمين في هذا العصر؛ الذين فتنهم العلم المادي، فأخضعوا حتى الإنسان للتجارب والدراسات، فانقادوا إليه في كل جزئية من جزئيات حياتهم، ناسين أن تزكية النفوس لا تكون إلا بمنهج خالقها سبحانه وتعالى !!

أمّا المؤمنون بالله تعالى، التالون لكتابه الكريم فلا يقعون في هذا المزلق الشركي بفضل من الله تعالى !! ذلك أن كتاب الله تعالى بين لهم أن الله تعالى خلق الناس وما يعملون، قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}[الصافات : ٩٦]، فالله تعالى خلق المواد -كالحديد وغيره – التي يصنع منها البشر هذه الصناعات العظيمة !! كما أنه سبحانه هو من خلق الإنسان ومنحه هذا العقل والسمع والأبصار والأيدي والأرجل، ممّا مكنه من صنع حاملات الطائرات وشق الأنفاق وتشييد ناطحات للسحاب، وغيرها من الصناعات التي أدهشت العقول، فالله خالق كل شيء، قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}، وقال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر : ٦٢] !! المؤمنون إذا وفقهم الله تعالى لصنع شيء ينتفع به الناس؛ قالوا: الحمدلله الذي بنعمته تتم الصالحات !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ١٤٤

التأمل المفيد (١٤٤)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة العاشرة].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة التي تتحدث عن السماوات والأرض وما بينهما !!

قال الله تعالى: {قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنبياء : ٤] !! خاطب الله تعالى بهذه الآية العظيمة كفار قريش، ولهذا دعونا نحاور بها غير المسلمين في عصرنا !!

يتباهى غير المسلمين بما وصلوا إليه من تقنيات رقمية متقدمة -في المجال الأمني- من خلال كاميرات تسجل الأقوال والأفعال في مساحات محدودة من هذه الأرض؛ في المباني والطرق والموانئ والمطارات وغيرها !!
فأين هم من الله تعالى الذي يسمع ويعلم قول كل مخلوق؛ في مساحة عرضها السماوات والأرض: {قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} !!

والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف غابت عند غير المسلمين رقابة الله تعالى عليهم، وسماعه سبحانه لأقوالهم ورؤيته لأفعالهم ؟؟!! في الوقت الذي استحضروا في أنفسهم وأخذوا الحذر ممّا يمكن أن تسجله عليهم كاميرات منصوبة هنا وهناك !!

والجواب سهل للغاية، ولا يخرج عن كلمة “المعرفة” !! نعم إنها “المعرفة” !!
فحين عرفوا أن هناك كاميرات في هذا المبنى أو ذاك، ابتعدوا عن قول أو فعل الخطأ، في محيط عمل تلك الكاميرات !!

وحين غابت عند غير المسلمين -معرفة الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الجليلة، ومنها معرفة هذه الآية العظيمة -{قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}- حين غابت معرفة الله تعالى عندهم؛ أشركوا مع الله إلها آخر، وتعدوا حدوده، فظلموا أنفسهم، وظلموا غيرهم !!

*ربنا سبحانه يسمع ويعلم كل قول يصدر من أي مخلوق في السماء والأرض، في ليل أو نهار، وفي أي شأن كان هذا المخلوق !! بل وحتى السر في صدور الخلائق يعلمه سبحانه، قال تعالى: {قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفرقان : ٦] !! *
بهذه المعرفة وبهذا العلم بالله تعالى؛ يستحضر الناس رقابة الله تعالى عليهم !!

إن رقابة الله تعالى في نفوس المؤمنين، والتي يكرم الله تعالى بها من عرفوه سبحانه -بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الجليلة- هي نظام أمني أخلاقي رباني، لا يحتاجه المسلمون فقط !! بل تحتاجه البشرية جمعاء، لتسعد في الدارين !!

وإذا كانت الكاميرات سببا في بسط شيء من الأمن في مساحات صغيرة ومحدودة من هذه الأرض؛ فإن استحضار رقابة الله تعالى في النفوس تنشر الأمن في المجتمع كله، تنشره في البيوت، وفي أماكن العمل، وفي الطرقات، وفي الملتقيات والمحافل المكتظة بالناس، وفي أماكن عباداتهم، مهما ازدحمت، كما في الطواف بالبيت الحرام والسعي بين الصفا والمروة، حيث تجد الجنسين فيهما غاية في الطهر والعفة والبعد عن أذى بعضهم البعض بالرغم من الزحام، كل ذلك بسبب استحضار رقابة الله تعالى في النفوس !!

فحذار ثم حذار أن تضعف رقابة الله تعالى في نفوسنا نحن المسلمين، فيقل أمننا، ويصيبنا ما أصاب غيرنا من الأمم !!
علينا نحن أهل الإسلام أن نجتهد في زيادة معرفتنا بالله تعالى؛ بالتأمل في آيات الكتاب الكريم وأحاديث المصطفى الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ١٤٣

التأمل المفيد (١٤٣)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة التاسعة].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة التي تتحدث عن السماوات والأرض وما بينهما !!

كنت أستمع يوما لمذيع النشرة الجوية في دولة غربية، حيث تبين له من توقعاته أن المناخ لن يكون صحوا وجميلا خلال إجازة نهاية الأسبوع، فقال مستاءََ ومستكبرا: (اللعنة، لقد تمكنا من الإحاطة والسيطرة على كل شيء، ما عدا المناخ لم نقدر على السيطرة عليه) !!
أو يظن هذا المذيع أن قومه في طريقهم للسيطرة مستقبلا على المناخ، بعد ظنه أن قومه سيطروا على كل شيء ؟؟!!

والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي جرأ هذا المذيع؛ حتى يظن أن قومه قد أحاطوا وسيطروا على كل شيء، ما عدا المناخ !! والله تعالى يقول: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ} [سبإ : ٢٢] !! إنه الجهل بالله العلي العظيم الذي جرأه ليقول قولته الكاذبة الشنيعة !! فقد نفت الآية الكريمة امتلاك -المذيع وقومه وآلهتهم التي يعبدون والبشرية جمعاء- نفت امتلاكهم ولو ذرة في السماوات والأرض !!

وإن المسلم ليتعجب من قبح كلام غير المسلمين حينما يتكلمون باستكبار وغرور عمّا لديهم من العلم، قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر : ٨٣] !! ولا شك أن قولة: لقد تمكنا من الإحاطة والسيطرة على كل شيء !! فيها مخالفة صريحة لكلام الله تعالى عن نفسه سبحانه، ومنه قوله تعالى: {لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ} !!

وسأختار في مقالي هذا مجالا واحدا فقط من بين مجالات كثيرة، لبيان عدم قدرة البشر على السيطرة على هذا المجال، إلا أن يشاء الله تعالى بذلك !!
فهل يا ترى سيطر قوم هذا المذيع الذين -{لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ}- على الأمراض التي يصيبهم الله تعالى بكثير منها؛ عقابا على نشرهم الإباحية ؟؟!! قال صلى الله عليه وسلم: (ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لمً تكن في أسلافهم الذين مضوا) صححه الألباني [صحيح الترغيب (2187)]، والأمراض لديهم في ازدياد -خاصة الجنسية منها- بالرغم من حجم التقدم الكبير الذي أحرزوه في مجالات الطب وعلومه !!

بل قد بين ربنا سبحانه أنه قادر على الذهاب بالبشرية كلها والإتيان بغيرها، قال تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا • إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا} [النساء : ١٣٢-١٣٣] !! فأنى لبشر لا سيطرة له على نفسه؛ أن يحاول السيطرة على أمور أكبر وأضخم منه في هذه الدنيا كالأمراض أو المناخ أو غيرهما ؟؟!!

كما أنه سبحانه قادر على أن يذهب بكل ذرة في السماوات والأرض، ويستبدلها بغيرها، قال تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [ابراهيم : ٤٨] !!

ألا ما أعظم الإسلام الذي عرّفنا بربنا العظيم -بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الجليلة- من آي القرآن الكريم، ومن أحاديث نبيه الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم، فتأدبنا -بسبب هذه المعرفة- في تعاملنا مع الله تعالى؛ فما نقول إلا ما يرضي ربنا العلي العظيم !! وإن قول الله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الانسان : ٣٠]، هو ما يؤمن به المسلم ويقوله -قبل وأثناء وبعد- توفيق الله تعالى له لأداء عمل في هذه الدنيا، سواء كان عملا صغيرا لا يُؤبه له، أوكبيرا ينتفع الناس به !! ولا يصدر منه أبدا قول شنيع مثل قول ذلك المذيع !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ١٤٢

التأمل المفيد (١٤٢)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الثامنة].
نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة التي تتحدث عن السماوات والأرض وما بينهما !!

لابد للبشرية أن تستحضر المصدر الوحيد الذي جعله الله تعالى لرزقها؛ المأكول منه والمشروب، هذا المصدر هو السماوات والأرض، قال الله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [النحل : ٧٣] !!
فليس مصدر رزق الناس ملايين المصانع التي تُعنى بالاستفادة من مختلف أنواع الثمار، ومختلف أنواع اللحوم !! ذلك أن دور هذه المصانع لا يزيد على معالجة هذه الأرزاق وحفظها وتقديمها للناس على شكل مصنوعات غذائية متنوعة !!

إن مصدر رزق الناس قد جعله الله تعالى في الماء النازل من السماء، وفي الأرض التي يحييها الله تعالى بالماء، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} [فاطر : ٣]، وقال تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}[يونس : ٣١] !!

ومتى ما تذكر الإنسان أن الله تعالى قد جعل مصدر رزقه؛ فيما ينزل من السماء، وفيما ينبت من الأرض، قال تعالى: {وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [الجاثية : 5] !! عندها سيقدِّر ماذا يعني نزول القطر من السماء، وماذا يعني انقطاعه !! كما سيقدِّر ماذا يعني إحياء الله تعالى للأرض الميتة، فيخرج منها الزرع، وماذا يعني موتها فلا تنبت شيئا !! وبهذا التفكر سيزداد تقدير العبد لربه الخلاق العظيم !!

وقد نعى القرآن الكريم على أناس عدم تفكرهم في تصريف الله تعالى للأمطار بين البلدان، قال تعالى: {لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا • وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورً} [الفرقان : ٤٩-٥٠]، قال أهل التفسير: “ولقد أنزلنا المطر على أرض دون أخرى؛ ليذكر الذين أنزلنا عليهم المطر نعمة الله عليهم، فيشكروا له، وليذكر الذين مُنعوا منه، فيسارعوا بالتوبة إلى الله – جل وعلا- ليرحمهم ويسقيهم” !!

أخيرا: سيلاحظ القارئ الكريم أنني اقتصرت في مقالي على رزق الله تعالى من المأكول والمشروب، دون غيره من الأرزاق الكثيرة التي تخرج من باطن الأرض كالذهب والفضة والنفط ، أو تأتي من السماء كالشمس والقمر !! ذلك أن الطعام والشراب رزق ضروري لكل إنسان، في يومه وليلته، ولذا كان حديث القرآن عنه كثيرا !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ١٤١

التأمل المفيد (١٤١)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة السابعة].

نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة التي تتحدث عن السماوات والأرض وما بينهما !!

تستعرض بعض الدول أمام العالم ما تمتلكه من قوى اقتصادية أو عسكرية أو غير ذلك من أنواع القوى، ليعلم الجميع ضخامة ما تمتلكه تلك الدول القوية من إمكانات؛ حتى تُهاب من قِبل الغير !!
لكن تلك الدول لا تزيد قوتها عن أسلحة متنوعة؛ لا يخرج مداها عمّا أسموه بحرب النجوم !! أو قطعا بحرية -ومنها الغواصات- لا يمكنها الغوص إلا إلى أعماق محدودة؛ مخافة أن تتفجر لقوة الضغط في الأعماق البعيدة !!

وأمّا حينما يتكلم الله تعالى عمّا يملكه من قوى ليخوف بها أعدائه، ويؤيد بها أنصاره؛ فإن الحديث يكون عن ملكه سبحانه لما في السماوات والأرض من أفلاك لا تعد ولا تُحصى، وريح، وبرق وصواعق، وبحار، وجبال، وغير ذلك، قال تعالى: {أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} [سبإ : ٩]، تدعو الآية المكذبين إلى النظر -{أَفَلَمْ يَرَوْا}- فيما يملكه الله تعالى من قوى في السماوات والأرض !!

وقد عدّد الله تعالى في آية واحدة أربع أنواع من القوى الموجودة في السماوات والأرض، عاقب بها أمما مكذبة، قال تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت : ٤٠]، هذا العذاب ليس من المكذبين -في أي زمن- ببعيد !!
وهناك غير هذه القوى الأربع، ذلك أن الله تعالى له جنود السماوات والأرض، قال تعالى: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [الفتح : ٧] !!

وليست قوته سبحانه مقتصرة على المحسوس ممّا في السماوات والأرض، بل حتى قلوب أعدائه؛ يملك سبحانه قذف الرعب فيها، قال تعالى: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} [الأحزاب : ٢٦] !!

ومن أعظم ما يدل على عظمة الله وقوته؛ هو أنه سبحانه يقول للشيء كن فيكون، قال تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [النحل : ٤٠] !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ١٤٠

التأمل المفيد (١٤٠)

بيوت المسلمين في العالم وأثر هدى الكعبة عليها !!
أنطلق -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الكتابة عن هذا الموضوع المهم من قوله تعالى عن بيته الحرام: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران : ٩٦].
لست هنا متحدثا عن بيوت الناس داخل البلد الحرام، ذلك أن هذه البيوت تقع في أرض حرام؛ يعلم أهلها أن الأجور فيها مضاعفة، وأن الصلاة داخل حدود الحرم بمائة ألف، وأن الذنوب فيها مغلظة !! وهذا يعني أنهم جديرون بأن يكونوا أحرص الناس على استلهام هدى البيت، لوجودهم في حرمه !!
إنما حديثي عن بيوت المسلمين في أصقاع الأرض كلها، وعن أثر هدى البيت عليها، حيث نصت الآية أن هدى البيت للعالمين !!

لم تأت التشريعات التي يعظّم فيها المسلم القبلة -أيا كان موقعه على هذه الأرض، من استقبال لها في الصلاة، وعند الدعاء، وعند ذبح ذبيحته، وعند دفن ميته، وعدم استقبالها أو استدبارها عند قضاء حاجته- لم تأت هذه التشريعات في تعظيم القبلة بمنأى عن استلهام القيم العظيمة التي وضع الله تعالى بيته الحرام في أم القرى لأجلها؛ مباركا وهدى للعالمين !!

من القيم العظيمة التي يجب أن يستلهمها المسلم عند استقبال القبلة مرات كثيرة في اليوم الواحد، أيا كان موقعه على هذه الأرض:

أنها قبلته في توحيد الله تعالى، قال إبراهيم عليه السلام وهو يبني البيت: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة : ١٢٨]، ومعلوم أن إبراهيم عليه السلام -إمام الموحدين- لم يبق في البلد الحرام قبل أو بعد بناء البيت، لكنه كان يتردد إليه، حيث كان أيضا ينشر التوحيد في أماكن أخرى !!

وهي قبلته في الطهر من كل الخبائث والآثام؛ الحسية والمعنوية، قال تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة : ١٢٥] !! فحري بكل مسلم في كل بقاع الأرض أن يطهر نفسه وأهله وبيته من كل ما يخالف الشرع الحنيف !!

وهي قبلته في أمنها الذي خصها الله تعالى به، قال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا} [البقرة : ١٢٥]، فحري بكل مسلم في كل بقاع الأرض أن يعي المفهوم الشامل للأمن في الإسلام، وهو حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، عاملا بتشريعات ربه تعالى التي تحقق له أرقى درجات الأمن في هذه الضرورات الخمس كلها !!

وهي قبلته في التوبة -فيها حجران يكفر الله تعالى خطايا العبد بمسحهما، قال صلى الله عليه وسلم: (إن مسحهما كفارة للخطايا)صححه الألباني [صحيح الترغيب (1139)]- فهي قبلته في تذكيره بضرورة استمرار توبته إلى الله تعالى، وطلب مغفرته وعفوه ..

وهي قبلته في تذكيره بمآله الأخروي الذي يطمع فيه بجنة عرضها السماوات والأرض !! فحري بكل مسلم في كل بقاع الأرض أن يكون توجهه نحو القبلة وحجرها الأسود الذي نزل من الجنة؛ تذكيرا له بالجنة مرات عديدة في اليوم والليلة !!

اللهم اجعلنا نستلهم هدى بيتك الحرام أينما كنّا ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ١٣٩

التأمل المفيد (١٣٩)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة السادسة].

نواصل -بتوفيق الله تعالى- التأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة التي تتحدث عن السماوات والأرض وما بينهما !!

نزل أبونا آدم وزوجه عليهما السلام إلى الأرض، ليجدا ضخامة وعظمة وكثرة ما سخر الله لهما -جميع ما في السماوات والأرض- قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية : ١٣] !!
لابد أن تتمعن أيها الإنسان في حجم هذا التسخير الضخم لك أنت، مخاطبا نفسك قائلا: يالقدرة الخلاق العظيم، الذي أمره بعد الكاف والنون سبحانه، قال تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [النحل : ٤٠] !! فقد سخر لي ما في السماوات وما في الأرض !!

هيا لنتأمل في بعض ما سخره الله تعالى لآدم وزوجه عليهما السلام، وهو ما سخره سبحانه لي ولك ولكل إنسان !!

ليس المسخر لك خزانا من الماء في بيتك أو محل عملك، ولكنه أكبر من ذلك بكثير، وبما لا تستطيع الأرقام أن تعكسه !! إنها بحار وأنهار ووديان، قال تعالى: {وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ} [الأنعام : ٦]، كما زخرت هذه البحار والأنهار بالحياة البحرية؛ بما لا يحصي عدده إلا الله تعالى !! فخاطب نفسك وقل؛ يالقدرة الخلاق العظيم !!

وليس المسخر لك صندوقا من الفاكهة تبتاعه من حلقة الفواكه والخضار !! ولكنه أكبر من ذلك بكثير، وبما لا تستطيع الأرقام أن تعكسه !! إن الله سخر لك أكثر من نصف مليون نبتة من الأشجار، وبما لا يحصيه إلا الله تعالى من الأعداد لكل نبتة من هذه النبتات، قال تعالى: {يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل : ١١] !!فخاطب نفسك وقل؛ يالقدرة الخلاق العظيم !!

ولا ينتهي الحديث عن ضخامة وكثرة ما سخر لك خالقك أيها الإنسان !! تامل فيها؛ لأننا بذلك نتعرف على عظمة المُسخِّر سبحانه، ونرتقي في تقديرنا له سبحانه !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي

التأمل المفيد – ١٣٨

التأمل المفيد (١٣٨)

معا؛ لنرتقي في تقديرنا لله تعالى حق قدره في هذه الحياة الدنيا !! [الحلقة الخامسة].

في هذه الحلقة نتأمل في بعض الآيات القرآنية الكريمة التي تتكلم عن المَلِك سبحانه؛ وكيف عرض لنا ملكه للسماوات والأرض وما بينهما !! وتأتي أهمية استعراض هذه الآيات؛ إذا تذكرنا أن البشر يَرَوْن غِنى من يملك جزرا في البحر، أو حدائق وبساتين كبيرة في البر !! ولكن -وللأسف الشديد- لا يستعرضون ملك الله تعالى للسماوات والأرض وما بينهما، الذي نوه عنه سبحانه كثيرا في كتابه الكريم !! ولذلك حذر الله تعالى من هذه البلادة في عدم التفكر في ما تحويه السماوات والأرض من دلائل عظمته ووحدانيته؛ من شمس وقمر وكواكب وجبال وأشجار وغيرها، قال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف : ١٠٥] !!

أول ما كثر ذكره في القرآن الكريم عن السماوات والأرض؛ هو تعريف الرسل عليهم السلام بربهم أنه سبحانه يملك السماوات والأرض وما بينهما، قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ..}[الأعراف : ١٥٩] !! فليس من يملك السماوات والأرض وما بينهما؛ كمن يملك قطعة أرض مهما امتدت، أو حدائق غناء مخضرة !!

ومن ذلك بيان الله تعالى أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، قال تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [غافر : ٥٧] !! وهذه لفتة عظيمة: فمع معرفتنا أن خلق الإنسان أمر عظيم !! وأن الناس لا يستطيعون خلق خلية حية واحدة من خلاياهم، أو خلايا باقي المخلوقات؛ لأن الروح من أمر الله تعالى !! إلا أنه سبحانه يقول عن خلق السماوات والأرض أنه أكبر من خلق الناس !!

ومن ذلك إمساك الله تعالى لهذه السماوات والأرض أن تزولا، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر : ٤١] !! وهذه لفتة عظيمة يغفل عنها الكثيرون !! إذ كل البشر يهابون حتى من الاقتراب من مبنى مهدم؛ مخافة سقوطه عليهم!! فكيف برؤية مليارات مليارات النجوم المعلقة في الفضاء، لا ممسك لها إلا الله ؟! لا شك أنها رؤية مهيبة !!
وكلنا قد رأى كيف يؤثر الكسوف أو الخسوف للشمس والقمر على دنيانا !! والحمدلله أن هدانا -وهو سبحانه الممسك لهذه السماء والأرض- هدانا إلى اللجأ إليه بالصلاة لتزول الغمة !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعد عون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي